الرئيسية / احدث التدوينات / العيون المبتسمة

العيون المبتسمة

99944.1459547392571

في حدقتي عيني الأم الواسعتين نشأ الخوف، نبت وتشعب كنجيل ضريسة. في العينين المُصفرّتين المبتسمتين لطفلها ذي السنوات التسع كمن الألم، تمدد كطيف صياد يوشك أن ينقض على طريدته. وطوال المسافة التي قطعاها، من طرف ”سوق الاثنين“ إلى عيادة الدكتور، لم تكن الأم تفكر في شيء – لا شيء أبداً- سوى بالأنين المرُّ لابنها … لقد قال لها الطفل أن بطنه تألمه، قال ذلك مساء الخميس، قاله كأنما يقول شيئاً بسيطاً، خبراً تافهاً لا يجب الانتباه إليه ويزول مباشرة بعد النطق به، فسقته الحلبة المغلية على نيران الحطب، دهنت جسده الضامر بالزيت والكمون.. هدأ قليلاً، تحسن ونام تحت القمر، حلم بعشرات الفراشات الملونة في الوادي… لكنه في صباح الجمعة انهار، أصيب بنوبة استفراغ وحمى. اعتقدت الأمُ أن المرضَ التهاباً، طمأنت نفسها بأنه ملاريا على أكثر تقدير، لابد أن يكون كذلك؛ بسيطاً ضمن الأمراض البسيطة التي تصيب الأطفال وتكسبهم مناعة. أعطته حبة بندول مكسورة و”كباسيل“ تحفظها للدهر، مسحته واحتضنته وهدهدته، وحينما بكى بكت معه؛ فما الذي بيد أم أرملة في قرية مقطوعة أن تفعله أكثر من ذلك. احتضنت جزعه وخبأت جزعها. عليهما أن يصبرا إلى فجر الاثنين، ستأتي عربة البوكس وسيقصدان إلى حيث يمكن أن يجدا طبيباً. قالت له سنمضي إلى السوق.

فرح الصبي، أخبر أمه أن عليها أن تشتري له إذا تعافى سمكاً وباسطة، ولِمَ لا كرة قدم وحذاءً بأربطة … فأن يذهب الولد للسوق أمر لا يحدث إلا نادراً، بل لم يحدث منذ أن غاب والده عن البيت. أين يغيب أباء الأولاد الذين يرغبون في حذاء بأربطة !

صباح السبت كان هنالك دم على الملاءة في السرير، دم وإسهال ووجع، دم داكن وأسود، دم ودموع وأنين. أهي دظنتاريا ؟! التوعك الطفيف الذي يعدي الأطفال في حجر أمهاتهم. ابتسمت الأم وهي تغسل لزوجة البقع الحمراء عن الملابس كأنما تغسل الأرض، لم تكن قلقة، أو هكذا تتظاهر، أما دواخلها فقد قتلها الهمُّ. من الداخل كانت تموت.

يوم الأحد جرّت الماعز التي تطعمهما من أذنها وذهبت تطلب من الناس أن يشتروها، بسعرٍ مجزٍ إذا تكرموا، أو بأي سعر إذا أرادوا، عرضتها على أهل الفريق والخيام الذين هم أشد فقراً منها، عرضتها وتوسلت على أن يقرضوها ويعينوها، لكنهم بالكاد كانوا يغلقون عيونهم ويتثاءبون ويمدونها بالقليل… وفي الأخير ذهبت إلى ود العمدة.

ود العمدة عجوز، في السابق طلب أن يقربها وضايقها في حياتها، خنقها لأنها وحيدة أتى بها زوج ورحل.. كانت في كل مرة تطرده وتقول بأن عليه احترام شيبته. لكن ها هي الآن تقف أمامه وتتنازل لشيبته. ود العمدة تحسس الماعز، عجفاء وعاقر ولن تدر لبناً، نظر إليها بخبث وقال سيبتاعها إذا ما وضعت له في المستقبل خاطراً، أرادت أن تنتهره، لكنها وجدت نفسها تقول أن له عندها خاطراً.

في تلك الليلة حلمت الأم بمئات الكوابيس، رأت فيها أباها وأخويها وأمها، أحلامها التي نسيتها، ثم رأت حرباً وحريقاً وموت، ومن ألسنة اللهب رأت ود العمدة يتشكل بشاربه الكث يركض خلفها، كان ضخماً وماجناً وكانت بلا حول، رأته يضربها ويفتك بها، ورأت ولدها يحتقرها، ورأت كلام الناس ينمو كغابة شوك حول عنقها. وحينما استيقظت مخنوقة كانت عيناها محتقنتين بالدموع وأنفاسها مقطوعة، لكن وجه طفلها الملائكي النائم قربها -بعينيه المبتسمتين- ساعدها على أن تهدأ.

فجراً احتلّا مكانهما على ظهر عربة بوكس مزدحمة، ضربتهما الريح والغبار، جمدهما البرد الجاف، وأنهكتهما الطرق غير المعبدة. كان سفرهما لساعات، سفراً عبر باطن الروح وظاهرها. كأنه نزع بلا عودة.

عندما وصلا إلى السوق، راود الأم توتر قديم، خوفٌ من الأماكن المزدحمة التي يصعب الفرار منها، أربكتها حشود الأهالي القادمة من كل صوب، صياح الباعة المتكسر في حناجرهم، قوقأة الدجاج والديكة المعدة للذبح، روائح البهارات والتوابل والأطعمة. جفلت بنوبة هلع لكن كان عليها أن تنسى الخوف وتقتله. تشجعت وشدت على يد ابنها الشاحبة، مشت بخطوات حذرة من طرف سوق الاثنين إلى عيادة الطبيب، ومشى الصبي مترنحاً بجوارها.. حتى ذلك الوقت كان ما زال بإمكانه أن يمشي ويحرك ساقيه، ولم تجذبه الدكاكين ليركض وينطلق كما كان يفعل مع والده حين يرافقه للتزود بالمؤن، إنما تحرك ببطء مرهقاً وفاتراً.

في العيادة جلست الأم في صف طويل على الأرض وسط أنَّات عشرات المرضى، قتلها الانتظار المُمل وخوفها على ولدها، طبيب واحد وما يفوق المائة مريض، طبيب واحد وعشرات القرى. ومع أنهما وصلا مبكراً، إلا إنه كان عليهما الانتظار أربع ساعات أخرى. آناء ذلك انشغلت الأم بإجراء حوارات قليلة مع النساء بجوارها عن الأسعار والمعيشة، لكنها في النهاية شردت بالتفكير في حياتها القديمة، عندما كانت سعيدة في حجر أبيها ووسط أخويها، عند زوجها الذي يُقبلها ويلهبها، ثم بدأت الذكريات تخبو وتتداخل، إلى أن وصلت نقطة صعب عليها تذكر ما بعدها، نقطة صفر فارغ. نظرت الأم إلى وليدها وهدهدته، وغدت مرعوبة من ذاكرتها.

نُدِه اسم ابنها فحملته ودخلت به إلى مكتب الطبيب، كان شاباً في مقتبل العمر، ضجراً ومنهكاً، استفسرهما بسرعة عن أسئلة بسيطة لأشياء بسيطة، جسَّ نبضه وفحص عينيه، تحسس بطنه وصدره، وطلب فحوصات: دم وفسحة وبول.

لم يكن لديهما تأمين على الصحة، وعندما احتجّت الأم على السعر الذي يجب دفعه خفّض لها المسؤول ثمن التذكرة… لو كانت هي المريضة لفضلت أن تموت على أن تدفع، لاحتملت وهنها في سبيل إطعام ابنها، فهي تحمل في جوفها عشرات الأوجاع والأنين، لكنه هو الآن المريض، صبيها الوحيد، فلذة الكبد الذي سيحميها عندما يكبر، البذرة التي ستنمو في الغد وتثمر…

قال الطبيب وهو ينظر للنتائج، إن الولد مصاب بيرقان، وقال شيئاً ما عن الكبد لم تفهمه الأم، كبد متضخم، سنتمترات كثيرة، وسألها أسئلة لم تكن متأكدة من إجابتها، ثم أعاد فحصه وأعاد الأسئلة المبهمة التائهة التي لا يمكن أن تعود إلى مرض خفيف، فأشعل ذلك فيها القلق المستتر، لكن في الأخير بدا الطبيب محايداً وهو يثرثر بصوت خافت. أوصاها فقط أن تذهب بسرعة إلى المدينة الكبيرة، حيث المشفى الكبير، كي يصوروا البطن بالموجات الصوتية للاطمئنان.

حينما غادرا العيادة كانت الدنيا مظلمة تماماً، نعم ما تزال الشمس ترابط هناك في الأفق وضوءها الأصفر يملأ الأرجاء، وضجيج الباعة والسوق والحيوانات.. لكنها في عيني الأم غدت سوداء معتمة تدور رحاها وتطحن القلوب، كانت الذكريات تقفز بها سريعاً في دوامة لا نهائية من المتاهات.. لمعارك وحريق وانفجارات، لتشرد ونزوح وجوع، وانبثق لها وسط كل ذلك الظلام، صور فوتوغرافية واضحة لموت أهلها، لوجه أبيها المرعوب، ولشظايا الأجساد المتفحمة.

لم تصرخ ولم تهوِ، استرشدت فقط بيد ولدها إلى النور، باليد الضامرة والمرتجفة، أمسكتها وشدّت عليها، وبعزيمة دفنت الذكريات ذكرى ذكرى، وألقت عليها تراب النسيان، دفنتها إلى أن لم يعد هناك سوى صورة الصبي الذي يريد أن تشتري له كرة قدم. ولدها المشرق، ذي العينين المبتسمتين.

بعد أن رجعت إلى قريتها تحسن الولد مع الأيام، رقاه شيخ الفريق ورداً محصناً وكواه بالنار على ساعديه وظهره وفخذيه، وشيئاً فشيئاً تعافى وبات يرعى بهائم ود العمدة ويزرع الأرض ويروي قصص السوق، وعند العصر يلعب كرة القدم كأن ما من داعٍ للذهاب إلى المدينة الكبيرة لتصوير بطنه. لكن الأم عرفت بأن الله يمنحها وقتاً ليس إلا، فحتى ظل الولد الباهت يخبرها بأن شيئاً ما سيحدث، ففي الليل تراوده الحمى، وتنتابه من وقت لآخر آلام البطن والإسهال والنزف.

إن كل ما تتذكره الأم عن زوجها الراحل هو عيناه، لقد كانتا لسبب ما مبتسمتين، تماماً كعيني رجل يعرف بأنه سيموت. أحياناً يؤرقها ذلك عندما صارت تتسلل إلى ود العمدة مقابل بضع جنيهات، لتشعر بأن العينين المبتسمتين ما زالتا تحدقان فيها طوال الوقت. وبالكاد، عندما تنجح في كبت الندم، تجد أن عيني صبيها تطابقان مع أبيه. وأنهما بدورهما تحدقان. لقد كانت عينا ابنها مصفرتين كشمس المغيب، ويوماً بعد آخر تصبح نظراتهما المبتسمة تثير التوتر. هزل جسده وتباطأت حركته، وفي ليلة حالكة بهمهمات الكوابيس أصابته نوبة تشنج.

منذ سنوات، حين لم يتبقٙ للمرأة أي أحد من أهلها سوى زوجها، فاجأها بأنه سيذهب إلى الحرب، ولم تكفي كل دموع العالم التي سكبتها عن صده، قبّل شفتيها وغادر، وجلست هي تدعو لمجيئه على حافة أمسيات الانتظار الأبدي، أدعيتها تلك لم تسمعها السماوات، ولم تفلح إلا في جلب تميمة الحجاب التي كان يشدها زوجها الميت على عضده. ذات التميمة التي تربطها الآن على عضد ابنها.

المدن الكبيرة مدن للشياطين، لم ترٙ الأم واحدة قط في حياتها، وكل الذي تعرفه بأنها إذا ما ذهبت فإن الضجيج سيبتلعها. قالت يستحسن أن تمضي قبل أن تغدو عينا ابنها أكثر ابتساماً، فالابتسام ربما هو رديف الموت. حملت نقودها التي نالتها من ود العمدة ورحلت، وفي نفسها أضمرت أن لا تعود، فما الذي بقي لها هنا؟! استأجرا مقعداً وثيراً في بص سفري، وودعا الأطلال دون نية إياب.

إذا كان سوق الاثنين في المدينة الصغيرة يثير فيها الهلع، فما بالك بالميناء البري للمدينة الكبيرة، وسوقها الضخم الذي لم تشهد مثله. حينما وصلا رأت الأم الموت يقبض على روحها من جموع آلاف الناس المحتشدة، وانتابتها ذكرى واضحة لما حدث في صغرها، يوم أن جاءت الحرب. لقد كانت مجرد طفلة ذهبت لتورد الماء مع قريناتها، فصعقن وهن يشاهدن طائرات الأنتنوف تلقي قذائف الجحيم، ثم لم يعد هنالك غير الجثث، ومن بقى حياً أتت عربات الجنجويد تحصده. مازالت حتى اليوم ترى في كوابيسها وجه أبيها المتفحم على هيئة الصراخ، أشبه بمنحوتة مسخ طينية لرجل فزع. هلعت وهربت بأقصى ما يمكن لفتاة أن تفعل، لكن صديقاتها لن ينجون، صراخ اغتصابهن يلاحق مسامعها إلى اليوم. وكلما ذهبت إلى مكان مكتظ كانت نوبات الذكريات تتكفل بإيقاظ وجه أبيها الميت. لكن الطفلة التي باتت الآن أماً لن تسمح للخوف أن يحتجزها، فما جدوى ذلك وطفلها يحتضر، حملته في حضنها وهي تشعر بأن كل عيون العالم تحدق فيها، مشت في طرقات معبدة وأخرى ترابية مستفسرة المارة عن مشفى الأطفال، استقلت مركبات عامة وسيارات أجرة. وحين دلوها ووصلت في الأخير كان كل الخوف قد رحل.

في المستشفى لم يكن الوضع مطمئناً، حكت شكواها للطبيب المناوب، فنادى لها طبيباً آخر سألها نفس الأسئلة التي يصعب الإجابة عنها، ثم جاء طبيب آخر وآخر وآخر، وتكلموا مع بعضهم بشأن ابنها بلغة لم تفهمها، حيث كانت فقط تنظر إليهم متوسلة، ثم بعد أن أنهوا الكشف السريري وأخذوا منه عينات للفحص أدخلوهما العنبر الضيق ومنحوهما سريراً مشتركاً مع طفل مريض ترافقه أخته. فتشارك أربعتهم السرير الضيق، وتقاسمت الأم والأخت الهم.

لقد كانت تظن أن لكل إنسان طلب ثلاث أمنيات من الله ليحققها. ففي سنوات آفلة، حينما هربت من قريتها وضاعت في البراري، وشارفت على الموت بسبب الإجهاد والعطش. دعت الرب أن ينقذها من الفناء، فاستجاب لها بإرسال قوة حفظ أمن تابعة لليوناميد، عثروا عليها مصادفة ووضعوها في معسكر نزوح. لكن المعسكر لم يساعدها في شيء، فرعب ما عاشته ملأها تماماً، وفي كل ليلة قضتها هناك انتابتها هلوسات الموت وكوابيس الرصاص. كانت يتيمة بلا أهل أو أقرباء، تطاردها أشباح الأرواح الميتة، ومجدداً عندما دعت الله أن يهبها أحداً ما، توسلها الثاني، جاء رجل بعينين مبتسمتين لزيارة المعسكر، واقتطفها لمزهريته.

تلك هي أجمل أيام عاشتها، سكنت معه في قريته، فمنحها زوجها أهلاً بدل أهلها، غرس في رحمها ابناً، وأعاد ترميم بتلاتها التي كانت قد أذبلتها الحرب. لكنه رحل، ولم يعد لأنه صادق ولأن الحرب في كل مكان. فدعت الإله أمنيتها الثالثة، أن يحفظ زوجها ويعيده إليها، لكن الله حفظ زوجها بطريقة أخرى مختلفة وأعاد لها أسماله. ترملت وتيتم ابنها. وتركت محجوزة وسط العيون المبتسمة.

جلست الأم على الأرض، أمامها طفلها الممدد وفي يده قنينة وريدية يُضخ عبرها العلاج، وبكت كما لم تبكي من قبل، لساعات وساعات، للإله الذي تعبده، متضرعة أمنية إضافية وأخيرة؛ أن ترى ابنها يرعى ويلعب. لكن الطفل لم يصدر منه إلا الأنين الخافت، ومع دعاءها الصادق والمخلص، بدا لها الأمر كأن الآلهة غير مفهومة.

ليلتها نامت على الأرض البلاطية الباردة للعنبر، تاركة السرير لابنها وللطفل المريض الآخر وشقيقته. نامت لثوان قليلة، فقلب الأم يوقظها متى ما تنفس ولدها وجعاً. كان برد الشتاء القارس يجعل أسنان ولدها تصطك، فنزعت عنها قطعة ثوبها ودثرته، ولم تعد ترتدي سوى خرقة الفستان البالي. ولو كان بمقدورها نزع جلدها لنزعته. رغم أن لسعات البعوض أدمتها.

في الصباح فاجأها الطبيب بأن ولدها يحتاج إلى نقل عاجل للدم، وأن عليها أن تعثر على متبرعين، فهو فاقدٌ للشهية منذ أشهر، بالإضافة إلى خسارته عبر النزف لنصف دمه. قال لها الطبيب بأن فصيلة ابنها نادرة، O سالبة، وأن عليها أن تبحث عن أحد بذات الفصيلة.. لكنها لم تجد شخصاً بذلك الوصف، وكل من تعاطفوا معها وتطوعوا للتبرع رفضوا بسبب عدم التطابق. لقد هرولت في كل مكان، تسبقها دموعها التي كادت أن تجف ويشغل قلبها الهم. وفي الأخير أصرت عليهم أن يأخذوا من دمها هي، رغم أنها الأخرى مصابة بفقره.

لطالما نظرت لابنها على أنه مجسم طبق الأصل من أبيه، يحمل عنه كل ملامحه ونظراتها، لكنها سعدت الآن لأن دمها تطابق معه، وفكرت في أن كل دواخل ابنها وأحشاءه ورثها عنها، ثم ارتعبت من أن مرضه الداخلي هذا ربما هو منها، وأنها فعلا السبب لكل ما يحدث، ليس فقط للصبي المعتل، بل حتى لأبيها وذويها الفانين في الحرب، ولزوجها الراحل. ثم فكرت وهي تتوسل أن الآلهة أخطأت بشأن ما يحدث، إن الذي يجب عليه أن يمرض ويعاقب على أفعاله، ليس الولد البريء وإنما أمه. فهي من تسللت إلى العمدة مقابل المال، وهي التي ارتكبت خلال حياتها عشرات الذنوب والمحظورات… ودعت الآلهة، مبتهلة وواعدة بعشرات النذر، أن تصحح الخطأ وتستبدل الطفل بها، لكن الآلهة غير المفهومة في نظرها لم تجب.

في الغد طلبوا منها أن تجري لابنها فحوصات وأن تجلب أدوية، ثم كرروا ذلك سبع أو ثماني مرات، وصوروا بطنه باستخدام الموجات وقالوا لها بأن هنالك ورم، وأن الكلى متضررة، وأن شيئاً ما في الكبد متضخم، وشيئاً آخر في مكان آخر قد حدث له أمر آخر، ثم سألوها الأسئلة التي اعتادت عدم التأكد من إجاباتها، الأسئلة التي تدخل الريبة في قلبها. ثم في اللحظة التي هزل طفلها جداً وابتسمت عيناه أكثر، وضعوا على أنفه أنبوب أكسجين.. كان أنين وجعه مسموعاً رغم أنفاسه السريعة، ومن حين لآخر ظل يطلب أن تسقيه بعض الماء قبل أن يستفرغه. كان الدم الذي لا تعلم الأم من أين جاء يملأ كل مكان من السرير إلى الأرض، مما اضطرهم لنقل الطفل الآخر وأخته ليشاركوا سرير مريضين آخرين. ثم طلبوا منها أن تحضر دواءً، بحثت عنه ولم تجده.. فطلبوا عوضاً عنه عقاراً بحثت عنه ووجدت أن ثمنه أغلى مما تقدر عليه. في الحقيقة هي لم تعد تقدر على شيء، فكل ما تملك من مال تبخر وآل إلى سراب. وكل ما لديها من قوى وآمال خارت كجدار منقض. متعبة توسلت إلى الناس، كما تتوسل كل أم تود نجاة ابنها، زارت الجوامع ومواقف المواصلات العامة والأسواق، وما جاد به الناس كفى فقط لسد الرمق. نقلوا ابنها إلى غرفة أخرى أضيق ومنعوها رؤيته إلا لماماً، وجاء رجال منظمات خيرية وأحضروا بعض جرعات الأدوية، ولم يتمكنوا من فعل أكثر من ذلك. غاب الولد عن الوعي لمدة ساعتين، وتشنج بفعل الحمى، وعندما أفاق كانت أمه بجواره تدعو الآلهة الغامضة، كانت عينا الطفل تبتسمان، مد يده الباردة ولمس جبين أمه، وقال كلاماً ما لم تستطع إدراكه. فبكت لأنه مازال يتشبث بها، وشملته بحضنها ودفئها.

جاء الطبيب المختص وقال لها كلاماً لم تقدر على مجاراته، ثم أطلعها بأنه يشك أن الصبي يعاني من داء خبيث، وأنهم هنا لا يملكون أي وسيلة ليتأكدوا من ذلك، ولا يستطيعون حتى مد يد العون أكثر، وأن أمامها فقط حل واحد، وهو شد الرحال إلى العاصمة. كانت الأم تسمع كلامه بشيء من القلق، وانشغل بالها في الكيفية التي ستذهب بها إلى العاصمة البعيدة، وشيئاً فشيئاً أسودت الدنيا في وجهها، وحلت على جسدها كل أوجاع العالم، وشعرت بأنها تلك الطفلة الشاردة من نيران الحرب، التائهة في الصحراء، والمحاصرة بأصوات الموت والاغتصاب.. ثم جاءتها نوبة هلع، وأحست بأنها تكاد تنفصل عن العالم، وبأنها ستموت لا شك وتفقد عقلها… إن كل ما يحدث الآن هو مزحة، حلم ركيك ستستيقظ منه في الصباح وتجد زوجها إلى جوارها، ستعد له الإفطار وتخرج معه إلى الحصاد، ثم رأت كل تلك الحقول المخضرة أمامها، وتنفست بالفعل رائحة الريح ونسيم المطر، وأبصرت النور الذي يشبه نور من هم على فراش الموت، ومن ظلمة احتضارها تلك، سمعت نداءً ما يعيدها لأمومتها. لكنها لم تقدر أن ترد عليه.

لقد مضت.!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة