في الحافلة

إبراهيم

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الجو غائظ في الحافلة ، بالكاد يتنفس المرء من شدة اللهيب ، وﻷنه رمضان ، لك أن تتخيل أن الصمت أخذ بعدا مقدساً .. كان يمكن سماع بعض الهمهمات على أنها تسبيحات تصدر من هنا وهناك ، وربما أيضا شتائم ومهاترات.. لكن ، وفي معظم الوقت ، كان السكون هو المتسلط ، تماما كالشمس التي تلفظ حرّها علي.. أنا الجالس في أسوأ مكان ؛ قرب نافذة تحمل الأشعة والسموم…!

 تحركت الحافلة على مهل .. لا ، بل زحفت كعجوز كسيح ، سارت في الطرقات كأنها تود إخباري بأنها تجاهد كي يظل مقعدي مطلا على الشمس ، تغيظني… والأسوأ ، أن الصوت الذي يزعق من الراديو ، الشيخ الجليل المهيب ، يقول : (تذكروا جهنم !) خطر في بالي أن الوضع يمكن له أن يكون مربكاَ ، لو أن ذات الراديو عرض فقرة إعلانية لمشروب غازي ، حمدت الله ، وخاطبت النوم!

-(كم الساعة من فضلك؟) ، سألني الشاب بجواري..

– رددت : (آآه ، إنها الثالثة والربع)

-قال : (أوف ، قمة الاشتعال!)

حتى هنا ، كانت الأمور – بالنسبة لي- جيدة ، لم أكن أشعر بعد بالعطش.. وببساطة ، لأنني في مزاج حسن ، جعلت حقيبتي ساترا يقيني الحر ، ولما تحدث شيخ الراديو ، عن الجنة ، فرحت .. لم تمر دقيقتان حتى عاود الشاب سؤاله وكسر رتابتي : (والآن ، كم هو الوقت؟!)

– انتهرته :(بالتأكيد إنها الثالثة والربع وثلاث دقائق)

 – قال : (رحماك يا قدوس ، ما بال الزمان توقف!)

حسنا ، لابد وأنه توقف بالفعل ، لأن الهواء انعدم ، و درجة الحرارة ، المرتفعة أصلا ، تضاعفت بشكل ملحوظ.. كنت قد بدأت التعرق ، وشعرت بجفاف حاد أعلى الحلق ، وكأن كل كمية الماء المتناولة عند السحور قد تبخرت ، فها أنا الظمآن والطريق في أوله…

-قال الشاب : (يبدو أنه أمامنا أربع ساعات أخرى حتى موعد الإفطار!)

– قلت : (الله المستعان ..)

-رد : (يا رب ، اعن الصائمين ، لأني عطش!)

 الآن أصدقكم القول ، بأن العربة همدت ، وكان الشيخ الجليل قد عاود نهج الترهيب ، وكان الركاب ، كل الركاب.. قد بدأوا التململ والضجر ، وبلا أي سبب ، احتدم حوار لفظي وعراك بالأيدي .. وخمد واتقد. للأسف ، تعكر صفو مزاجي ، لكنني رغم ذلك ابتسمت ، وتشبثت بشعرة رهيفة من الصبر ، وشيئا فشيئا بدا الحال مقبولا ، وأنها مجرد سويعات وتنقضي.. لكن الشاب إياه ، وفي هذه اللحظة بالتحديد ، كان قد أخرج قارورة ماء ، بلل وجهه وأجزاء شعره ، ثم نظر جهتي وقال :

(الصوم عمل مبارك.. ومأجور ، خصوصا في مثل هذا الطقس .. كم أنا حزين لأني مريض وأملك رخصة ، أثابك الله..) ، ثم لكم أن تتلمسوا ما ألم بي ، حين شرع يشرب مصدرا تلك الرنة الخافتة ؛ كع كع كع كع آآآح..

– قال وهو يلقي القارورة من الشباك : (أوف ، الجو حار ! )

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً