سبحة رمضان

عبير

عبير عواد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 ذكريات رمضان ..واحة خضراء وارفة الظلال وسط صحراء قاحلة ، هذه هي أيام رمضان التي تمضي سريعا بلحظاتها ونفحاتها, تترك خلفها أثرا باقيا يخفف من وطأة الحياة باقي أيام السنة.واحة نزورها لنبقى فيها بالروح قبل الجسد, بمحض اختيارنا وبمنتهى الحرية نمارس الحياة  تنتشي أرواحنا وتختلج نفوسنا بعبق هذا الشهر الكريم وسماحته التي تمنحنا فيضا يغمرنا لا يدرك سر عظمته ولا قيمته إلا من يصوم ويقوم إيمانا واحتسابا…من يدرك أن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو للمولى عز وجل سبحانه يجزي به…و ما نقوم  به من صالح الأعمال  في شهر رمضان نقوم به خلال العام، ولكنه في رمضان  يكون مختلفا كل الاختلاف!!

 كل شيء  بمذاق آخر ونكهة أخرى.هناك من يتعبد ناسكا بصيام أيام من كل شهر، وهناك من يتصدق طوال العام،  و هناك من يفعل الخير بشتى صوره في كل وقت..لكل هذا أجر وثواب, و لما يفعله في رمضان أجر وثواب مختلفين  ..هذه المعادلة التي تربط بين العبد وربه تصيب التوازن أوقاتا و تخطئ أوقاتا أخرى… لأن الإنسان أحد طرفي المعادلة لا يقدم أبدا ما يساوي و يكافئ ما ينتج عنها..فكم من مرتكب ذنب ومعصية نال برحمة الله غفرانا ومغفرة، وكم من لاه غافل عن ذكر الله لم ينسه الله أبدا ولا غفل عنه..وفي رمضان تتزن المعادلة بشكل آخر وبصورة مختلفة حيث أن المخلوق يتعبد تقربا إلى الله زلفى وليس عن رغبة أو رهبة، لا يدرك كيف سيكون الأجر ولا هي قيمته؛ وقد لا يفكر أبدا في هذا مع نيته الصوم في أول ليالي رمضان، هو فقط ينوي الصيام بإيمان كامل وطاعة لله، ويحتسب الأجر والثواب عند الله…وكلما خلصت نيته وكلما زاد تجرده من طلب المنفعة؛ كلما زادت المنفعة من حيث لا يدري أو يعلم!!!هناك أشياء لا تقدّر بثمن ولا تقاس بقيمة وإن استشعرت الروح أثرها وانتعشت به..تلال من الذكريات تختزنها ذاكرة الروح وتحتفظ بها مع ليلة الصيام الأولى وحتى إشراقه شمس العيد بأول أيامه…تبقى ذكرياتنا محفورة بوجداننا عاما بعد عام لا تتناقص مهما اغترفنا منها.. هي لا تزول ولا تنمحي ولا تنسى..تمنحنا تناغما روحانيا خالصا تصفو أرواحنا به وتبرأ من الكدر و الوهن..ويصبح كل ما هو معتاد ومألوف في كل لحظة مختلف ومميز في رمضان..عجيب أمر هذا الشهر له سحر غامض سره.. إلا  على الصائم الذي يشعر بحلاوة الصوم مع كل ضوء فجر جديد، وإشراقه شمس صباح يعلن عن قدومه مع نسائم الصباح الأولى و أصوات الحياة من حولنا..حتى حرارة الجو الخانقة وجفاف الحلق الذي نتحمله عطشا نرتوي منه آخر النهار ومع غروب الشمس التي ترتقي السماء لترتقي معها أرواحنا وتسمو فوق حاجتها واحتياجها المادي.. يقال أن  رمضان هذا العام يتكرر كل ثلاثة وثلاثون عاما، وأنه سيكون الأطول في صيامه، وهكذا أجدني أعود بالذاكرة لأيام طفولتي وأول تجربة لي مع الصيام، والتي تتصادف مع نفس الظروف حيث أن نصيبي كان صيام يوم طويل وشاق و أنا بالتاسعة من عمري، لم أصم رمضان كله بالطبع بل بعض من أيامه بدأتها بصيام حتى العصر وربما صمت يوما أو ثلاثة أيام كاملين..ولا أنسى أبدا إحساس السعادة لأنني أصوم مثل الكبار,, والذي سرعان ما يختفي وراء سحابة الألم من العطش والجوع.. خاصة مع رائحة الطعام التي تتسلل إلى أنوفنا فتجعلنا نشعر بالجوع والرغبة في تناول طعام كنا نرفضه في الأيام العادية..

أتذكر عندما لم أستطع مقاومة العطش وقمت سريعا من النوم بعد العصر لأشرب كثيرا من الماء وكأنني مسافر نال منه رهق الصحراء وهجير حرارتها…وبعد أن ارتويت تذكرت صيامي فبكيت وقالت لي أمي  ” خلاص كفاية صيام النهاردة ” ولكن جدي قال لي أكملي صيامك فإنما أطعمك الله وسقاك لأنك نسيتِ  أنك صائمة.كم أنت جميل يا الله.. تطعم عبادك وتسقيهم ; لذلك حاولت جاهدة أن أكون قدر المسئولية ولا أنسى أنني صائمة ولا أشعر بالخجل من الله سبحانه.. ولكن طفولتي غلبتني ذات نهار و إغراء باقي الدجاجة المحشية المحفوظة في الثلاجة قاومت كثيرا ثم لم أستطع فتناولت جزء منها  قبيل المغرب بقليل…وكانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بالذنب رغم أن والدتي قالت لي من قبل رمضان أن علّي الصوم كيفما أستطيع وأتحمل، ولكن!  إحساس الذنب الذي تملكني  كان مؤلما لأنني لو كنت تحملت دقائق قليلة لكنت أتممت صيام هذا اليوم حتى نهايته.

رأيت نفسي مذنبة بارتكاب معصية وأنا انتقل من عالم الطفولة لعالم الكبار.و رأيت نفسي ضعيفة لم تقاوم الجوع فأفطرت ولم تكمل صيامها…

شهور.. أعوام وتبقى الذكريات لا تنمحي، ولنا جميعا ذكريات لا تنسى مع صوم رمضان وصوت الآذان وصلاة التراويح و الفجر وقراءة القرآن…زيارات الأهل وفرحة الاجتماع على مائدة واحدة، ورغم هذه الذكريات المشتركة للصائمين في كل مكان إلا إن لكل منا تجربة منفردة وخاصة تبعا للمكان الذي يحيا فيه و مظاهر الاحتفال التي يختبرها ويعيشها.

و أنا كنت أسكن بحي قاهري شديد الخصوصية وهو حي شبرا والذي يتميز بزيادة أعداد المسيحيين بنسبة أكبر عن غيره من الأحياء السكنية، هناك عشت أيام طفولتي وشبابي، هناك لم نكن نحتاج لإدعاء الوحدة الوطنية الإعلامي والشيخ الذي يصافح القسيس كدليل على الوحدة الوطنية فنحن نحيا بالفعل هذه الحالة بلا شعارات ولا عبارات إنشائية فارغة من المعنى والمضمون،

 

هناك كانت الحاجة ”فاطمة” جارة مدام ”جورجيت” وصديقتها منذ الصبا ودكان عم ”جرحس” مجاور لورشة عم ”حسين”وطلاب مدرسة ”ثمرة الإخلاص” الابتدائية يدخلون مدرسة „السيدة حنيفة” الإعدادية..

 

نحتفل برمضان كما نحتفل بعيد السيدة العذراء، والزينة في الشارع يعلق طرفاها ما بين شرفة الحاج ”سعد” القصاب و المقدس ”سمير” صاحب محل الذهب،

وكلنا نشتري فانوس رمضان محمد وأحمد وعبير ويكن، وماريان وجورج ونيفين وسامح،

نتشارك حلويات رمضان وقمر الدين وأقراص الطعمية و فطائر الزيت المقلية  المرشوشة بالسكر..

هكذا كان رمضان وهكذا كنت أعيشه..

 

يأتي رمضان ويروح كل عام، تتغير الحياة ويتغير البشر وهناك ثوابت لاتتغير !!

صوت عبد المطلب في الإذاعة وأغنية رمضان جانا وآذان المغرب ومن قبله القرآن الكريم بصوت الشيخ رفعت، وتواشيح الشيخ سيد النقشبندي..

يا الله..

ها قد مر ثلاثة وثلاثون عاما منذ أول تجربة لي في صيام شهر رمضان..وأنا أصوم لثلاث وثلاثين سنة، اكتملت سبحة رمضان الأولى في حياتي.. فهناك أغنية من أغاني رمضان القديمة والتي ما زالت تذاع حتى الآن اسمها

 ”سبحة رمضان”وتقول:

سبحة رمضان لولي ومرجان بتلاتة وتلاتين حباية تلاتة وتلاتين منهم تلاتين أيام رمضان نور وهداية وتلاتة العيد بنقول ونعيد ……

 

لا أدري هل كُتِـب لي عمرا يجعلني أمتلك سبحة أخرى لرمضان  بثلاثة وثلاثين حبة؟!

ولكنني يقينا أدري أنني سعيدة بمسبحتي الأولى التي ستكتمل هذا العام و أتمنى أن يكون هذا العام أفضل لي ولكل من أحب ولكل أمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها..

 

أتمنى أن يأتي رمضان هذا العام فنستقبله ونحن أكثر إنسانية وأكثر رأفة ببعضنا البعض و أكثر صبرا وطاعة وحبا لله عز وجل…

أعانني الله وإياكم على صوم رمضان إيمانا و احتسابا وغفر لنا ما تقدم وما تأخر من ذنوبنا…

كل رمضان وأنتم بألف خير ..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

2 تعليقان

  1. You happen to be incredibly great! I dont suppose We’ve glance at something comparable to this kind of ahead of. Accordingly careful to search banned a bigwig with authentic attaching to in lieu of exempt that matter. I

  2. One of the best pair of Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com. Excellent clothing fashion, incredibly pleasing, and then super extremely cute. Would want a set with chocolate brown on top of that

اترك تعليقاً