الرئيسية / العدد السادس / أثر المرأة في إبداع الرافعي ..

أثر المرأة في إبداع الرافعي ..

650...4_124019161094922_1930335410_n

ياسر عبد الرحيم

الحب شوق النقص إلى الكمال، والنفس الإنسانية ما تزال في سعي دائم نحو الكمال، ولا كمال للرجل إلا بالمرأة، وللمرأة إلا بالرجل، والرافعي يبحث عن كماله الخاص به، والذي يصبح به موجوداً على الحقيقة، وهو يدرك أن كماله في المرأة، ولذلك فقد تعلق بالمرأة الرمز تعلقاً وجودياً.

وقد تعدد ظهور المرأة في حياة الرافعي، واختلفت تأثيراتها فيه، فكانت ملهمته الشعرية، وهي نفسها سبيل تحريض الجمال الكامن فيه، وإثارة الشوق إلى الكمال، وقد لقَّب الرافعي المرأة بالشيطانة؛ يقصد أنها من شياطين الشعر، فهي ملهمة ليست الصلة بينه وبينه صلة مادية، بل هي روحانية لا يبغي منها ((إلا وحي النفس الجميلة للنفس الجميلة)).

عرف الرافعي  في حياته أكثر من امرأة، ويذكر العريان أن “عصفورة” كانت أول من فتح الرافعي لها قلبه، وهي فتاة من كفر الزيات لقيها الرافعي على الجسر، وسنّه حينئذٍ إحدى وعشرون سنة، ومن وحي هذا الحب كانت أكثر قصائد الرافعي الغزلية في الجزء الأول من ديوانه، ومنه كان ولوعه في صدر أيامه بلقب شاعر الحسن الذي اشتهر به.

ثم تزوج الرافعي في سن الرابعة والعشرين من مصرية، هي أخت  صديقه الصحفي الكاتب عبد الرحمن البرقوقي، وعاش معها سعيداً، فقد هيأت له الجو الذي يحتاجه المبدع، ودام زواجه ثلاثاً وثلاثين سنة.

وهناك امرأة ثالثة تدعى سونية، وهي آخر من عرف الرافعي، فكانت مصدر إلهامه في بعض مقالاته في “وحي القلم”. إلا أن كل هؤلاء النسوة يغطي على وجودهن في حياة الرافعي ملهمتان هما: ماري يني، ومي زيادة.

إن ذكر هؤلاء الملهمات الخمس لا يعني أنه اقتصر عليهن في إلهامه، فهناك نساء أخريات في حياته، وهؤلاء الخمس هنّ المؤثرات تأثيراً مباشراً، وخاصة ماري يني ومي زيادة، يقول العريان متكلماً عن الرافعي: ((وعلى مثال هذا الحب كم كانت له حبيبات، وكم أنجبن من ثمرات؛ وإنه ليخيل إليّ أنالرافعي كان كلما أحسّ حاجة إلى الحب راح يفتش عن واحدة يقول لها: تعالي نتحاب، لأن في نفسي شعراً أريد أن أنظمه أو رسالة في الحب أريد أن أكتبها…!

إن كتب الرافعي النثرية يبدو فيها أثر كل من ماري يني ومي زيادة أكثر من الأخريات. وسنحاول دراسة أثر كل منهما في تلك الكتب، مستعينين بما ورد في رسائله الشخصية، وفي مجالسه الخاصة ـ ولعل ذلك الأثر هو ما جعل تلميذه العريان يقتنع بقصة الحب المتبادل بين أستاذه الرافعي ومي زيادة ويدافع عنها ـ وإن لم يصرح الرافعي باسميهما تصريحاً مباشراً.

1 ـ الرافعي وماري يني:                

يذكر الرافعي أن التي ألهمته “حديث القمر” فتاة تدعى ماري يني، إلتقاها في بحمدون بلبنان سنة 1912م، يوم ذهب يستريح بعد تأليف الجزء الأول من “تاريخ آداب العرب”، الذي انقطع له مابين سنتي 1909 و1912م، وكانت شاعرة جرى بينه وبينها كلام طويل، فأعجب بها الرافعي أشد الإعجاب، حتى وصفها في “السحاب الأحمر”، قائلاً:

((رأيت وجه فتاة عرفتها قديماً في ربوة لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها ثم يقف، كنت أرى الشمس كأنما تجري في شعرها ذهباً، وتتوقد في خدها ياقوتاً، وتسطع من ثغرها لؤلؤة…))..

وتكلم عنها مرة أخرى في “رسائل الأحزان”، فذكر أن صاحبة هذه الرسائل سورية مسيحية عرفتها في لبنان

كما أشار إليها في “أوراق الورد”، وذكر أن القارئ يعلم من “رسائل الأحزان”: ((أن الحبيبة شاعرة روحانية، تسمو هي وصاحبها بالحب فوق المادة، ولا يريدان إلا وحي النفس الجميلة للنفس الجميلة))..

وقد استمرت هذه العلاقة بين الرافعي وماري يني فترة طويلة، تبادلا خلالها الرسائل، هو عن طريق كتبه النثرية ابتداءً من “حديث القمر” إلى “رسائل الأحزان”، و”السحاب الأحمر”، مروراً بـ”أوراق الورد”، وهي عن طريق الرسائل الخاصة التي كانت ترسلها إليه. وقد أورد بعضها مصطفى البدري، حينما قام بدراسة الرافعي، ففي 6/حزيران/1924م كتبت “ماري يني” إليه قائلة: ((أأنساك؟! قد أتسامح للذاكرة أن تستبد بي ما شاءت، ولكني لا أجيز لها أن تتعدى هذا الحد المقدس، في جعل نفسها حاجزاً بيني وبين صديق أفاخر به سراً وجهراً، وأغار من نفسي في نصيب منه….. هذه مكانتك من نفسي، وهي مع سعتها قليلة في نظري إلى جانب ما تستحق…. شكري لمقامك الجميل أحسُّ به إحساساً، وأعجز عنه تعبيراً، فهل كنت رسول نفسك لنفسك وقبلت مني كل شعور الإعجاب والاحترام!…. ماري)).

وفي 20/شباط/1925م، تقول: ((تكلَّم وأطل… فبي شوق إلى سماعك مهما أطلت!…. إن مقامك هو لك، فلن ينازعك فيه منازع!))، وفي 17/أيلول/1925م، تقول: ((أنا لا أملّ قط سماعك… فهل أنت مثلي…))..

وفي 1/نيسان/1926م، كتبت إلى الرافعي تُعْلِمُه بخطبتها من إبراهيم عطا الله، وتعلمه بمجيئها إلى مصر لزيارته، تقول: ((في أواخر أيار أحلم بمرآك وزيارتك مع رفيق جديد سيحملني إلى المهجر، ولعله الرجل الذي قذفت به الأقدار ليجعل في حياتي تطوراً جديداً لم أكن أحلم به….. أنا مندفعة إلى الرضا اليوم بحكم الواجب والعقل، أما العاطفة فأرجو أن يكون لها عمل في وقت قريب…. أنت لا تزال صديقي الغالي، فثق بمركزك الذي لا تزعزعه تطورات الحياة….. تحيتي إليك تزداد إخلاصاً ونقاءً))..

وقد نشرت مجلة “منيرفا” في صفحتها الأولى صورة عقد قران ماري عبده يني وإبراهيم عطا الله، ثم غادرت ماري يني مع زوجها بيروت إلى الإسكندرية، وزارت الرافعي  في طنطا، ثم هاجرت إلى أمريكا لتشتغل بالصحافة العربية هناك.

ولم تنقطع الكتابة بين الرافعي وماري يني بعد أن هاجرت إلى أمريكا، فعندما أشارت صحيفة “المقتطف” في 6/نيسان/1926م، إلى مشروع كتاب “أوراق الورد”، في باب الأخبار العلمية ، أرسلت له رسالة تعاتبه فيها، لِمَ لا  يذكرها بنسخة؟! وذلك في 7/تشرين الأول/1929م، تقول: ((أريد نسخة برجوع البريد، وأريدها مزينة بآية من يدك…. ولا إخالك إلا ملبياً نداء هذه الصديقة التي تحمل من فضلك ما يجعلها مدينة لك أبداً، كما أنت مدين لي بأرجحية إخلاصي… أتنكر؟!…. ماري)).

2 ـ الرافعي  ومي زيادة:

كان الرافعي  قد تخطى العقد الرابع من عمره بنحو ثلاث سنوات عندما التقى بالآنسة مي زيادة (1886-1941) في أوائل عام 1923م، وهي في منتصف العقد الثالث من عمرها، وكانت مي تلتقي في ندوتها بحشد كبير من الأدباء، فتخاطبهم واحداً واحداً، وتدير دفة الحديث بينهم بلباقة وبراعة يحسدها عليها كبار أهل الفصاحة واللسن. وعلى الرغم من ذلك فإن شخصيتها لم تكن تخلو من تناقض، فقد كانت تبدو في مظهرين مختلفين أشد الاختلاف، الأول يوحي بالألفة والاجتماع، حيث تدير في بيتها المناقشات بين الجنسين، وتلتقي بالرجال، وتنظم الاجتماعات، والثاني، تبدو فيه مي التي تؤثر الوحدة، وتلح على نفسها بالعزلة، وهو مظهر كان ينمو شيئاً فشيئاً أول الأمر، ولكنه سرعان ما أصبح ملحاً في آخر عمرها..

بدأت مي حياتها الأدبية برعاية والديها وتشجيعهما، إذ كانت وحيدتهما، وهذا ما جعل شخصيتها منطلقة في شبابها، ولكن الأيام حملت لها الآلام والمصائب دفعة واحدة، إذ فقدت والدها، ثم صديقها جبران، ثم أمها، ولعل أكثر الآلام قسوة ظلم ذويها  ومحاولتهم الاستيلاء على ثروتها، وقد بدا ظلمهم في أبشع صورة حين وضعوها في مصحة للأمراض العقلية، ولولا تبني الأديب أمين الريحاني قضيتها، ومساندة الصحافة الحرة لها، لقضت مي حياتها كلها في هذه المصحة.

عاشت مي زمانين مختلفين: الأول:مرحلة الشباب، حيث كانت تتمتع بالدفء العائلي والثقافي مع الأدباء والشعراء. والثاني: مرحلة الكهولة، حيث فقدت الأسرة والشباب وبدأ الأقارب حملتهم المسعورة لتجريدها من ممتلكاتها.

وقد كانت ندوتها من أشهر الندوات في الوطن العربي، يرتادها كبار الأدباء سواء أكانوا من مصر أم من الأقطار العربية الأخرى، من أمثال: أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وأنطوان الجميل، وشبلي الشميل، وخليل مطران، وأحمد زكي باشا، والأمير مصطفى الشهابي، وإسماعيل صبري الذي نظم في ندوة مي هذين البيتين:

 

كظامئ الطير تواقاً إلى الماء

 

روحي على بعض دور الحي حائمة

لا كان صبحك يا يوم الثلاثاء

 

إن لم أمتع بمي ناظري غدا

ومنهم ولي الدين يكن، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم.

ويبدو أن الرافعي  قد تحرج من اتصاله بمي، وبخاصة بعد أن أخذ يتردد إلى صالونها كل يوم ثلاثاء، فقد كان في ذلك الوقت متزوجاً، وهو ما أوقعه في حيرة بين زوجته وبين مي زيادة، وظل في هذه الحيرة إلى أن ذهب يوماً إلى ندوتها، وكان في مجلسها الشاعر إسماعيل صبري، تحدثه ويحدثها، ودخل الرافعي، فوقفت له حتى جلس، ثم عادت إلى شاعرها لتتم حديثاً بدأته، وجلس الرافعي  مستريباً ينظر، وأبطأت به الوحدة، وثقل عليه أن تكون لغيره أحوج مما يكون إليها، ونظر إلى نفسه وإلى صاحبه، وقالت له نفسه: ((ما أنت هنا وهي لا توليك من عنايتها بعض ما تولي الضيف….؟)). فاحمر وجهه، وغلى دمه، ثم وقف واتخذ طريقه إلى الباب، واستمهلته فما تلبث، وكتب إليها كتاب القطيعة؛ كما روى العريان..

ولسنا ندري إن كان هذا هو السبب في تلك القطيعة، أم أنه كان نتيجة إحساسه بواجبه تجاه زوجه؟ ذلك أن الرافعي  ((لم يطب قلباً إلا بعد أن ألقى بخبر حبه إلى زوجته المثالية، وصار لا يكتب لمحبوبته رسالة إلا وتطلع عليها زوجته التي تعرف سلامة نيته، كما تفهم موقف تلك المحبوبة الأديبة من رواد مجلسها الأدبي الرفيع))..

إلا أن التفسير الأول لا يغيبن عن بالنا، وقد عرفنا لدى الرافعي  مواقف مشابهة تقوم على رد فعل غاضب تجاه تصرف الطرف الآخر، من ذلك مثلاً، أنه كان على موعد مع الإبراشي باشا ـ وزير الخاصة الملكية في عهد الملك فؤاد في عام 1930م ـ حيث جلس  الرافعي  طويلاً منتظراً أن  يؤذن له في الدخول، وطال انتظاره ثلاث ساعات، فما كان من الرافعي  إلا أن دفع باب الإبراشي باشا بالعصا ودخل عليه من غير استئذان، وتكلم معه بعنف. مدعياً أنه حفظ كرامته وصان نفسه، وهو ما دعاه إلى وصف ذلك الموقف فيما بعد بقوله: ((…. لا أكذب يا بني، إنّ فيّ لحماقة… إن صرامة عمر بن الخطاب قد انحدرت إليّ في أصلاب أجدادي من النسب البعيد؛ ولكن صرامة عمر حين انحدرت إليَّ صارت

حماقة؛ فهذه الحماقة عندي، يا بني، هي تلك البقية من صرامة عمر، بعدما تخطت إليّ هذا الزمن البعيد في تاريخ الأجيال….!))..

وكما اعترف الرافعي  بحماقته، وأظهر ندمه بعد موقفه مع الإبراشي باشا، اعترف بحماقته وندمه بعد موقفه مع مي زيادة عندما خرج من مجلسها الأدبي غاضباً، فكان ما يأنس إلى صديق حين يتحدث إليه فيما كان بينه وبينها، فيقول: ((… هل يعود ذلك الماضي؟ إنها حماقتي وكبريائي، ليتني لم أفعل، ليت….! ثم ينصرف عن محدثه إلى ذكرياته ويطول الصمت))..

وكان الرافعي  بعد كل ذلك يأمل بعودة العلاقة بينهما إلى سابق عهدها، يقول العريان: ((ولقيت الرافعي في خريف سنة 1932م، فتسرحنا في الحديث عن الحب، فكشف لي عن صدره في عبارات محمومة، وكلمات ترتعش، ثم قال: …. وإن صوتاً ليهتف بي من الغيب أن الماضي سيعود، وأنني سألقاها، ويكون ذلك في تمام عشر سنين من رسالة القطيعة في يناير [كانون الثاني] سنة 1934م…. وأخذ يقبض أصابعه ويبسطها، ثم قال: نعم، بعد أربعة عشر شهراً، في تمام السنة العاشرة، منذ فارقتها مغضباً، سنلتقي ثانية، ويعود ذلك الماضي الجميل. إنها تنتظر، وإنني أنتظر….!، وظل على هذا اليقين أشهراً وهو يحصي الأيام والأسابيع كأنه منها على ميعاد، ومضت السنوات العشر، ومضى أربعون شهراً بعدها، وما تحقق أمله في اللقاء، حتى لقي الله…!))..

يبدو أن الرافعي  برع في إقناع العريان بقصة الحب المتبادل بينه وبين مي زيادة، حيث استوفى شروط الرواية التمثيلية في الحب. وقد كان العريان شاباً، ومن السهل على الرافعي  أن يقنعه بأنه عاشق مستهام، ففي كتاب العريان “حياة الرافعي” آراء متناقضة عن حب الرافعي لمي تجعلنا نشك في صدق هذا الحب. بيد أن العريان يعرض رأياً نعتقد معه بصحته، وهو أن حب الرافعي لمي لم يكن حب الجسد للجسد، وإنما هو حب الروح للروح، وحب الحكمة للحكمة. وهذا ما يؤكده صديقه محمود أبو رية، فالحب بينهما لم يكن حباً مادياً يصل جسماً بجسم، وإنما كان حباً روحانياً تستوحي فيه الروح من بهاء المحبوبة وجمالها آيات الحب العذري. إن قصة الحب بين الرافعي  ومي قد أثارت جدلاً كبيراً بين الكتاب والدارسين فاختلفت وقائعها وتضاربت رواياتها، ونعتقد أن حبه حب فكري، لا يتجاوز حدود الروح، ومي زيادة لم تكن أكثر من ملهمة للرافعي.

لقد ولّدت ندوة مي زيادة الحب في قلوب الأدباء والمفكرين والكتاب، فانتشرت الآراء المتضاربة حول هذا الحب الذي كان بينهم وبين الأديبة مي زيادة، فمن قائل: إنها بادلت الحب جبران خليل جبران، ومن القائل: إنه الرافعي، ومن قائل: إنه العقاد، ومن قائل إنه شبيلي الشمّيل أو ولي الدين يكن… الخ..

ومن ذلك زعم صاحب كتاب “أحاديث عن مي زيادة”، حيث ذهب إلى أن الحب بين مي والعقاد متبادل، وأورد مقالين لطاهر الطناحي يؤكدان ذلك، وقد اعتمد الطناجي على تصريح العقاد، مورداً رسائل بين مي والعقاد دون توثيق، وهي تصور هيام مي بالعقاد لا العكس، وهذا الحب انتهى عندما علمت مي أن هنالك شخصية تسمى سارة تنافسها على هذا الحب، مما أدى إلى قطيعة بين مي والعقاد، وانعزالها من ثم عن الناس.

بيد أن المسألة التي تستوقفنا في هذا الكتاب هي وجود كشّاف ضمّ رسائل مي الشخصية من غير أن يكون للعقاد ذكر في هذا الكشاف، بينما أورد المؤلف رسائل لجبران خليل جبران، وولي الدين يكن،وشبلي الشميّل، ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم.

وقد رجحت بعض الدراسات العلاقة العاطفية بينها وبين جبران، منها كتاب “رواية الحب السماوي بين جبران خليل جبران ومي زيادة”، حيث اعتمدت الكاتبة على التوثيق (رسائل جبران) والتخييل، إذ رصدت عبر الخيال ردود فعل مي في أثناء القراءة، ورجحت العلاقة العاطفية بينهما، وأثبتته بوسائل فنية وتوثيقية.

وقد ورد في كتاب “الشعلة الزرقاء” معظم رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة. حيث دلّت هذه الرسائل على أن المراسلة بينهما أخذت طابعاً فكرياً في بداية أمرها، لكنها مع الأيام نسجت بينهما علاقة عاطفية تجاوزت مرحلة الصداقة. الأمر الذي دفع جبران إلى التصريح بحبه لمي، وذلك في رسالة طويلة أرسلها إليها بتاريخ 5 تشرين الأول 1923م، يقول فيها: ((أنتِ تحيين فيَّ، وأنا أحيا فيكِ، أنتِ تعلمين ذلك، وأنا أعلم ذلك)).

وبعد أشهر أرسلت مي إلى جبران بتاريخ 15/1/1924م، رسالة صرّحت بميلها العاطفي نحو جبران، تقول: ((غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة والأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة، نجمة واحدة هي الزهرة،  آلهة الحب. أترى  يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها من هي مثلي، لها واحد: جبران، حلو بعيد بعيد، هو القريب القريب، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة، قبل أن ترى الذي تحبه، فتتسرب إليها وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران)).

بيد أن المسألة التي تستوقفنا في هذه العلاقة، هي المقالة الذاتية التي جعلت مي زيادة عنوانها: أنت أيها الغريب، حيث لم تُحدد هوية الحبيب، أهو جبران الذي لم يرها ولم تره، أم الرافعي أم العقاد، أم غيرهم…؟ تقول مي: ((لي ثقة موثقة، وقلبي الفتى يفيض دموعاً، سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني، وأبثك شكوى أحزاني، أنا التي تراني طروبة طيارة، وأحصي لك الأثقال التي قوست كتفي، وحنت رأسي منذ فجر أيامي، أنا التي أسير محفوفة بجناحين، متوجة بأكاليل)) من هذا الذي تحنُّ إليه وتفزع، وتبثه شكوى أحزانها وتقول له: ((سأدعوك أبي وأمي، متهيبة فيك سطوة الجبار، وتأثير الآمر، سأدعوك قومي وعشيرتي، أنا التي أعلم أن هؤلاء ليسوا دوماً بالمحبين، وسأدعوك أخي وصديقي، أنا التي لا أخ لي ولا صديق، وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة، أنا  التي تتخيل فيّ قوة الأبطال، ومناعة الصناديد! وسأبين لك افتقاري إلى العطف والحنان، ثم أبكي أمامك وأنت لا تدري)) ؟..

ولكن ثمة قضية ينبغي أن تثار، ذلك أن الرافعي  قد أورد هذه المقالة الذاتية في كتابه “أوراق الورد”، وزعم أنها جواب لرسالة بعثها إليها بعنوان: “أما قبل” يقول الرافعي: ((حدثنا الصديق قال: لما بعثت إليها برسالة “أما قبل” لم يكن جوابها غير أن أهدت إليَّ كتاباً مطبوعاً، ولم تزد على أن كتبت على غلافه هذه الكلمات: أما بعد، فإليك يا صديق جواب “أما قبل”، والسلام!)). فها هنا نكتشف  في طي كلامه تصريحاً إلى مي زيادة، لأن الرسالة الموجودة في كتابها “ظلمات وأشعة”. أكان هذا نوعاً من التراسل الفني بين الرافعي  ومي؟! ففي الأول من حزيران عام 1930م يقول الرافعي لصديقه محمود أبو رية إنه وجد رسالة هامة جداً من صاحبة الرسائل، ويوحي له بأنه سيضم هذه الرسالة إلى “أوراق الورد”.

وقد ذهبت وداد السكاكيني وماجدة حموّد إلى أن  هذه المقالة موجهة من مي زيادة إلى جبران خليل جبران لا إلى الرافعي

وينبغي، هنا، أن ننظر إلى عامل الزمن، فكتاب “أوراق الورد” ظهر في طبعته الأولى عام 1931م، ومي زيادة ما تزال تمارس نشاطها الأدبي والفكري، ولابد أنها علمت بهذه الرسالة التي أوردها الرافعي، وقد توفيت عام 1941م، فهناك عشر سنوات من صدور الكتاب إلى وفاتها، وهي فترة كافية للرد، بيد أننا لم نسمع منها أي ردّ، أكان عدم ردها نوعاً من اللا مبالاة أم غير ذلك؟!…

إننا لا نسعى إلى نسج علاقة عاطفية بين الرافعي ومي، وليس هناك من سبيل إلى إثبات هذه العلاقة إلا الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً. وإن كنا نرجح أن العلاقة بينهما كانت صوفية تقترب من مفهوم الحب العقلي. فقد أحب الرافعي  وهو متزوج وتحرج من هذا الحب، فصارح زوجته وأخبرها أنه حب بريء لا مقصد من ورائه، فما كان منها إلا أن  أذنت له، لأنها علمت حسن نيته،  فكيف تقرأ رسائله، كما تقرأ رسائلها ، وعلمت أنه حب سام ولا حرمة فيه، وهذا دليل على أن حب مي لم يكن بالنسبة إلى الرافعي إلا محرضاً جمالياً وفنياً.

وربما استطعنا القول: إن أدباء ندوتها الذين نسجوا قصصاً عاطفية بينهم وبين مي، لم يكن تعلقهم بها لشخصها، أو لأنها كانت تمثل نموذج المرأة العربية الجريئة التي أقدمت على فتح ندوتها في ذلك الزمان والمكان، وإنما كان تعلقهم ـ على الأرجح ـ بالشهرة، فقد بلغت شهرة صاحبتها أصقاع العالم العربي، ووصلت إلى الهند، ولعل بعضهم حاول أن  يمتلك قلب مي وصولاً إلى  تلك الشهرة.

والدليل على ذلك أن رواد تلك الندوة ما عادوا يولون مي أي اهتمام بعدما خرجت من المشفى، وكبر سنها، وأغلقت ندوتها، وعانت من آلام الوحدة والانعزال ما عانت.

إذا كان الأمر على ما تقدم، فإن ملهمة الرافعي  في كل كتبه النثرية واحدة، أو إن هناك واحدة لا ينساها تسهم في إبداعه. ومن عَجَب أن الرافعي  يجعل كتبه الثلاثة الأولى سلسلة متكاملة ـ يعني “حديث القمر” و”رسائل الأحزان”، و”السحاب الأحمر” ـ مؤكداً أن  موضوعها الجمال والحب، وأنها مستوحاة كلها، يقول: ((كَتبت “رسائل الأحزان” في نيف وعشرين يوماً، وكتب “حديث القمر” في أربعين” وكتاب “السحاب” في شهرين، وهي الكتب الثلاثة التي جعلناها الجمال والحب، وكلها مستوحاة)).

وبعد ذلك يجعل السلسلة الثلاثية مؤلفة من كتبه الأخيرة ـ أي “رسائل الأحزان” و”السحاب الأحمر” و”أوراق الورد” ـ يقول في مقدمة كتابه “أوراق الورد”: ((هذا الديوان من الرسائل تكملة على كتابين خرجا من قبل، وهما “رسائل الأحزان” و”السحاب الأحمر” فجملة آرائنا في فلسفة الجمال والحب وأوصافهما هي هذه الكتب الثلاثة)). وهذا تعارض بين آراء الرافعي   السابقة واللاحقة، ولعلّ ذلك يرجح أن السلسلة رباعية لا ثلاثية؛ أولاها وأساسها “حديث القمر”.

من خلال ما تقدم فإننا لا نفهم موقف الذين يؤكدون أنّ الكتب الثلاثة الأخيرة جميعاً ـ “رسائل الأحزان” و”السحاب الأحمر”، و”أوراق الورد” ـ من وحي مي زيادة ، مع أن الرافعي نفسه ينسب إلهامه فيها إلى ماري يني صاحبة “حديث القمر” التي عرفها قبل أن يعرف مي زيادة في وقت متأخر، وبالتحديد بعد الحفل التأبيني الذي أقيم لفرح أنطون (ت1922م)، كما تؤكد مي نفسها، وهو لا يذكرها في رسائله إلى صديقه محمود أبو رية إلا ابتداء من عام 1924م بعيد تأليف “رسائل الأحزان”،صحيح أنه قد يكون لمي  نصيب من هذه الرسائل، لكن النصيب الأوفى كان، على ما يبدو،  للأخرى.

ونعتقد أن أثر كل من مي وماري يني في إبداعه النثري كان بالغاً، وقد اعتبره الرافعي وصل حد المرض. فهو يخبر صديقه أبا رية في 8/كانون الأول/1924م، أن  مرضه سوري. ولا ندري أكان يقصد أن سبب مرضه ماري يني التي تعرّفها في بحمدون بلبنان، أم مي زيادة التي كانت تعيش وقتئذٍ في مصر؟

ويقول الرافعي: إن موضوع “رسائل الأحزان” هو تلك الفتاة السورية المسيحية التي عرفها بلبنان ، أي ماري يني، وهي نفسها كان من وحيها أول كتب الرافعي  النثرية، وهو كتاب “حديث القمر”، بعد أن عاد من لبنان سنة 1912م وقد جرى فيه على الأسلوب الرمزي في الكلام على الحب.

لكن الرافعي  يخبر صديقه محمود أبو رية في 22/شباط/1925م أن كتاب “السحاب الأحمر” قد أغضب صاحبة “رسائل الأحزان” غضباً شديداً. وهذا يعني أن الرافعي كان على صلة بهذه المرأة، أو قريباً منها، والأرجح أنها مي زيادة. وهذا يخالف ما ذهب إليه في “رسائل الأحزان” من أنها تلك التي عرفها في لبنان، والتقاها في مصر.

أياً كانت الملهمة سواء أكانت مي زيادة أم ماري يني، فإن الصلة بين الرافعي الشاعر وملهمته ليست صلة مادية حقيقية، بل صلة روحانية، فهي ـ كما يرى الرافعي ـ ((شاعرة روحانية تسمو هي وصاحبها بالحب فوق المادة، ولا يريدان إلا وحي النفس الجميلة للنفس الجميلة)). وإن كنا نرجح أن الملهمة الحقيقية للرافعي هي المرأة بجوهرها الإلهي، وليست واحدة بعينها.

وهذا أمر يستوقفنا! فالملهمتان من بلاد الشام، وتحديداً من لبنان، ومن دين واحد هو المسيحية. أما كونهما من لبنان، فلعله الشوق والحنين إلى  وطن أجداده، لأن الرافعي  من طرابلس الشام. وأما  كونهما مسيحيتين، فربما لأنهما أكثر تحرراً وجرأة من المسلمات، وربما كانت ندوة مي زيادة دليلاً على ذلك.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً