الرئيسية / العدد الخامس / قراءات : مئة عام من العزلة ، ماركيز غارسيا… ليس طبيبا ولكنه روائي!!

قراءات : مئة عام من العزلة ، ماركيز غارسيا… ليس طبيبا ولكنه روائي!!

قراءات

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لابد وأن غارسيا ماركيز ، بالإضافة لمخيلته الخصبة ، وقدرته على الحبك السردي.. كان موسوعيا على الدوام. فحينما نتأمل هذا الكم الضخم من نتاجه الإبداعي ، من عشرات الروايات والقصص ، وحتى في أكثرها غرائبية -كمئة عام من العزلة- نجد أنه استفاد جيدا من إطلاعه على العلوم الأخرى ، من دين ، سياسة ، اقتصاد ، فيزياء ، كيمياء ، هندسة وطب.. جاعلا إياها منصة انطلاق لخياله اللامحدود. ولأجل اشتغاله في ما يعرف “بالواقعية السحرية” ، حيث الجثث المحفوظة بالفورمالدهايد تعاود الحياة كما في (الإذعان الثالث) ، و (الضلع الآخر للموت) … وحيث الأمراض العضال تفتك بالشخوص ، كقصة (أثر دمك على الجليد) ، أو (أحد هذه الأيام) ، وغيرها الكثير… لأجل ذلك كله ، أفرد غابرييل غارسيا ، مساحة معتبرة للطب والطب البديل ، كبلاط واقعي تستند عليه الحكاوي.

ولم تكن (مئة عام من العزلة) بمنأى عن ذلك ، فالرواية التي كتبت عام 1965 ونشرت بعدها بسنتين ، وترجمت لأكثر من ثلاثين لغة ، وهي السبب الرئيسي لينال ماركيز جائزة نوبل… كانت في الأساس رواية مليئة بالحقائق الطبية -كما هي مليئة أيضا بالعلوم الأخرى- قبل أن تكون رواية واقع سحري !!

الرواية تحكي حياة مدينة “ماكوندو” على مر قرن كامل ، وسيرة عائلة بوينديا المؤسسة ، من النشأة وحتى الزوال ، عبر سرد القصص لستة أجيال متعاقبة ، روى لنا فيها ماركيز كل ما هو ممكن ، وغير ممكن… من قرية فقيرة بمعزل عن العالم يزورها الغجر ، إلي بلدية لديها حاكم عام ، إلى حرب بين لبراليين ومحافظين ، إلى توسعها وازدهارها ، ودخول المشاريع الاستثمارية ، إلى الكوارث الطبيعية ، وحتى فناءها.

يقول غارسيا ماركيز : (لقد تعبت ومرضت ، ومت مرتين ، لأكتب هذا الشيء ، لكنني إطلاقا ما كنت لأنجح لو لم استخدم أسلوب جدتي … أنها تحكي لنا الخيال كأنه واقع حياتي).

أسلوب الجدات هذا هو تماما ما كانت عليه (مئة عام من العزلة) ، فمنذ خوسيه أركادو بوينديا وزوجته أورسولا ، مرورا بالأجيال الخمسة ، نجد أن العجائب جُعلت لتبدو أمورا حياتيه طبيعية ، لا تثير أية دهشة أو استعجاب… لكن بعيدا عن أسلوب الجدات ، وهذا الذي أنا بصدده الآن ، استصحب ماركيز شحذ الحقيقة في سند شخوصه العجائبيين !

فحينما سرد لنا قصة الغجري “ميلكيداس” ، صديق العائلة ، الرحالة الجائب للعالم ، المليء بالعجائب والأسرار… خلق له ماركيز هالة من المناعة ضد الأمراض ، خصوصا تلك التي من المعروف أنها تصيب الغجر الرحل دائمي السفر ، كسوء التغذية مثل الأسقربوط ، والبلاجرا “حصاف الذرة” ، أو الأوبئة المهلكة كالجذام الدبيلي أو “bubonic plaque” و حمى سنغافورة النزفية…

ليس هذا وحسب ، فلهذه الأمراض بعد تاريخي عميق… فالبلاغرا ، مرض نشره الأسبان في أوروبا مطلع القرن الثامن عشر ، بسبب إحضار الذرة الشامية من أمريكا الوسطى ، واستخدامها كغذاء رئيسي ، فنشأت أساطير من أنها عقاب الله بإرساله الجراثيم… ولم يبرهن أحد حتى أوائل القرن العشرين -الطبيب جوزيف قولدنبيرج- العلاقة بين المرض والغذاء.

وكذا بالنسبة لطاعون دبلي ، الموت الأسود ، الذي تسببه البراغيث والقوارض ، حيث قضى تاريخيا على ربع سكان أوروبا ، يقتل أثنين من أصل ثلاثة ، وكون أن ميلكيداس ناجٍ ، فهذا يخلق أسطورة حية أهلته ليموت ثلاث مرات في الرواية ، ومع هذا .. منح ماركيز له عزلة متمثلة في غرفة مغلقة ظلت شاهدة عليه!!

وعلى العكس ، كان خوسيه أركاديو بوينديا ، مقاوما بطريقة أخرى للموت ، فالحزن الكبير الذي أصابه ، داء الاكتئاب ، ومَثله ندمه القديم لقتله أحد أصدقاءه ، وانتقال مليكيداس العزيز لعالم الأموات ، والفشل في معرفة الأسرار والاختراعات ، والبحث عن اليقين في الله. كل هذا الحزن ، جعله يجن وينعزل عن العالم ، وبات يتكلم وحده بلغة أخرى.. لكنه ظل صامدا أمام الحُميات التي تعتريه.. و قاوم ، على مدار سنوات ، وهو مربوط إلى شجرة ، تحت الشمس والمطر ، مختلف الظروف السحرية إلى أن مات !

وبالنسبة للجدة أورسولا ، المعمرة ، والتي عاشرت تقريبا كل الأجيال ، وربت بيديها كل الأطفال ، نسج لنا ماركيز فيها كل أدوات الشيخوخة ، من تدرج فقدانها للبصر وتأقلمها معه بحواسها الأخرى ، واستخدام مشروب نخاع العظام ومصل العسل ، ثم بعد ذلك إصابتها بالزهايمر والخرف ، وخلطها للأسماء والأزمنة ، ثم قعودها وانعزالها إلى الموت! ( هل يفيد نخاع العظام والعسل ، في مكافحة العمى والكبر؟! لا ، لكن كان الاعتقاد السائد بأنهما يفيدان في التقليل من ضغط العين ، الجلكوما ، كما أن الفتيمينات والمعادن تساعد على تقوية البصر والتقليل من أعراض الشيخوخة !)

ربيكا ، وهي شخصية مضطربة “ترضع الأصابع كطفلة وتأكل التراب والكلس” ، عاشت معظم حياتها في عزلة مطلقة… وكان من الطبيعي أن يجعلها ماركيز أول من يصاب بداء الأرق !

محنة داء الأرق… هو مرض ابتدعه غارسيا ماركيز كاملا من حكايات التاريخ هنا وهناك ، وعالجه بطريقة طبية مضحكة… وعلى الرغم من أنه في ذلك الوقت ، لم يسمع أحد بعد بداء “الأرق الوراثي القاتل”.. إلا أن ساحرنا فعل وبطريقته السحرية الخاصة ! فقد أوضح أن الداء معدي ، وينتقل فمويا عن طريق تناول الطعام الملوث بالأرق (وليس وراثيا) ، وفصل لنا ، كيف أن الإنسان المصاب يفقد الذاكرة بالتدريج ، بعيدة المدى أولا ، ينسى الذكريات القديمة ، الهوية ، الوعي ، وأسماء الأشياء ، ثم كل شيء..! وشرح لنا كيف أن أهل قرية (ماكوندو) تصرفوا للسيطرة على المرض ، وأقاموا حجرا صحيا كاملا ، ومنعوا تداول الأطعمة مع الغرباء ، وكيف تم اتخاذ حلول سريعة للحيلولة دون تفاقم الوضع ، ككتابة المسميات على الورق للتنبيه والإشارة لها : (هذه هي البقرة ، يجب حلبها كل صباح كي تعطي حليبا ، ويجب غلي الحليب من أجل مزجه بالقهوة ، وصنع قهوة بالحليب) ، (هذه مدينتنا “ماكوندو”) ، بل وحتى (لا تنسَ ، فالرب موجود)… ثم كيف تم علاج كل هذه البلبلة عبر علوم ميلكيداس.!

الكولونيل أورليانو ، جعله ماركيز عصيا على الموت ، وحوله من فتى أصيب بالذهول والخمول ، فتناول شربة نبتة رجل الأوز (نبات يستخدم كثيرا من قبل العطارين) لتخرج من بطنه طفيليات وردية.. ومن رجل ليس له ملامح ، إلى عقيد حرب ، وقائد غير مقهور ، متغلبا على كل محاولات الاغتيال والإعدام والانتحار… وكيف عبرت طلقة صدره بالطريقة الوحيدة التي تجعله حيا ، وكيف تناول سم جوز القيء فأصابه شلل اللسان وتيبس جسده على وضع التقوس (جوز القيء ، بذور سامة لشجرة “ﺃﺳﺘﺮﻳﻜﻨﻮﺱ ﻧﻜﺲ ﻓﻮﻣﻴﻜﺎ” تؤثر على الجهاز العصبي وتعطي أعراضا هي ذاتها أصابت الكولونيل..!) ، وأيضا ، كيف أنه أصيب بدمامل الإبط ، أثناء تواجده في المعتقل ، وتم علاجها بالأحجار الساخنة (تدليك) واستئصالها جراحيا … ولكنه في النهاية عثر على العزلة ومات!

ريميديوس الجميلة ، وأجمل فتاة في الكون ، وبفتنتها قضى أربعة رجال نحبهم ، كانت في الأساس متأخرة عقليا ، بالكاد تعتمد على نفسها ، آخذه للأمور ببساطتها الأولية ، خلق منها ماركيز جوا من المعرفة الكاملة والجهل المطلق ، وحين صعدت إلى السماء ، في ميليودراما سحرية ، كانت تلك عزلة أخرى !

وأيضا ، وصل الأمر بماركيز ، للكتابة عن الطب البديل بمختلف أنواعه ، متخطيا حاجز الأعشاب ، فنجد أليريو نوغيرا ، متقمصا دور طبيب تجانسي يستخدم حبوب السكر لعلاج اليائسين ، ولمن لا يعرفون ال “Homoeopathie” ، الطب التجانسي ، وهو علم يعالج فيه المريض ﺑﺈﻋﻄﺎﺋﻪ ﺃﺩﻭﻳﺔ ﺗﻈﻬﺮ ﺃﻋﺮﺍﺿﺎ ﻣﺸﺎﺑﻬﺔ ﻷﻋﺮﺍﺽ المرض نفسه ، علاج المثل بالمثل ، أي ” ﺩﺍﻭﻫﺎ ﺑﺎﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﺪﺍﺀ ” ، وكاستخدام البصل المسبب للرشح لمعالجة الرشح.!

وكذا نجد الطب التخاطري ، “باراسايكو” و “التليباثي” ، حين تلجأ فرناندا ، إلى الاستعانة بأطباء غير مرئيين ، في مراسلات علاجية سرية ، يتم فعلا تشخيصها بورم حميد في القولون ، وتجرى لها فيها جراحة تخاطرية ، حقيقة وبفتل.. ليكتشفوا أنها مصابة فقط بهبوط مستوى الرحم .!

وعلى الدوام ، و في كل جنبات مئة عام من العزلة ، خلق حدثا الحمل والولادة ، جذبا سحريا لماركيز ، واستقل فسيولوجيتهما من تقوس للساقين ، وورم في الأرجل ، وتكوين للدوالي وانفجارها ، وتغير الأمزجة .. في كل الأجيال الستة ، من حمل أورسولا الجدة.. إلى معاناة ريميديوس الصغيرة وزواجها المبكر ، حين حملت بتوأم وماتت متسممه بدمها (كل هذه العوامل تعد مسببات رئيسية لارتفاع الضغط الجنيني لريميديس).. وأيضا ميمي التي كانت تستخدم لبخات عجينة الخردل ، كمانع “كيميائي” للحمل. وفيرناندا نجدها استخدمت الفرزجة ، لعلاج هبوط الرحم.. و أمارانتا اورسولا ، ماتت بسبب نزيف حاد أثناء الولادة ولجأوا لعمل لبخات الرماد..(وهو ما له أصل في الطب البديل لإيقاف النزف).!

ونجد كذلك أن ماركيز ، استخدم ببراعة ، أنواع الحروق مع ثلاثة شخصيات مختلفة ، بثلاثة اضطرابات نفسية ، حيث حرق خوسيه أركاديو بوينديا الجد يده بأشعة الشمس عبر المنظار ، فتأخر شفاءها… وأم جدة أورسولا الكبيرة ، التي جلست على الموقد متقد ، جعلها مسنودة على جانب واحد أمدا طويلا ، وأثر في طريقة مشيها وفي نفسيتها مسسبا لها تخيل رائحة الشواط.. (وهو فعلا ما يحدث في الحقيقة). و كذلك حريق يد أمارانتا ، الذي نقل لنا مرارة الحب الأبدي ، وكيف أنها رفضت الزواج من عدة رجال تحبهم ، وظلت عزباء ، ورغم أنها عالجت الجرح بالبيض المخفوق ، إلا أن الضماد الذي وضعته كان كدليل عذرية.!

وحين ننظر لأورليانو الثاني ، البدين ، الذي أصيب بالسيلان في صغره واستخدم ، محلول البرمنجنات (فوق منغنات البوتاسيوم) لعلاجه.. نجد أن جابرييل غارسيا جعل وحدته تبدأ من ابتسام الدنيا له قبل أن توليه ظهرها ، حين تشتت ذهنه بين منزلين ، وخسر تقريبا كل ثروته وحيوانته مزرعته ، في كارثة مطر دام سنوات.. وانتهى به الأمر في عزلة سرطان الحنجرة ، حيث فقد صوته وقدرته على التنفس ، ومات نحيلا!

وبمتابعة شركة الموز ، وهي واحدة من الاستثمارات الخاصة التي اجتاحت ماكوندو وأثرت عليها ، وككل الشركات في أي مكان ، قامت على استغلال العمال اليدويين ، من سوء في الإدارة و الخدمات الطبية المقدمة ، والسكن ، ومشكلة المراحيض ، وطريقة تلقي الأجور… مما أشعل ثورة العمال وانتهى الأمر بكارثة.!

لكن الذي كان مدهشا بحق ، هو عظاءات أغوانا ، أو اللعنة السحرية لعائلة بولينديا ، والتي كانت بمثابة عمود خفي لكل الأحداث .. ناقش من خلالها ماركيز ، بصورة مستترة ، زواج الأقارب ، النسب ، البنوة والأبوة ، حقوق الأبناء غير الشرعيين … عظاءات أغوانا ، تقول بأنه حين يتزوج أحد من أسرة بولينديا من نفس عرقه ، يكون معرضا لإنجاب طفل بزيل خنزير !

وبالتدقيق نجد أنه علميا ، وليس مجرد واقعية سحرية ، أن زواج الأقرب يزيد من فرصة التشوهات الخلقية ، “السنسنة المشقوقة”… وهذا ما حدث ﻷخر مولد في العائلة.!

غارسيا ماركيز .. روائي من كوكب الموسوعيين !

 

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

اترك تعليقاً