سحر ماركيز

ماركيز 2

قال ذات مرة؛ أنا كائن مسكون بالخرافات. وحين دعي لتسلّم جائزة نوبل للآداب في استكهولم، قال في خطابه الشهير هناك؛ ( نحن مخترعي الحكايات، الذين نؤمن بكل شيء، نعطى الحق في التفكير بأن الوقت ليس متأخرا للانطلاق في خلق “يوتوبيا” مناقضة، سيكون فيها مستحيلاً على أيٍّ كان، أن يختار للآخرين حتى شكل موتهم، وتحصل فيها السلالات المحكومة بمائة عام من العزلة على فرصة ثانية على الأرض، وإلى الأبد ).

كان ماركيز في مقولته الأولى دقيقاً، ودقيقاً كان أيضاً في مقولته الثانية حيث يمتد خيط رفيع، لكنه أكيد وحقيقي بين نشأته في بيئة تعج بمعتقدات تبدو خارجها غريبة وسحرية، وإيمانه بخروج المحرومين والمضطهدين من العزلة المأساوية بوساطة طرق شتى، إحداها اختراع الحكايات، والكتابة.
ولأنه فنان أصيل رأى بأن التزام الكاتب الوحيد هو أن يكتب بشكل جيد، ولهذا لم يكتف بغزارة وتفرد تجاربه التي عاشها من أجل أن يرويها في ما بعد، وإنما كان هاجس الكيفية يقض مضجعه دوماً. وحيرته حول من أين يبدأ روايته “مائة عام من العزلة” مثال على ذلك.. المعضلة التي جعلته يتأخر عن كتابتها ـ أي الرواية ـ سنوات طويلة.
ومن قرأ روايات ماركيز سيتفاجأ إذا ما قرأ بعد ذلك حواراته مع الصحافي “بلينيو أبوليو مندوزا” المتضمنة في كتاب “رائحة الجوافة” وكذلك الجزء الأول من مذكراته “عشت لأروي” إذ يجد أن لتلك الحكايات المثيرة التي سردها في رواياته جذوراً في خبرات طفولته ويفاعته وشبابه، وأن براعته تكمن في التقاطه لتفاصيل تجاربه الحياتية، والأسلوب واللغة اللذان بهما حوّل تلكم التفاصيل إلى إبداع روائي.
يكتب ماركيز بأسلوب جذاب ليأخذك منذ الوهلة الأولى إلى عالمه المسحور. وإذا كان يفعل ذلك بحذاقة في رواياته، فإنه يفعل الأمر عينه في مذكراته التي راح يكتبها لمّا اكتشف أنه مصاب بالسرطان وأن شبح الموت قريب منه.. الشبح الذي أخفق في إرعابه، على ما يبدو، ذلك أنه يكتب بالطريقة المرحة المتهكمة ذاتها، كما لو أنه يسخر من هذا الرسول الواقف على بابه، والذي ينتظر ليصطحبه إلى المجهول.
منذ الصفحة الأولى يضعنا إزاء معاناته المتمثلة بالإفلاس المالي المستديم، والذي لم يتحرر منه إلاّ بعد بلوغه مرحلة الكهولة.
كان في بارانكا، يسعى، وهو في أوج شبابه إلى أن يكون كاتباً.. تأتي أمه باحثة عنه، وفي نيتها بيع منزل العائلة ـ بيت الجدين القيم في أركاتاكا ـ حيث عاش طفولته.. تقف أمامه وتقول؛
ـ أنا أمك.
في القطار الذي سيقلّهما إلى هناك، ستسأله أمه عن دراسته، وستحدِّثه عن قلق أبيه حول هذه المسألة فيخبرها أنه قرر أن يصير كاتباً، فلا حاجة له إذن لشهادة في اختصاص ـ أي اختصاص ـ لن يمارسه قط.
يقول في الحوار الذي أجراه معه مندوزا:
( بدأت الكتابة بمحض الصدفة. ربما لكي أبرهن فقط لأصدقائي أن جيلي قادر على إنجاب الكتّاب. بعد ذلك سقطت في شرك الكتابة من أجل المتعة، ثم الشرك التالي وهو اكتشافي أن عشقي للكتابة يفوق حبي لأي شيء آخر في الدنيا ).
في فصول دراسته كان يرتدي قمصاناً مزركشة، ويطلق شعر رأسه، ويسلك بنزق ، وبوقاحة أحياناً ليعلن أنه شاعر، وليظهر مختلفاً عن أقرانه. وبعد أن ترك الدراسة وعمل في الصحافة عرف كم هي شاقة مهنة الكتابة، وعلى الرغم من ذلك لم يفكر بغيرها.. كان ماركيز مؤمناً بنفسه وبموهبته أشد الإيمان. وها هنا كان سر قوته. كان يدرك أهمية ما يكتبه حتى حين لم تكن كتبه الأولى تجد رواجاً عند القراء.
بمن تأثر ماركيز؟
لقد قرأ كثيراً، وبقي معجباً بكونراد وسانت أكزوبري لأن لهما ـ كما يقول ـ طريقة فريدة للاقتراب من الواقع، والتي تجعله يبدو شاعرياً. وهو يعد رواية “الحرب والسلام” أفضل رواية على الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك لا يحتفظ لتولستوى ـ كاتبها ـ بأي عمل. عندما يقول له مندوزا في حواره معه إن ظلال وليام فوكنر في أعماله واضحة، كما يرى النقاد، يقول أن أوجه التماثل بينه وبين فوكنر جغرافية وليست أدبية، لتشابه أمكنة نشأتهما، يعود مندوزا ليباغته بملاحظة مؤداها أنه ـ أي ماركيز ـ حين يحاول ألاّ يعترف بفوكنر كعنصر مؤثر هام فإنه بذلك يرتكب جريمة قتل ضد أقرب الناس إليه فيرد:
( ربما أكون كذلك، لذلك قلت أن مشكلتي لم تكن في كيفية تقليد فوكنر، ولكن في كيفية تدميره.. لقد كان تأثيره يشل حركتي ).
ساهم ماركيز مع كبار روائيي أميركا اللاتينية في إنعاش الفن الروائي بعدما كثرت الأقاويل حول موت الرواية، ففتحت “الواقعية السحرية” المدرسة المبتكرة في تلك القارة الضاجة بالغرائب، أفقاً آخر لهذا الفن الذي يصعب تحديد شكل نهائي، وقواعد قارّة له، ورسم في أعماله مشاهد آسرة تغلب عليها الفانتازيا واللامعقول، وتنطوي في الوقت نفسه، على قوة الحقيقة ومنطقها.. مشاهد، هي مألوفة للناس الاعتياديين في مناطق أميركا اللاتينية لكنها ليست كذلك لبقية القراء في العالم.
من تفاصيل صغيرة عابرة، عايشها في المراحل المبكرة من حياته، وخبأها في زوايا حميمة من ذاكرته يصوغ ماركيز عالمه الروائي بعدما يضفي عليها ما يجعلها مدهشة، وذات دلالة تاريخية واجتماعية.
من حكاية الحب بين أبيه وأمه التي سمعها مراراً، وبأشكال مختلفة منهما، بنى عالم رواية “الحب في زمن الكوليرا”. ومن انتظار جده الطويل واليائس لراتبه التقاعدي كتب قصة “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”. ومن قراءته لتاريخ الدكتاتوريات في قارته أبدع رواية “خريف البطريرك” وانتظر أكثر من عشرين سنة حتى ماتت شخصيات حادثة جرت وقائعها في منطقته ليكتب رواية “قصة موت معلن”.. وموكاندو في “مائة عام من العزلة” هي أراكاتاكا حيث يقع بيت جده القديم، وما حفلت به من معتقدات وحوادث وآمال وخيبات، فنفخ فيها، بوساطة اللغة، من روحه الإبداعية ليخلدها ـ أي قرية جده ـ ويمنحها شهرة لا تضاهى.
ولأنه تشبع بأساطير الحروب الأهلية وحروب الاستقلال استطاع أن يعيد صياغة أسطورة بوليفار ـ المحرر العظيم لأميركا اللاتينية ـ من وجهة نظره الخاصة في رواية “الجنرال في متاهته” ولكن، أيضاً، بعد أن قرأ آلاف الوثائق عن بوليفار وعصره.
في رحلته مع أمه بمركب نهري وقطار قديمين إلى أراكاتاكا يستعيد ماركيز ذكريات طفولته فيحكيها كما لو أنه يتعمد فضح مرجعيات كثر من قصصه ورواياته.. إن ما يراه الآن هو خراب بعد أن جاءت شركة الفواكه المتحدة ـ الأميركية ـ وأقامت لمدة طويلة، ورحلت، ولن تعود:
( الشيء الوحيد المؤكد هو أنهم أخذوا كل شيء: المال، نسمات كانون الأول، سكين تقطيع الخبز، رعد الساعة الثالثة مساءً، أريج الياسمين، الحب. ولم يبق سوى أشجار اللوز المعفرة، والشوارع المتوهجة، والبيوت الخشبية ذات سقوف التوتياء الصدئة، بأناسها المكفهرين الذين فتكت بهم الذكريات ).
لماركيز وساوسه إزاء كل شيء، من طقوس الكتابة وحتى التعامل مع الألوان والأرقام والأشكال والأشخاص، حيث يعتمد الحدس، ويبالغ في الحرص اللامنطقي أحياناً، صانعاً أسطورته الشخصية الخفية التي تقف، لا شك، وراء أسلوبه في الإبداع.
يقول عن إحدى حالاته في أثناء الكتابة:
( لم أتمكن من إنجاز شيء على النحو الصحيح.. رحت ألقي بالورقة إثر الأخرى، ثم نظرت إلى زهرية الورد وعرفت السبب.. لم تكن هناك ورود.. صحت طالباً الوردة.. احضروها إليّ وبدا كل شيء يسير على نحو صحيح )

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً