الرئيسية / العدد السادس / معارك الرافعي الأدبية..

معارك الرافعي الأدبية..

386939_4536887588409_412019296_a

لقد عاش “الرافعي” في عصر كثر فيه أدعياء التجديد ونبذ القديم، بل وقف الرافعي وحده في الميدان مدافعًا، لا يستند إلا على ربه، وما وهبه من علم، فكان يبارز الكثير منهم في ساحة الصحف والمجلات والمطبوعات برغم أنه كان يعيش في (طنطا) بعيدًا عن أضواء الصحافة والمجلات الكثيرة التي كان يسيطر عليها أمثال هؤلاء، فكان يعتمد على مرتبه البسيط الذي كان يتقاضاه من المحكمة الأهلية، التي كان يعمل بها؛ لذلك نجده لم ينافق ولم يراءِ في معاركه، لأن ضميره ودينه يفرضان عليه خوض هذه المعارك.

ومن هنا كانت المعارك التي خاضها “الرافعي” مع “طه حسين” و”العقاد”، و”سلامة موسى” و”زكي مبارك” و”عبد الله عفيفي”، وإن كانت معاركه مع العقاد أشهر هذه المعارك، إلا أن معظمها كانت من منطلق إيمانه بمنهجه وطريقته في الإبداع والنقد، والاحتماء بالتراث العربي الأصيل.. كما أسس الرافعي بتلك المعارك منهجه النقدي من خلال أبرز كتبه، وهي: (تحت راية القرآن)، و(على السفور).

أما أبرز معارك الرافعي العلمية، التي يتعين الإشارة إليها بشيء من التفصيل بعد أن أهال عليها الزمن تراب النسيان، بل إن الكثيرين اليوم لا يحيطون بتفاصيلها.. وبخاصة ما كان بينه وبين كل من الأديبين الراحلين الدكتور “طه حسين” والأستاذ “عباس محمود العقاد” على التوالي.

* معركة “الرافعي” مع “طه حسين”: 
بدأت المعركة حينما أصدر الرافعي كتابه (تاريخ آداب العرب)، وانتقده “طه حسين”، الذي كان لا يزال طالب علم في ذلك الحين في عام 1912م بمقال نشره بالجريدة، مبديًا أنه لم يفهم من هذا الكتاب حرفًا واحدًا.

وأسرها الرافعي في نفسه، وإن كان “طه حسين” قد عاد بعد ذلك عام 1926م فقال عن ذات الكتاب: إن “الرافعي” قد فطن في كتابه لما يمكن أن يكون عليه تأثير القصص وانتحال الشعر عند القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيمة”!

وبدأت المعركة في الاحتدام حينما أصدر الرافعي كتابه (رسائل الأحزان) واستقبله “طه حسين” بتقديم شديد، انتهى فيه للقول: “إن كل جملة من هذا الكتاب تبعث في نفسي شعورًا مؤلمًا”!

ورد عليه “الرافعي” بجريدة “السياسي “ساخرًا بقوله: “لقد كتبت رسائل الأحزان في ستة وعشرين يومًا، فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهرًا، وأنت فارغ لهذا العمل، وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي من النشاط ولا من الوقت إلا قليلاً .. هأنذا أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها”.

واشتدت المعركة وزادت عنفًا حينما أصدر الدكتور “طه حسين” كتابه “الشعر الجاهلي”، وأحدث الضجة المعروفة، وانبرى “الرافعي” يندد بما جاء بهذا الكتاب وفنده فصلاً فصلاً، حتى اجتمع له من ذلك كله كتاب أطلق عليه عنوان (تحت راية القرآن)، الذي كان حديث الناس في تلك الفترة (عام 1926م).

* معركة الرافعي مع العقاد:

من أشهر معاركه الأدبية وصراعاته الفكرية التي حميَ فيها الوطيس واشتدّ الأُوار، ما كان بينه وبين الأديب الكبير عباس محمود العقاد 
بدأت حينما اتهم “العقادُ” “الرافعي”َّ بأنه واضع رسالة الزعيم “سعد زغلول” في تقريظ كتاب الرافعي (إعجاز القرآن) بقوله إن قول “سعد زغلول” عن الكتاب إنه (تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم) ليروج الكتاب بين القراء .. هذه العبارة من اختراع الرافعي وليست من يراع الزعيم “سعد زغلول”!

ويدافع الرافعي عن هذا الاتهام بقوله للمرحوم محمد سعيد العريان: “وهل تظن أن قوة في الأرض تستطيع أن تسخر سعدًا لقبول ما قال، لولا أن هذا اعتقاده”.

وأرجع “الرافعي” السبب في اتهام “العقاد” له إلى أن العقاد كان هو كاتب الوفد الأول، وأن سعدًا كان قد أطلق عليه لقب (جبار القلم)، ولا يقبل “العقاد” منافسًا له في حب “سعد” وإيثاره له.

وقد أخذت المعركة طابعها العنيف حينما شن “العقاد” حملة شعواء عليه في كتابه (الديوان) سنة 1921م، وتناول العقاد فيه أدب “الرافعي” بحملة شعواء جرده فيها من كل ميزة .. وشمر “الرافعي” عن ساعده على إثرها وتناول العقاد بسلسلة من المقالات تحت عنوان (على السفود) بأسلوب حاد كان أقرب إلى الهجاء منه إلى النقد الموضوعي الجاد.. والسفود في اللغة هو الحديدة التى يُشوى بها اللحم، ويسميها العامة السيخ كما يقول “الرافعي” في شرح العنوان.
وفي سنة 1920م نشر الرافعي نقداً لنشيد أمير الشعراء أحمد شوقي الذي مطلعه:
بَني مصرٍ مكانكمُ تهيّا ** فهيّا مَهِّدوا للمُلكِ هيّا
فتصدّى له العقاد سنة 1921م بمقالة نشرها في الجزء الثاني من “الديوان في الأدب والنقد” بعنوان: (ما هذا يا أبا عمرو؟!) اتّهمه فيها بسرقة ما كتبه في الجزء الأول من “الديوان” في نقد نشيد شوقي آنف الذكر، وقد اتّسمت مقالة العقاد بالشدة والقسوة، والسخرية اللاذعة، والهجوم العنيف على شخص الرافعي.
و قد عرضَ الأستاذ إسماعيل مظهر على الرافعي أن يكتب في نقد شعراء آخرين، فلاقى ذلك في نفسه هوى، وأسرع إلى ذاكرته لقاؤه بالعقاد في دار المقتطف، ولم يكن ناسياً مقالتيه السابقتين فألفاها فرصة سانحة للانتقام من العقاد، وللثأر لكرامته، فافترسه بسبع مقالات طاحنة، نشرها تباعاً في مجلة العصور، مغفلة النسبة، وجعلها كما أسلفنا تحت عنوان : (على السَّفّود) نقد فيها ديوان العقاد، وحشد فيها من مر الهجاء، وقوارص القول، وصنوف الذم والقدح المقزع، ما يمكن أن يستخرج منه معجم لألفاظ الثَّلب والشتم.
وإليكم عناوين السفافيد السبعة، مع ذكر تواريخ نشرها:
السفود الأول: عباس محمود العقاد، نشر في عدد شهر يوليو 1929م.
السفود الثاني: عضلات من شواميط، نشر في عدد شهر أغسطس 1929م.
السفود الثالث: جبّار الذهن المضحك، نشر في عدد شهر سبتمبر 1929م.
السفود الرابع: مفتاح نفسه وقفلُ نفسه، نشر في عدد شهر أكتوبر 1929م.
السفود الخامس: العقاد اللص، نشر في عدد شهر نوفمبر 1929م.
السفود السابع: ذبابة لكن من طراز زبلن، نشر في عدد شهر يناير 1929م.
وقدّم الرافعي بين يدي كل سفُّود من تلك السفافيد بيتَين من الشعر، ناطقَين بما وقد أخذت المعركة طابعها العنيف حينما شن “العقاد” حملة شعواء عليه في كتابه (الديوان) سنة 1921م، وتناول العقاد فيه أدب “الرافعي” بحملة شعواء جرده فيها من كل ميزة .. وشمر “الرافعي” عن ساعده على إثرها وتناول العقاد بسلسلة من المقالات تحت عنوان (على السفود) بأسلوب حاد كان أقرب إلى الهجاء منه إلى النقد الموضوعي الجاد.. والسفود في اللغة هو الحديدة التى يُشوى بها اللحم، ويسميها العامة السيخ كما يقول “الرافعي” في شرح العنوان.
وقدّم الرافعي بين يدي كل سفُّود من تلك السفافيد بيتَين من الشعر، ناطقَين بما تضمنته تلك المقالات من نقد فاتك محرق، يقول فيهما:

وللسفُّود نارٌ لو تَلقَّتْ ** بجاحِمِها حديداً ظُنَّ شَحما

ويَشوي الصخرَ يتركُه رَماداً ** فكيفَ وقد رميتُكَ فيه لَحما؟!


وقد أورد في كتبه نقولا شعرية تدور حول هذا الموضوع أولاها عن قصيدة للشاعر الضرير المرهف أحمد الزين: (شعراء العصر في مصر) فيها بيان منزلة خمسة وعشرين شاعراً من شعراء مصر المحدثين، وفيها يقول في العقاد:
ألا أبلغا العقاد تعقيدَ لفظهِ … ومعناهُ مثلُ النّبتِ ذاوٍ ومثمرُ

يحاولُ شعرَ الغربِ لكنْ يفوتُهُ … ويبغي قريضَ العُربِ لكن يُقصّرُ

ويقول في الرافعي:

تضيعُ معاني الرافعي بلفظهِ … فلا نُبصرُ المعنى وهيهاتَ نبصرُ

معانيهِ كالحسناءِ تأبى تبذّلاً … لذاكَ تراها بالحجابِ تخدّرُ

– وذكر فيها أيضا قصة عبث الدكتور طه حسين بالعقاد حين بايعه بإمارة الشعر، وصدى هذه البيعة، ومن ذلك ما قاله الأستاذ الشاعر محمد حسن النجمي ساخراً متهكماً:
خدعَ الأعمى البصيرْ … إنهُ لهوٌ كبيرْ

أضحكَ الأطفالَ منهُ … إذ دعاهُ بالأمير

أصبحَ الشعرُ شَعيراً … فاطرحوهُ للحمير

وبعد أن هدات الخصومة بينهما بسنوات نشر المرحوم “الزيات” صاحب “الرسالة” رأي “الرافعي” الحقيقي في العقاد الذي يشتمل على استنكار الرافعي نفسه للأسلوب الناري الذي اتبعه وفاءً إلى التسامح بعد بضعة عشر عامًا من خمود المعركة على حد تعبير الأستاذ كمال النجمي.

فقد قال “الزيات” للرافعي وهو يحاوره: ياصاحب (تاريخ آداب العرب) .. هل تستطيع أن تجرد نفسك من ملابسات الخصومة وتجمل لنا رأيك الخالص في العقاد”؟
فأجاب الرافعي: “أقول الحق، أمَّا العقاد أحترمه وأكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه قليل الإنصاف لغيره، ولعله أعلم الناس بمكاني في الأدب .. وأحترمه لأنه أديب قد استمسك آداة الأدب وباحث قد استكمل عدة البحث فصَّير عمره على القراءة والكتابة فلا ينفك كتاب وقلم”.

حينما اطلع “العقاد” في الرسالة على ما تقدم من رأي “الرافعي”، وفي أدبه رد على ذلك بعد رحيل “الرافعي” عن عالمنا بثلاث سنوات بقوله: “إني كتبت عن “الرافعي” مرات أن له أسلوبًا جزلاً، وأن له من بلاغة الإنشاء ما يسلكه في الطبقة الأولى من كتاب العربية المنشئين”.

أما المعركة الثالثة في الأهمية فهي تلك التي قال فيها بعضهم: إن كلام العرب في باب (الحكم) أن عبارة (القتل أنفي للقتل) أبلغ من الآية القرآنية: ***;وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ***; البقرة: 179؛ إذ لم ينم “الرافعي” ليلته، بعد أن لفت الأستاذ الكبير “محمود محمد شاكر” برسالة بتوقيع م.م.ش نظره إلى هذا الأمر بقوله: “ففي عنقك أمانة المسلمين جميعًا، لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها”؟
واستطاع الرافعي ببلاغته أن يقوض هذا الزعم من أساسه بمقالاته: (كلمة مؤمنة في رد كلمة كافرة)، التي عدَّد فيها وجوه الإعجاز في الآية الكريمة: ***وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ***

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً