بائع موز !

 

إبراهيم

 إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 ( كيلو الموز بي كم؟) ، سأله أحدهم

قال الصبي بجفاء بائن ، محولاً  نظره جهة الشرق ، كأنه لا يخاطب أحد : ( الكيلو بجنيهين ونص )

-لكن ال ” الأحدهم” احتج منزعجاً : ( ليييييه أصلو ، موز هو ولا قيامة قايمة ، عشنا وشوفنا .. أنا ما عندي ليك غير جنيه واحد وبس )

   وهنا بالتحديد.. ودائماً في اللحظة الفاصلة ، يسكت بائع الموز ، كأنه يفكر في أمور عديدة ، متنوعة وغير مهمة ، ومن بينها الحب. لكنه وللحق لم يفكر يوماً في شيء بعينه، بل يسكت قبيل أن يجيب : (يفتح الله )

    حسناً ، لابد لأي قصة تُحكى من زمان دقيق تبدأ عنده ؛ كأن نقول بدأت أحداث حكايتنا يا سادة يوم مات والد صبي صغير .. ونسلسل الأحداث ونحن نبكي. صه ، هذه تراجيدية مرهقة ! أو مثلاً أن ننحى أبعد من ذلك ، ونبدأ من يوم قدوم أب الولد للخرطوم ، أو من عند جده الذي وهبهم الفقر لأنه كان عبد مملوك… بالطبع كلا ، فلا شرط لأن نكون تقليديين في البداية الزمنية ، ناسجين وقتا معيناً ﻷحداث. فمن سيهمه الأمر إن ما كانت أم الولد -بائع الموز- في يوم ما، امرأة ليل رخيصة، أو أنها الآن مريضة بالإيدز وتكابد الحياة ؟! لا أحد. وحتى الفتى لن يروي لنا إن سألناه بداية لقصته.. سيقول ببساطة: (نحمدو ونشكرو )

 

      لذلك ، و في زمان ما من توقيت (نحمدو ونشكرو) … كان هنالك بائع موز ، ولد صغير ، يدعى “ود فلان” -بالمناسبة كل بائعي الموز أسمائهم كذلك ، أتبدو غريبة ؟! لا يهم. كان ود فلان يعمل في سوق شعبي بالقرب من محطة مواصلات عامة ، وبالتحديد عند تقاطع أي شارعين منسيين لا يشار لهما باسم محدد ، وإنما يسميان على حسب غرض السالكين ؛ كأن يقال لهما : تقاطع الموقف ، النمرة ، السنارة ، طبالي الهكش ، الغرزة ، الشاي والجبنة ، الدلالة ، الدكوة ، العماري ، الكجيك ، التسالي ، العطور الرخيصة ، الملبوسات المستعملة ، المطعم البلدي ، الرغيف ، الكشة ، حائط الأدب خانة ، مكان بيع البطيخ ، الجزارة ، الكفتريا ، التركين ، الشباطي .. أو في أحايين قليلة ، نادرة ، ينسب كذلك كمكان لبيع الموز.

 

 

تستفسر امرأه جميلة: (كيلو الموز بي كم؟) ، و يُطحن صوتها بأضراس ضجيج المكان..

       لعل عربة الموز التي لدى الولد صغيرة نسبياً ، مقارنة بنظيراتها. لكنها معمولة من الخشب الجيد ، ولها أربعة دواليب للحركة ، وقد يصل ارتفاعها علو خروف كبير .. وبالكاد تحمل مع الميزان الحديدي المعطوب والمكاييل الثقيلة ، ثلاثين كيلو من الموز عند الصباح. وهي أيضاً مزخرفة بشريط لاصق أزرق أبهتته الشمس ، وأهلة بيضاء ، وصورة بوستر كبيرة ممزقة الوجه ، ربما تكون لهيثم مصطفى قبل انتقاله لفريق آخر !

 

تقول السيدة الجميلة ، رافعه من صوتها : (يا ولد ، طلع الموزة اللينة السودة دي بره من الكيلو) ، وتستبدلها بموزة أخرى أكبر

       والآن ، إن نحن قمنا بسؤال الولد .. لماذا هو يأتي بعربته إلى هنا في كل يوم ، عند تقاطع الشارعين الموصوفين بأسماء عدة -وأحيانا نادرة باسم يرجع للموز- سوف لن يجيب وسينعتنا بالجنون لأن كل بائعي الفاكهة والخضر يجيئون إلى ذات المكان بلا سبب مفهوم ، وكذلك النشال والرجل السمين … (دي مسلمات) يرد. فالفتى لم يفكر حتى في تغير موقعه إلى طرف آخر من الأرض . حيث درج على أن يُحمّل عربته بالموز من ثلاجة الفاكهة المركزية ، ليحضر مباشرة إلى هنا ، فيجد رفقاءه قد أتوا أيضاً كل بعربته المليئة بالموز ، وكلهم بلا سبب .

 

-تقول السيدة ، والفتى أيقن أنها أجمل امرأة: (يا ولد ما تخاف الله ،  صلح الميزان زي الناس ، أسي في زمتك وزنك دا وزن )

       ود فلان ، كالكل ، وهو ينادي بحنجرته الصدوح : (كيلو الموز بي إتنين جنيه ونص) ، لن يلحظه أحد .. سيضيع هتافه تماماً وسط ضجيج السوق ، بين صياح الباعة وصراخ الرجل الذي سرقه النشال للتو ، وبين الكمسنجية الضجرين و أبواق المركبات العامة. وسيحسبه الناس شيئاً عادياً غير مرئي من منظومة هذا الضجيج .. سيمرون من أمامه دون أن يلتفتوا ، مسببين له الألم والحسرة ، والكوابيس التي تؤرق منامه بمطاردتهم ! لكن ود فلان ، تعلم .. بالصبر الجاد ، أنه يجب عليه عند اللحظة المناسبة ، التي قد لا تأتي أبداً ، تغير نبرة الهتاف ، ليحدث في لاوعي العابرين فراغاً وحوجة ، فالناس هنا غالباً لا يكون الموز ضمن متطلباتهم. لكن إن أحسن الولد المناداة فستنشأ لديهم الرغبة الملحة في الموز ، وتتنامى فجأة مع روعة هتافه الدقيق.. وحينئذ قد يلتفتون ليقولوا للمكان باسم : (تقاطع الموز )

 

تقول السيدة ، بعد أن اشترت كيلو موز: (يا وليدي.. الله يبارك فيك) وتمضي.

        السوق الشعبي الكبير ، الذي يضج برائحة التبغ والتوابل والعرق ، والذي يموج تحت وهج شمس الظهيرة والخطوات الثقيلة للمارة.. هو مكان خفي للصراع المستديم بين الأرواح. بائع الموز يدرك هذا ، ويسر في نفسه أنه كذلك مكان للنزاع الأبدي بين الصالح والطالح … فالشر هنا ، قد لا يعني بالتحديد اللص الذي سرق ، “الشماسة” وهم يتعاطون “السلس” ، بائعة الشاي والهوى ، تاجر الأواني المزيفة حين يغش السعر ، الشحاذون ، البطالة ، بائعوا “المحايات والعروق” ، وأولاد الحرام. بل يأخذ أشكالاً جديدة متطورة ، وعميقة في شرحها الفلسفي … مثلاً كرجال الجبايات ذو العيون الحمراء. أو كشكل مشروع متعطل ، صرف صحي ، توسعة “للملجة”. وربما قد يتداخل مفهومه المحض مع مشايخ الدين ، حين تنشأ قطيعة بين بائعات الويكة البسيطات ، عن ما قصده الصوفية وفنده أنصار السنة بالمفهوم الحقيقي للتوحيد ، وعلاقته بسد الرمق ! ود فلان يحدد بدقة مكان بائعي الموز مع الفئة السيئة ، الشريرة ، التي سيعاقبها الله .. سوية مع فئة الأحزاب السياسية ، فهو يرى أن الساسة هم في الأصل رجال موز وحسب. بل أن بائعي الموز إن امتهنوا السياسة سيبدعون فيها ، ويستشهد برئيس ماليزيا مهاتمير بن محمد ، ويضحك

 

 ( كيلو الموز بي جنيهين ونص) ، ينادي كل باعة الموز بصوتهم الخفي المشابه لخفقان القلوب . باحثين عن شيء ما في خطوات المارة ، يتشممون حركاتهم وسكناتهم ، يفتشون في نظراتهم.. وما إن يجدوا مرادهم ، حتى يسرع أحدهم بالصراخ : ( إتنين كيلو بي أربعة) أو (الكيلو بي جنيه ونص) وهنا يجب على الولد أن يكون مركزاً ، حاضراً متنبهاً ، ولا يلهو مع توسلات النشال الذي قبض عليه. ولكي لا يتسرع في الاندفاع لوضع تسعيرة جديدة قد تجعله يكسر السوق ويخسر ، ﻷن الموز الذي يمتلكه مازال جيداً وقد يصبر مدة أطول. فعليه  أن يدرس الوضع ببطء ، ويدقق في العرض والطلب ، والتضخم والركوض ، وأن لا ييأس… ووقت أن يجد زبوناً متخبطاً عليه فقط أن يعترضه بهتافه الحاد ، جاذباً إياه كسحر تمائم الرزق ، ليبايعه كما يود. ولو أن الزبون غالباً ما يجفل ، ويشتري من شخص آخر ، إلا أن هتاف الولد ، الخفي ، سيستمر حتى أخر موزة !

 

 

 

………..

جاء في تعريف الموز ، إنها أصابع صفراء كبنان اليد ، مفردها إصبع موزة ، أو بنان موزة ، أو بنانة

 

(ود فلان ( هذا اسم لنا كلنا.

-(بي كم سعر كيلو الموز عندك؟)

– (رخيص ، حوالي “كرامة أسرة”.. و  بس!)

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

لا تعليقات

  1. والله ابداع بالجد السودان موجود فيه المبدعيين،،

  2. والله ابداع بالجد السودان موجود فيه المبدعيين،،

  3. جميلة هذه القصة

  4. جميلة هذه القصة

  5. قرأتها مجدداً .. و ما زالت رائعة كما المرة الأولى ..
    مبدع كالعادة ^_^

  6. قرأتها مجدداً .. و ما زالت رائعة كما المرة الأولى ..
    مبدع كالعادة ^_^

اترك تعليقاً