مسند بخاري

 

64af1be33be32887acb3922810f60c40

 **

أنا مقعد صغير في الحافلة ،حسنا بالتحديد أنا أكثر المقاعد مرونة ،أستطيع أن أتشقلب وأن أطير أيضا .!

أنا مقعد من لا مقعد له ،حتى الآن لم تعرفني ،لهذا سأخبرك عني بالطريقة غير المفضلة لدي وهي : أنا مجرد شيء يشبه الوسادة ،يجلس علي عادة من لا يجد مقعداً .

مقاعد الحافلة تنظر إلي باستعلاء يظنونني لا أنتمي لها وأنني جئت من الخارج .

لكني قوي واعتبر نفسي جزء من المكان ،أو بصراحة ذات مرة قرأت رواية زوربا وتعلمت أن أنتمي للعالم .

مقاعد حافلة غبية تظن أن عالمها هو كل العالم ،لكن العالم شاااااسع جدا .

موقعي ساخن مثل الشرق الأوسط وهذا تشبيه سياسي ،موقعي ساخن مثل فرن وهذا تشبيه بسيط .

فأنا فوق المكنة مباشرة ،دائما تئن وتصرخ ،أظنها مصابة بالجنون وكان لابد للجنون من مكابح .

إن المكنة لو تركت لجنونها سوف تدهس المارة الغافلين ومنتظري المواصلات المتعبين .

أنا كمسند في ربوة عالية ولهذا استطيع النظر لكل ركاب الحافلة ،في الصباح تفوح رائحة صابون الغسيل منهم ومن ملابسهم فكثير من الناس يعد الاستحمام بصابون حمام ترفا ؛لهذا الصابون الذي يغسلون به ملابسهم وأجسامهم واحد .

رغم هذا الفقر والعوز تجد بعضهم يدخن السجائر وآخرين يسفون الصعوط ،وهؤلاء أزعجوا نوافذ الحافلة وهن لطيفات بالمناسبة ولي معهن مواقف مشرفة ،ويعتبرنني شيء يذكرهن بالعالم الذي ينظرن إليه دائما.

يحببن المطر وفصل الشتاء أما فصل الصيف فيجدنه مرهقا جدا ،لكن هذه قصة أخرى .

لا اعرف إن كنت ذكرا أو أنثى لكني أجد الرجال مقرفين ومزعجين .

أما النساء فضعيفات ،دائما ما أرى رجلا يعاكس امرأة ما والبنت لا تفعل شيئا غير أن تستسلم وتبتعد بعضهن قويات،يثرن ويفتعلن شجارا عاليا .

أظن أن التحرش يعكس أنانية الرجل الذي يريد أن يأخذ دائما ،لكن قصتي ليست عن التحرش فهي قضية سخيفة لأن المتحرشين سخفاء وأصحاب نفوس صغيرة .

ما أصغر همتك لو كنت تبتغي فقط لمس نهد أو فخذ امرأة .!

قصتي عن بخاري وهو فتى في العشرين من عمره ،جاء من قرية بعيدة ليعمل كمساري .أهل قريته يأكلون في الفطور عصيدة بملاح ويكة ويتغدون بكسرة بملاح أم رقيقة ويتعشون أحيانا بشعيرية ! ويعتمدون في معاشهم على ما يرسله أبنائهم أمثال بخاري من جنيهات .

في أول مرة في العمل ككمساري عانى الكثير من المشاكل خصوصا أنه كان يتأتي في الكلام وكان يبتسم في وجوه الركاب ورغم ذلك لم ينل إلا السخرية من بعضهم .فتعلم الصمت وأن يكون وجهه بلا ملامح ،كأنه لا يملك مشاعر .

مشاعره الإنسانية من حنين إلى الأهل والقرية وحب للناس والعالم وضعها في جيبه العميق حيث يضع فكة الأيام . أصبحت الإهانات لا تجرحه والشتائم لا تهز له وترا حساسا .

يشعر بالراحة عندما يأخذ الأجرة من الركاب ويقف في الباب ويترك الهواء يهب عليه ،يحاول أن يقرا اللافتات يتأتي وهو يقرأها (م ط ع م …) تفوته اللافتة لكنه يترقبها في المرة القادمة ليتمها ( مطعم ا ل خ يرااا) يفوته الحرف الأخير لكنه متأكد أن سيراه ويتهجاه .

في اليوم التالي يقرأ ( مطعم الخيرات ) يبتسم ويبتهج ثم يلتقط لافتة أخرى ليقرا كلماتها .

هذا الأمر حسن من قراءته قليلا ،وربما لتأتاته أثرا سلبيا في تعلمه للقراءة ،إنه لم يتعلم أن يقرا بصوته الداخلي ،الذي سيكون سريعا وربما ذات يوم سيتعلم أن يقرأ بمجرد رؤيته للكلمات .

كان بخاري يحبني يجدني مسندا أحمرا لطيفا ،دائما ينفض عني الغبار ويضعني في مكاني الصحيح ،ويرفعني بسرعة لو سقطت عن مكاني .

أحيانا بخاري يبتسم لمن يبتسم في وجهه ويفرح لو شاركه أحد الوقوف شماعة ،حينها يشعر أنه زول من ضمن الأزوال .

يحب بخاري الزحمة حيث تتحرك الحافلة ببطء مما يسمح له بقراءة اللافتات براحته . واللافتة التي يقرأها لا ينساها أبدا .

وكذلك يترقب ظهور لافتات جديدة ،سائق الحافلة عرف هوايته الغريبة فتطوع لتعليمه القراءة ،وعندما يتأتي بخاري في التهجئة يضربه السائق بالجريدة على رأسه ( الحوار يا بخاري ،الحوار الوطني عمرك ما حا تتعلم القراية أنسى الموضوع )

ينهض بخاري مبتسما إبتسامة بلهاء ،لا تعبر عن شيء إلا عن خجله من قلة حيلته .إنه لا يريد أن يتعلم القراءة هو يحب أن يقرأ اللافتات ،يجد متعة كبيرة في ذلك ،الراحة التي يجدها عندما يقرأ لافتة هي ما تهمه .

( أمشي جيب لي شاي ) وبينما ست الشاي تجهز له طلبه يقرأ بخاري ما كتبته على طاولتها (من أجل أولادي ) بالطبع تهجا هذه الكلمة حرفا حرفا حتى نطقها بشكل صحيح .

ينام بخاري داخل الحافلة ويغسلها أيضا ،عندما ينام يتخذني وسادة .وهو ينام بعمق ولا يشخر وهذا شيء مريح .

ذات يوم ركبت في الحافلة فتاة في غاية الجمال ،تبدو لطيفة لأن كل مافي حياتها لطيف ،بالتأكيد تسكن في بيت لطيف ،أهل بيتها يتحدثون مع بعضهم بلطف ،تأكل طعاما لطيفا .

في كل يوم يرى بخاري فتاة جميلة ،ولكن هذه البنت بالذات كانت تحمل في يدها لافتة صغيرة .

فقرأ كلماتها (رواية زوربا ) كان كتابا ضخما ،وأول مرة يرى فتاة تحمل كتابا يبدو ممتعا ،رأى الكثيرات يحملن كتبا لها علاقة بتخصصهن فيعرف أنها مملة من ملامح وجه صاحبها.

أما هذه الفتاة فكان كل شيء في وجهها ويديها الجميلتين يشيران أن الكتاب الذي تحمله ممتع .سرحت الفتاة في العالم الذي يخصها ،كانت لها أحلام كثيرة وأغاني تتذكرها وبلاد تتمنى أن تزورها وقصائد تشتهي أن تكتبها وكتب تخطط أن تقرأها .

كان عالمها كبيرا لأنها تعرف الكثير ،وكم ستكون دهشته كبيرة لو علم بخاري أن هذه الفتاة الصغيرة اللطيفة تكسب من عملها أكثر منه بعشرات المرات لأنها تعرف الكثير أيضا .

شعر بخاري بالحزن لما نزلت ،وعندما انطلقت الحافلة التفت إلى مقعدها وكان يشعر أنه سيراها لكنه لم يجدها ،وهو يريد أن ينظر إلى لافتة ما في الطريق رأى الرواية تحت المقعد .

نظر إلى السائق فتركها في مكانها ليأخذها في الليل .

بمصباح هاتفه الصغير (ريبيكا ) كان بخاري يقرأ أول كتاب في حياته ،لوقت متأخر من الليل كان يتأتي .

قبل أن ينام يخبئ الرواية داخلي ،وهكذا قرأت زوربا قبله .

في ساعات العمل ينظر إلي باهتمام وهذا يجعلني أهتم بالرواية أكثر .حتى الآن قرأ ثلاث صفحات فحسب .

وفي الليل وبمصباح الهاتف الصغير يقرأ ،وأحيانا يسهر الليل كله . حتى بدأ يرتكب الأخطاء في الشغل ،وأصبح ينسى كثيرا .

ذات مرة ركبت نفس الفتاة التي نست الرواية ،وكعادة بعض الركاب نست أنها ركبت في هذه الحافلة من قبل وأن هذا الكمساري بالذات أرجع لها ذات مرة الباقي .

ولم تجد الفتاة مقعدا شاغرا فجلست علي وبداخلي كانت روايتها ،بخاري هزته المفاجأة ولم يعرف ماذا يقول ؟ وخاف أن يتكلم فتضحك عليه الفتاة لأنه يتأتي ،وبالكاد يتكلم .

سكت بخاري وأغمض عينيه ؛وشعر بأن جسمه أصبح باردا ،وقدماه ضعيفتان . كاد أن يسقط ومن أنقذه كانت الفتاة التي أمسكت بذراعه بقوة وجرته نحو الداخل .

بينما تطوع راكب آخر بإغلاق الباب،توقفت الحافلة ،شعر بخاري بيد الفتاة تمسك ذراعه تقيس ضغط دمه ،وسمع صوتها : إنه متعب جدا ،إنه يحتاج إلى الراحة ،أجلسوه على مقعد بجوار النافذة ،هي بنفسها فتحتها له .

وهي تنزل من الحافلة نظرت إليه فرأت دمعة تسيل على خده ،لحسن الحظ كانت تلك أخر وردية ،بعد أن شرب بخاري عصير برتقال وأكل جيدا بدأ يستعيد عافيته قليلا .

قبل أن ينام أخرج من داخلي الرواية ،وقد كنت أستعيد ذكرى ما حدث؛ جسده يتهاوى ،الجميلة التي أمسكت يده ،هو أيضا رغم تعبه أمسك يدها ،لا لينجو من الموت ولكن لأنه لابد أن يحدث ذلك ،أخذ يشم الكتاب ،يبحث عن رائحتها ،إنه لن يقرأ اليوم فهو متعب جدا ،سيقرأ ربما بعد غد .

منذ الآن يشتاق لحروف الكتاب السوداء . قام باتخاذي وسادة ونام .

تحولت إلى غبار أحمر بارد ولطيف ،وكلما تنفس بخاري أصبحت في داخله وذبت في دمه وأصبحت جزء منه .

عندما استيقظ بخاري كان يشعر بنشاط كبير ولكنه لم يجدني ،بحث عني كثيرا ولم يجدني ؛لن يعرف أبدا أنني أصبحت صوته الداخلي وانه لن يتأتي في القراءة والكلام مجددا .

لكنه وجد الرواية وكم كانت فرحته عظيمة عندما وجد نفسه يقرأ بسهولة ،لقد قرأ 40 صفحة من الرواية وهو ينتظر سائق الحافلة ليذهب إلى العمل ،وخلال أوقات الانتظار قرأ 60 صفحة .

لكنه عندما نظر إلى مكاني لم يجدني ،لقد تذكرنا معا . أنا والفتاة .

بخاري لن ينسى مسنده الحبيب .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

تعليق واحد

  1. قصة لطيفة ، إذ كلُّ شيء فيها لطيف .. العبارات يسيرة منسابة ، والمعنى ذا عمُق كبير .
    سلِمت يداك .

أضف تعليقاً