الرئيسية / العدد الثالث / من مذكرات زوجته : قصة رواية الجريمة والعقاب لديستوفيسكي

من مذكرات زوجته : قصة رواية الجريمة والعقاب لديستوفيسكي

الجريمة والعقاب

هذا مقتطف من مذكرات زوجة الروائي ديستوفيسكي (آنا غريغور ريفنا دوستويفسكي  ) والتي كتبتها في خمس سنوات كاملة ووقعت في 792 صفحة من القطع الكبير ، وفي هذا الفصل تتحدث آنا عن قصة صدور رواية الجريمة والعقاب الرواية التي بيعت منها ملايين النسخ وظروف كتابتها حيث تقول :

تأخرت عليه قليلا في اليوم التالي. فوجدته قلقا للغاية. قال لي إنه ملزم بإنهاء الرواية فى غضون شهر، فإن دائني مجلة “الوقت” التى كان يصدرها شقيقه ميخائيل وتعهد هو بتسديد ديونها بعد وفاته هددوه بمصادرة ممتلكاته وزجه في السجن. كانت الديون المستحقة حسب الكمبيالات ثلاثة آلاف روبل. وبهذا المبلغ باع دوستويفسكي إلى ناشر اسمه ستيلوفسكي {1} حقوق طبع مؤلفاته بثلاثة مجلدات والتزم فضلا عن ذلك بتأليف رواية جديدة يدخل ريعها ضمن المبلغ المذكور. وكان ستيلوفسكى أقدم على خطوة غادرة، حيث اشترى قبل ذلك بأبخس الأثمان كمبيالات ديون ميخائيل. فعاد اليه المبلغ الذي دفعه الى دوستويفسكي. وها هو، فوق ذلك، يشترط تسليم الرواية الجديدة فى مدة غير معقولة، وإلا ستعود اليه، حسب العقد الموقع مع دوستويفسكى، حقوق نشر مؤلفاته لأجل غير مسمى. وكان يأمل بالطبع أن يعجز الكاتب المريض عن الإيفاء بتعهده، لاسيما وأنه كان فى عام 1866 ذاته على وشك إنهاء “الجريمة والعقاب”.

 

صرت أتردد عليه يوميا في الثانية عشرة، فيملى على فصول “المقامر” حتى الرابعة، على ثلاث وجبات بنصف ساعة أو أكثر. وفيما بين ذلك نتحدث في شتى الأمور. وبالتدريج تحسن مزاجه وتعود على الإملاء، فهو يمارسه لأول مرة. وكان يسره بخاصة الرد الى تساؤلاتي عن الأدباء الروس. فهو، مثلا، يعتبر نيكولاي نكراسوف صديق الطفولة ويقدر موهبته الشعرية كثيرا. كما يقدر أبولون مايكوف كشاعر موهوب وإنسان ذكى ومثال للطيبة. ويرى أن ايفان تورغينيف روائى من الدرجة الأولى، لكنه يأسف لأن هذا الأخير أمضى وقتا طويلا فى الخارج ولم يعد يتفهم طبيعة روسيا والروس كما ينبغي لكاتب كبير مثله (كانت العلاقة بين دوستويفسكي، تورغينيف معقدة يغلب عليها الجفاء والقطيعة).

 

وهذا مادار بين دوستويفسكي والناشر الماكر ستيلوفسكي :

 

– طبعاً ستقول يا عزيزي فيدور دوستويفسكي ما جاء بستيلوفسكي في هذه الساعة على وجه التحديد؟ سأوفر عليك الإجابة، وأقول لك: يا فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي، إنها الرحمة التي فُطر عليها قلبي، دفعتني إليك دفعاً. كنت ماراً بالمصادفة أمام بيتك، فرأيت ما فعل بك الدائنون. لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين وأنا أراهم يحزنون واحداً من أعظم كُتاب روسيا!

 

– حسناً يا ستيلوفسكي، دعنا نرفع الأقنعة ونتكلم بصراحة، فأنا أعلم أنك وصبيانك تتلصصون منذ أسابيع، وتتجسسون لتعرفوا ماذا سيحدث لي مع الدائنين. فاذكر لي بصراحة سبب حضورك؟

 

– أرجو ألا تظن أنني سأخبر الدائنين عن نقلك قبل حضورهم اليوم بعض الأثاث إلى منزل صديقك فرانجيل!!؟ لا تخف يا عزيزي من أي وشاية من هذا النوع.

 

– طبعاً إنك لن تشي بي، إلا إذا لم أوافقك بالطبع على ما جئت من أجله.

 

– أنا لم آت إلا لأنقذك من الورطة! والآن قل لي: كم ديونك يا عزيزي فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي؟

 

– ما الذي يعنيك في هذا الأمر؟

 

– أنا أعلم أن ديونك حوالي ثلاثة آلاف روبل، وأرجو أن تعتبر المبلغ منذ الساعة في جيبك.

 

– لقاء ماذا تعطيني هذا المبلغ؟

 

– أرأيت رقة قلبي، وما فُطرت عليه من رحمة إزاء خوفك مني، وتوجسك من مبادرتي !

 

– لقاء ماذا تدفع لي ثلاثة آلاف روبل يا ستيلوفسكي؟

 

– أنت أذكى من أن تجهل ما أريد. فأنت مؤلف، وأنا ناشر، وهذه الثلاثة آلاف روبل سأدفعها لك مقابل حق طبع ونشر جميع مؤلفاتك السابقة في ثلاثة مجلدات

 

– ولكنك تعلم أنني تعاقدت مع أخي على أن يقوم بهذا!

 

– آه.. ذلك كان أيام مجلتكم التعسة التي توقفت عن الصدور منذ أشهر، ثم إن التعاقد مع أخيك، وهو الآخر مفلس مثلك، لا يجدي نفعاً.

 

– ولكن التعاقد بيننا رغم ذلك، لايزال قائماً!

 

– حسن. حسن. إذا كنت لازلت مصراً على أن تجعل من هذه العلاقة العاطفية بينك وبين أخيك ذات قيمة في هذا العالم المادي، فالشأن شأنك, ولكن تذكر يا دوستويفسكي أن الدائنين سيعودون إليك بعد عشرة أيام؟ هيا.. هيا.. يا عزيزي, هذه ثلاثة آلاف روبل لقاء حق طبع ونشر مؤلفاتك السابقة, موافق, أليس كذلك؟

 

– إنك لص.. أفاق يا ستيلوفسكي!

 

– أنا واثق أنك ستوافق على شروطي إذا تصورت نفسك حراً طليقاً بعد تسديد كل ما عليك من ديون لتتفرغ بعدها لأعمالك الأدبية العظيمة في صفاء بال، ونفس خالصة من المتاعب المالية

 

– موافق!

 

– على كل شروطي طبعاً!

 

– ألك شروط أخرى أيضاً؟!

 

– لا.. لا مجرد طمع في كرمك الأدبي، أعني أن نُضمّن العقد تعهدك بكتابة رواية جديدة لم يسبق نشرها، وتكون هذه الرواية فوق البيعة!

 

– لكن معيني قد نضب يا ستيلوفسكي، وأفكاري لم تعد منتظمة، ولا أستطيع أن أعدك بشيء كهذا

 

– لا تقل إنه سيعيبك كتابة رواية جديدة من 400 صفحة؟

 

– لا.. لا.. آسف.. لن أفعل.. لن أفعل

 

– يا للخسارة.. مع أنني جئت ومعي ثلاثة آلاف روبل!! تصور يا دوستويفسكي ما سيحدث لك بعد عشرة أيام؟

 

– حسناً.. حسناً.. رواية جديدة من 400 صفحة

 

– بديع.. بديع.. هذا هو العقد.. لقد أعددته سلفاً، لعلمي أنك تريد أن تنتهي من المتاعب المالية لكي تتفرغ لفنك.. وقّع هنا يا عزيزي فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي… لماذا تضيّع وقتك، إنه يحتوي على الشروط المعتادة، ومع هذا فسأقرأ عليك الشرط الأخير لأنه يحتوي على إضافة، وهي كالتالي: إذا لم يقدم الطرف الثاني فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي الرواية الجديدة المشار إليها في البند السابق قبل يوم 4 نوفمبر، دفع الطرف الأول غرامة قدرها 4000 روبل، ويصبح الطرف الأول هو المالك الوحيد لكل حقوق الطبع والنشر لجميع روايات الطرف الثاني، ما صدر منها، وما لم يصدر!

 

– هذه لصوصية دنيئة، إنك تتصرف بأخلاق الخنازير!

 

– مجرد احتياطات لحفظ حقوقي، كما أنها دافع وحافز لك كي تعمل. إن هذه الفقرة لصالحك.. وأنا واثق من أنك – أيها المؤلف العظيم – ستنهي الرواية الجديدة، في أقل من شهر.

 

بعد فترة استلم دوستويفسكي من الناشر مبلغاً قدره 176روبلاً فقط، وقال للمؤلف: هذا ما تبقى من حقك بعد تسديد جميع ديونك، إذ أنني اشتريت جميع الصكوك من دائنيك، وها هي بحوزتي.. وهذا المبلغ 176 روبلاً هو كل ما تبقى لك من 3000 روبل. وكان الدائنون قد يئسوا من الحصول على أموالهم، فباعوا صكوكهم بأثمان بخسة للناشر الجشع ستيلوفسكي. وصار دوستويفسكي حراً طليقاً من الديون، وفي سرعة متناهية جمع ثيابه في حقيبة كبيرة بالية، وجلس يكتب إلى صديقه فرانجيل: أهذا حلم يا عزيزي فرانجيل؟ أيمكنك حقاً أن تتصور صديقك فيدور دوستويفسكي خالياً من أعباء الديون؟! أنا نفسي لا أصدق.. ومع هذا فقد حدث تماماً ما لم أتخيله.. سددت جميع ديوني، وبعت لـ شيلوك هذا الزمان اللعين ستيلوفسكي رطلاً من لحم قلبي.

 

سأوضح لك تفاصيل الصفقة الشكسبيرية حين ألقاك في في سبادن, في عام 1866 ظهرت القصة التي تضمنها العقد بين المؤلف والناشر، وكانت قصة “الجريمة والعقاب” التي بيعت منها ملايين النسخ وتُرجمت إلى معظم لغات العالم، ولم يستفد منها الكاتب لأنها من ممتلكات الناشر بموجب العقد!!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

5 تعليقات

  1. Someone essentially lend a hand to make seriously articles I might state. This is the first time I frequented your website page and to this point? I surprised with the research you made to create this actual publish amazing. Wonderful task!

  2. I love what you guys tend to be up too. This kind of clever work and coverage! Keep up the very good works guys I’ve included you guys to my personal blogroll.

  3. I think the admin of this site is genuinely working hard
    in favor of his site, because here every information is quality based
    data.

  4. Next time you’re stuck in construction, power up with these:.
    The kind and size of wood depends on the kind of project you
    have. Some very popular tools used for carpentry are mallets, hammers, chisels, saws,
    file, clamp, pliers, punches and measuring tapes.

  5. Hi would you mind letting me know which webhost you’re utilizing?
    I’ve loaded your blog in 3 completely different internet
    browsers and I must say this blog loads a lot quicker then most.
    Can you recommend a good web hosting provider at a honest price?
    Cheers, I appreciate it!

اترك تعليقاً