الرئيسية / احدث التدوينات / ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

نضال-غريبي-660x330

 | نضال الغريبي – الشاعر التونسي المنتحر

مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين

نتتبع الخالي من الطرقاتِ والظلّ المعارْ

وهنا نموتُ على الرصيفْ بلا صديقْ

من غير دارْ

من غير نارْ

غير المساء والبرد

والعطش الغزير

غير الحِصارْ  (١)

ان علاقة الانسان بروحه ونفسه علاقة معقدة جدا لا تعبر عنها اللغة والكلام في كثير من الاحيان .. قد تبدو احتياجاتهما بسيطة جدا في كيفية ارضاءهما لكن كل التساؤلات والتداعيات النفسية تطل بظلالها على حياة الفرد بأشكال مختلفة من الاضطرابات وردود الافعال التي يفقد الإنسان السيطرة عليها في النهاية وينتج عنها ردود أفعال مختلفة.. ولطالما كانت النتائج غير سارة او مرضية بدءا بالشخص وانتهاءًا بمحيطه ومجتمعه .

( نحن ندون ما نحياه من مآسي ومن فرح ) (٢)

 يتحدث الكُتاب عن الكتابة بما يعني انها تمثل جزء من خلاصهم الذاتي بمحاولة التعبير عن ذواتهم ومشاعرهم واحاسيسهم الانسانية على نحو غير بعيد وغير منفصل مما تعنيه من كونها ادب و ابداع وفن للمتلقي .. لذا كل هذا الخطاب الذي يكمن في صوت الكاتب الملقى في السطور وبينها من الأهمية .. اعتقد أنه لا يجب ان يتم تجاهله ولو بشكل بسيط .. أقول هذا ولا أنسى أن هنالك انفصال وانفصام بين الكاتب ونصه ونفي شخصي من الكاتب أن النص منفصل عنه .. لكن دائما هنالك علاقة قوية بين الكاتب والمكتوب .!

   ربما تواري الخطابات خلف ستائر الإبداع الكتابي ما يجعل من كل احتمالات تفهمها على نحو حقيقي غير وارد بالنسبة للمتلقي ؛ إلا باستقراء فعلي لحياة الكاتب بكل تفاصيل محيطها ؛ لكن من ذا الذي يملك من الاهتمام لأن يتابع حياة كاتب بسبب نص قرأه ويحاول إدراك ما يصلح حياته ؟!

 هل كل ما يعانيه الإنسان -ككاتب مثلاً- من صراعات نفسية من وضعه المهمش وتعطيله عن العمل لسنوات واثر ما يترتب على تقلباته النفسية قد يقوده للانتحار ؟! كلها تظل أسئلة عالقة تحتمل كل الإجابات .. لكن في نهاية الأمر تفضي لإجابات وأفعال متعددة لا يمكن توقعها ببساطة ؛ وحدها الأسئلة ما تَبقَى في ذكرى الرحيل ولطالما تكمن الحلول في أصل المشكلة .. وفي ساق السؤال الرطب والمجروح حديثاً ، وليس ثمة جرح احدث من عنوان في الصفحة الأولى للصحف يحمل انتحار إنسان !

  الكتابة قد تبدو كسؤال وإجابة في جنين واحد ، كل يوم يكبر فتضح منه إجابات وتنساب منه أسئلة آخرى .. لتستمر كمعادلة لا نهاية لها ! هي نتيجة عوامل نفسية تساعد على التخلص من الأشياء العالقة داخل الإنسان بشكل ما .. الأشياء الجميلة او التي لا يُرقب وجودها وتسبب اضطرابا في علاقة الروح والنفس بالجسد فتنعكس على هيأة الكاتب بمشاعر واضطرابات آخرى لا يتم التحكم فيها ببساطة .. فكما هو شائع ارتباط الكتابة بمقدار كبير بالحساسية المفرطة تجاه الأشياء وارتباط الكاتب بها وجدانيا وروحيا . إن الكتابة تعبير صريح عن ما يُخالج النفس ويقودها في حياتها ! وبرغم من أن هنالك دراسات عن الكتابة تدعي أنها تساعد على شفاء الجروح بسرعة إلا إن حوادث مثل انتحار الكُتاب يخلق معارضة وتكذيب لها بصورة واضحة وقوية ..!

ويظل سؤال لماذا نكتب مطروحاً ! وكيف ؟! لما  ؟! وماذا يترتب على عملية الكتابة من احاسيس ومشاعر واحتمالية تأثيرها على حياة الفرد .؟!

( سأقذف نفسي أمامكَ، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم ! )   ( ٣)

 فاجعة موت اللغة في فم الكاتب ليست مجرد توقف لأنفاس إنسان على دروب الصفحات الفارغة فما ملأه في مجرد خانة لموقع التواصل الافتراضي فيسبوك كافيا ؛ إنما الموت بتجاهل يفضي إلى السماح بحدوث ذات الفاجعة باستمرار وبأشكال مختلفة ومتنوعة في كل يوم على امتداد بلاد بعيدة وقريبة .!

نضال الغريبي :  وصدقا لما قاله : ( نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته )  في محاولة لإخبارنا بحقيقتنا الساذجة والغير مبالية -كبشر- بشكل رقيق ومهذب ؛ أو بسخرية كاتب لم يعد يهمه شيء على الإطلاق غير أمانيه بالسكون والراحة كما أبداها في وصيته ؛ وأن يهب لمن حوله حبال أسبابه التي قادته للانتحار رثة وبالية لكيلا يستخدمها غيره  .!

( سادتي، أحبّتي، عائلتي المضيّقة والموسّعة، أوصيكم بأنفسكم خيرًا، وبأولادكم حبّا .. أحبّوهم لأنفسهم، لا تحبّوهم لتواصل أنفسكم فيهم، اختاروا لهم من الأسماء أعظمها وأرقاها، وكونوا شديدي الحرص في ذلك ..فالمرء سادتي رهين لاسمه، شأني، أمضيت عقودي الثلاثة بين نضال وضلالة وغربة ..علّموا أطفالكم أنّ الحبّ ليس بحرام، وأنّ الفنّ ليس بميوعة، لا تستثمروا من أجلهم، بل استثمروا فيهم، علموهم حب الموسيقى والكتب.)  ( ٤)

( شكل الانتحار مادة مهمة للبحث والتحليل لدى الكثير من المفكرين والفلاسفة أمثال نيتشه وفرويد وشوبنهاور فلقد وجد هؤلاء في هذا الاختيار الذاتي للموت عمقًا فكريًا يستطيعون من خلاله إرساء قواعد ليستطيع الباحثون الاستناد عليها فيما بعد، ولقد سجل الانتحار على مر التاريخ الإبداعي والأدبي شهرة كبيرة طالت الكثير من الأدباء العرب والعالميين، سبب هذه الشهرة للانتحار لا يكاد ينفصل عن سبب شهرة فاعليها، فالأدب الذي يقدم مادة مليئة بالمشاعر والأحاسيس والأفكار التي لعلها تفتح للقارئ عالمًا جديدًا نرى كتّابه يذهبون بشكل محيّر إلى إنهاء حياتهم .

 يرى نيتشه أن على الإنسان أن يجعل من موته عيدًا فيختار هو موعده وشكله ولحظاته، ولا يترك للقدر والموت المفاجئ أن يخطف منه هذا الاختيار الإيجابي، إذًا هل نأخذ من نيتشه فكرة أن الانتحار ليس مجرد يأس أو عدميّة أو مرض نفسيّ؟، لكن في تفاصيل بعض الأدباء ما يكفي لكي ترى أن انتحارهم هو نتيجة حتمية لما كانوا يعيشونه وحتى ما يقدّمونه من أدب، وبعضهم الآخر أعطى عن نفسه صورة لا تستوي معها فكرة الإقدام على الانتحار. ) *

* ( مهند سعد ؛ مدونة انكتاب)

وبشكل اوسع يرى نيتشه أن حياة الإنسان مرتبطة بمدى قدرته على العطاء، وأنَّه متى شعر الإنسان بعدم قدرته على تقديم المزيد أو العلوّ أكثر مما هو عليه فإنّه يشعر بحاجةٍ شديدة إلى الموت ولذلك يجب أن يجعل الإنسان من موته عيدًا فيختار هو موعده وشكله وطريقته ليقطع بذلك الفرصة على الموت المفاجئ أن يحرمه حق الاختيار. فهو يرى أن الموت الذي لا دخل لإرادة المرء فيه هو موت الجبناء ولكنه على الرغم من ذلك، قد حُرم من جعل موته عيدًا – كما يقول – إذ انتهى به الأمر بأن مسته لوثة من الجنون استمرت 11 عامًا أودع على إثرها في إحدى المصحات العقلية حيث انتهت حياته.

على الجانب الآخر يرى الفيلسوف ألبير كامو أن الانتحار ليس حلًا مناسبًا لأنه ينفي المشكلة بدلًا من حلها ويقول إن الحلَّ المناسب إنما يكمن في مقدرة الإنسان على خلق فنّ يعكس حالته الإنسانية. ولكنَّه – على الرغم من ذلك – قد صرح لأحد أصدقائه المقربين لأكثر من مرة بأنه يشعر بالخواء الداخلي وأنه مليء باليأس القاتل وليس من المستبعد أن يلجأ للانتحار.

  قد فطن الشاعر الإنجليزي واحد روَّاد الحركة الرومانسية، اللورد بايرون، إلى هذا الأمر باكرًا حين قال متحدثًا عن نفسه وأقرانه من الشعراء: «نحن أصحاب الصنعة كلنا مجانين؛ فجميعنا تصيبنا نوبات الحبور الزائد والكآبة المفرطة».

 فيرجينيا وولف ، ارنست هيمنغواي .. فلاديمير ماياكوفسكي ، عبدالرحيم أبو ذكرى ، خليل حاوي .. وآخرون .. مثلوا مسرحيات تراجيدية مع الموت .. كُل على هواه في رحلته الآخيرة ؛ وحدها الأسئلة هي الباقية .. فهل يمكن أن يقال انهم كانوا يحملون بذور انتحارهم معهم دائماً ؟! وأن متلازمة انتحار الشعراء والكُتاب واضطراباتهم النفسية واكتئابهم علقت حبل مشنقة في سقف غرفهم مع قصائدهم ونصوصهم الروائية التي يقرؤونها ويكتبونها .؟!

  هل يوجد فرق في تناول قصص الانتحار على حسب ضحاياها ووضعهم الاجتماعي والثقافي أم انها كلها متشابهة الدوافع وردود الأفعال من الأوساط المحيطة .؟!

أيها الرَاِحُل في الليل وحيّداً

ضِاِئعاً مُنفرِداً

أمسُ زارتنِي بَواكّيُر الخريفْ

غَسَلتْنِي بالُثلوجْ

وبإشراق المروجْ

أيها الراحلُ في الليلِ وحيداً

انتظرني

فأنا أذهبُ في الليل وحيداً (٥)

 

٥،١ عبد الرحيم أبو ذكرى

٤،٢ نضال الغريبي

٣ فيرجينا وولف

 

 

عن خالد عمر

mm
كاتب من السودان