الرئيسية / العدد العاشر /  العوض .. ملحمة المطر

 العوض .. ملحمة المطر

إبراهيم

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بعد يوم عمل شاق ومضني ، بعربة كارو السُقيّا ، عاد “العوض” إلى البيت.. خائباً ومكسور الخاطر ، ويحمل على عاتقه صراخ الأطفال الجياع. كان العوض رجلاً عجوزاً في آخر أيامه ، مصاباً بداء السكري ، ويعرج من عدة قروح تشوّه ساقه اليسرى… وبالكاد استطاع – بعد مجاهدة – حل عربة براميل الماء عن الحمار ، فتهاوى كجبل يجلس بجانبها. لم يكن يشعر بشيء ، إطلاقاً ، لكنه بعد برهة أحس بالتعب ، وفكر في عمق الألم الذي يسري من قعر ظهره ليهز كل الجسد ، ألم لا فكاك منه… في الحال ، تسللت إليه ابنته “مستورة” – المطلقة – كلص هارب جنايتها النسب.. ناولته كوب شايّه المر ، بلا سكر ، وابتدرت حديثاً عن أن أحدهم سيأتي عمّا قريب ليكلمه بشأنها ؛ آه ، عريس… لم يغضب العوض من غرابة كلامها ، سايرها وهو يشطف الشاي مصدراً صوتاً حزيناً يشبه بكاء الريح مع الرمل ، وتأمل بعجب ارتباكها اللطيف ، مجيئها ورواحها وهي تعلف الحمار ، وتفلُّت ابتسامات خجلها التي غدت تشع بلا معنى … لا ؛ ابنته المسكينة فقدتْ عقلها بالكامل ، ومنذ أن طلقها زوجها وهي لا تيأس تنتظر بعلاً ما ليأتي ، أي بعل .. الروتين الممل الذي يحفظه عن ظهر قلب !

حين نهض العوض قائماً نهق الحمار ، وحين مشى على مهل بضع خطوات ازداد النهيق بشكل لافت ، كأنها سخرية من محاولة مداراة عرجته.. “عوض الأعرج” ، اشمئز من تردد الاسم في بواطن العقل ، وأزقة الأحلام المقننة.. ومضى غير آبه يتفقد أحوال حفيديه ؛ كان أصغرهما رضيع هزيل غائر العينين ، لا أحد يعرف كيف أن الله يبقيه حيّاً مع الإسهال المزمن وإهمال أمه… لعلها بركات أخته ذات الأربع سنين التي ترعاه. هه ، أحياء وجوعى ، ومتيقظان للموت كقطين… عادت أمهما مستورة لتهذر باسم عريسها المختلق ، حلبت ضرع الماعز العجفاء وقدمته ﻷبيها مع البيض المسلوق.. بالطبع مسلوق فلا زيت للغلي ، وأصلاً لولا الدجاج لما كان هنالك شيء يؤكل.. ضحك العوض واتكأ على العنقريب…

كانت سماء الليل باهتة يُظلّل سوادها سحاب خفيف ، لا قمر يلوح فيها ولا نُجم… وكان للعوض أن ينام من شدة الإرهاق ، لكن الأرق والهم منحاه السهاد.. انقلب على يمينه وشتم أشياء معنوية بأمهاتها ، وراودته ذكريات قديمة لأناس أبهت الزمان سحنتهم ، وﻷحداث مربكة توهم عدم إمكانية وقوعها ، ولأغنيات بصوت جدته الراحلة… كان لابنته مستورة عين بحة الصوت ومستوى نبرة الرنين ، لذلك ما إن غنت حتى غفا العوض كصبي صغير ونسي كل شيء. لكنه سرعان ما استيقظ.. لأن كابوس أطباء يبترون قدمه اليسرى أفزع سكينته ؛ السُّكَّريّ اللعين يطارده ، وطعم الأشياء المُرّة عالق في الجوف… سيصبح في يوم ما عالة بلا شك ، أما اللحظة فيجب عليه أن يرتاح ، الغد دهر طويل… 

استلقى العوض على ظهره ، واستقبل بحنو الرياح الباردة التي هبت وداعبت السخط ، ولأول مرة ، منذ زمن بعيد ، قدّر بأنه عاجز ، وببساطة خرّ مستسلماً للوجع .. كانت الحُمى تجعل عرقه ينزّ وأنفاسه تضطرب ويسعل … لا ، ليس هذا الوقت مناسباً لمراسم عزاء ، فمازال عليه أن يقاتل كجندي. ونظر مباشرة إلى جهة السحاب الذي بدأ بالتكاثف ، كان قريباً إلى حد خُيّل أن بالإمكان أن تطوله اليد ، داكنٌ ورماديٌ ، ويبرق ضوءه من حين لآخر.. دوى مع صدى الرعد القصي بكاء طفل جائع ، وامتلأ المكان بالمشاعر المحتقنة ، وقَدِمتْ رائحة مطر تعبَّق بها الجو ، ولكأن السماء الحزينة تريد أن تشاركه الدموع…

في البدء نزل المطر خفيفاً ، رزاز متفرق ، ومن ثم ازداد شيئاً فشيئاً ، ليراقص في سفور شجرة الدوم التي احتمتْ تحتها الدجاجات والماعز… بسرعة نهضت الفتاة الصغيرة وحملت أخاها إلى داخل الغرفة ، وساعدت أمها مستورة في لمّ الفرش والملابس من حبال الغسيل.. وتدافعتا إلى الأوضة. كانتا سعيدتين بطريقة ما لقدوم المطر ، وكانت مستورة ، بالذات ، تبدو حكيمة وطبيعية جداً ، وهذا أبهج العوض .. فنهض يجر ساقه معهما. ويجرى.

بيت العوض عبارة عن سور طين يحوي بداخله غرفة متوسطة وشجرة دوم وحظيرة مفصولة للحمار.. وعندما كان الزمن بخيره ظل المنزل -على الدوام- يعج بالضحكات. مازال العوض يرى زوجه المتوفاة تحرث أرجاء الفناء ، ويتخيل ولده الذي استشهد في الحرب يشاركه حمل الظروف… مستورة حررت عنان ضحكة بلا سبب معين ، وشرعت تكلم أرواح الأطياف الخفية..

هدأ المطر حين خرج العوض يطمئن على حماره ، خطا فوق الطين اللزج بمشيته المضحكة التي تشبه رقص الحمام ، سار على وقع الرعد دون أن يقع ، وبمهارة وجد أن كل شيء على ما يرام ، جلس قرب شجرة الدوم متأملاً الحياة بمعناها الكُلّي ، وأشكل عليه الفهم حين هبت نسمة هواء هزت جريد الدومة وبللته بالماء ، وفجأة قارن بينه وبين الدجاجة المنقطة التي تأكل بيضها وتفسده ؛ واتضح له بأنه يماثلها إلى حد بعيد ، فهو أيضاً مجرد شيء منتوف يبيض ويُهلِك نتاجه. هذى ، أطلق تنهيدة أرجعت الألم والخدر ، أخذ معولاً يدوياً وبدأ يُصرّف المياه ويُعدّل مجرى الجدول ..

لكن المطر عاود الهطول ، وهذه المرة بشدة لا طاقة للعوض بها ، كأن ثقباً ضخماً عُمِل في السماء ليسكب من خلاله عربجي مجهول براميل السقيا ، كانت القطرات كبيرة ككرات الحجارة ، وحاصرت العوض تحت نخلة الدوم بلا حيلة ، جلدته كطلقات رصاص من كل صوب.. وجعلت الخوف والإحساس بالعزلة يتناميان في دواخله.. لم يكن بمقدوره رؤية شيء ، وعندما هتف باسم مستورة ، بأعلى ما لديه صوت ، ضاع الصياح وسط الهدير.. كان مغمورا كلياً بالماء ، وفقد الشعور والحركة بالجزء الأسفل من ساقيه ، وأيقن تماماً بأنه يُعاقب على ذنوبه الصغيرة ؛ وتحديداً غش سعر الماء.. ووهنت نفسه أكثر وقت أن سمع مدافع الرعد والصواعق ، وتبين له أن العقاب من جنس العمل ، وراح يسوق لضميره أعذاراً يرضيه بها ، ومضى يتمترس داخل خنادق الفقر وحجج إطعام الأولاد ، ورويداً رويداً استجمع قواه الخائرة ، وركض رغم المطر المنهمر ، كأسير هارب ، للأوضة بجنون وحماس…

ما إن احتمى العوض داخل الغرفة حتى لمعت عيناه بالانتصار ، وشعت منهما حَميّة جعلته يظهر كجنرال حرب ، فكر في أنه كسب المعركة ، وواتته لأجل ذلك قوة وإقدام ، وراوده وعيٌّ كامل بساقه اليسرى فضرب بها الأرض تحية عسكرية ، وفرح.. وكانت مستورة تحتضن طفليها الصغيرين في حنان ، وبدا أن كل الأمور ستنتهي على أفضل حال… لكن المطر في الخارج استمر في الهطول ، وهبت معه ، بشكل غير معهود ، عاصفة ورياح عاتيّة ، وما هي إلا لحظات حتى بانت عيوب سقف الغرفة ، كان الماء يتسرب تماماً كمصفاة ، وفشلت محاولات مستورة وابنتها في وضع الطست والجرادل مكان الثقوب. فأصاب الإحباطُ العوضَ ، وتمنى لو أن المطر تأخر أسبوعا إضافياً كي يتسنى عجن روث الحمار لتقوية عرش الحصير ، وردم ساحة البيت.. وأقر بالهزيمة في معركة لم يكن مستعداً لها.. وأعيته الحمى التي مصدرها القيح والصديد بأسفل رجله اليسرى ، وتكالب عليه وخز حاد في منتصف البطن وتقيأ ، ولم يدرِ طريقة لمقاومة خصم غير مكافئ سوى الصلاة ، وشرع في التهجد للرب ﻷن يحفظ عائلته ويوقف الأمطار.. وبالفعل توقفت لكن لدقائق معدودة ، وبعدها انسكبت من جديد…

كان المطر يهطل بغزارة من اتجاه الشرق ، فتأمله العوض على أنه عدو متسلط وغدار ، وشحذ لأجل هزيمته صوراً لأشخاص يثق بهم وينصرونه ، لكنه في الأخير قرر التصالح مع الطبيعة ، ووجد نفسه يفسر السحاب كصيب مقدس ، والرعد والهدير كتسبيحات ميمونة تركع على خشوعها نخلة الدوم… ومع أن المطر استمر في النزول متدفقاً عظيم القطر ، وسال معه السقف وتضرر.. إلا أن النشوة كانت حاضرة وتلبست كل من كان في الغرفة ، وتقافزت الضحكات الطروبة من مستورة وهي ترضع طفلها الصغير ، وحكت بحبور قصة طلاقها المعادة ، وكيف أن زوجها رماها هي والأولاد لدى أبيها العربجي ، ليتزوج جارتها الشابة.. ولم تتضجر من النصيب ، وآثرت على غير المألوف السكوت عن النحيب..

عند صلاة الصبح كان مستوى الماء قد ارتفع أعلى ممّا تستطيع الجدران تحمله ، فهوت تذوب كقطع الكعك والبسكوت… كان يمكن للعوض سماع سقوط المنازل المجاورة وصرخات النساء والاستغاثة ، وقدر على الفور أن البقاء تحت المطر بات أكثر أمناً من الاحتماء بسقف خرب ، وهذا بالضبط ما حدث ، فما إن أخلوا الغرفة المحاصرة بالماء حتى انهارت بالكامل ، ولو أنهم ترددوا ثانية لكانوا الآن في عداد الموتى. جلسوا تحت شجرة الدوم ، ودسّوا الأولاد الصغار بقطعة مشمع… كان الجيران يسألون إن تأذى أحد ما عارضين المساعدة ، يتفقدون بعضهم ، وكان العوض يجيبهم دون اهتمام لمعرفة مصدر الصوت : لا.

جلست الأسرة تحت المطر ، ساكنة ، يتبادلون كلمات متقاطعة وأصوات همهمة ، وراح العوض يقِرُّ بأنه حتى لو أعدّ عدته واستعدّ للخريف ، وزبّل السقف والجدران بروث الحيوانات ، واستخدم الرقيطة والزفت ، لانتهى الأمر لما انتهى عليه ، وانشرحت أساريره لأنه لم يضيع جهده في عبث لا جدوى منه… كانت قطرات الماء الباردة تلسع جلده الخشن وتتدحرج كبلورات تحت نور الصباح.. وعندما وقعت عينه على مستورة وجد أنها أصيبت بالزكام ، وأن خرقة القماشة المبلولة التي تلتحفها التصقت بها مبيّنة نحولها الشديد… هل طردها زوجها لهذا أم لأنها بنت عربجي أعرج لا يحسن الدفاع عن أهله ؟! وتملّكته خيبة مشوبة بعاطفة المحبة الأبوية ، ووجد نفسه يقول بأن عريساً ما ، ميسور الحال ، لا يعترض البتة على أمر الأولاد ، قد طلب يدها بالأمس.. وتقمص دورها مواصلاً قص الأكاذيب والافتراءات.. لكن مستورة كانت معزولة في العالم الموازي حيث الأطياف أكثر صدقاً ، ولم تتنبه سوى لفقاقيع المطر المرسومة على الماء ، ولبكاء رضيعها التعيس فهدهدته..

انتصف النهار ، وسكنت معه الرياح الهوجاء التي دمرت كل شيء ، في حين ظلت السماء تمطر بشكل خفيف ومتباعد.. لكنها لم تتوقف. كان العوض قد حرر قيد حماره وتركه مع الحيوانات الطليقة حول الشجرة ، وتذكر مغتاظاً أنه لولا المطر لكان الآن يجرُّ الكارو لمد البيوت بالماء. وبالتدريج استوعب عقله حجم الكارثة التي ألمت بهم ، أين سينام الصغار ، وماذا سيأكلون ؟! وبدأت تسوقه الأسئلة إلى حقيقة مفادها أن النكبة متأصلة وقديمة ؛ منذ أن لم يعثر على قرش ليعالج به زوجته.. وبدا أن ما تلى تلك الواقعة هو مجرد رتوش للوحة الختام ؛ حضور المسؤولون وهم يحملون جوال سكر بدل ولده ، طلاق ابنته ومرضها ، داء السكري ، والآن المنزل…!

: (يا ناس الحلة عوووووك ، يا أهل الفريق أوروروك … السيـل ، السيـل)

حينما سمع العوض صوت التحذير لم يُبارح مكانه ، بل قهقه وهو يرى الناس تحاول الهرب نحو التل المجاور ، وتساءل ، لِمَا ينجو وقد خسر كل شيء مسبقاً ؟! وحزّ في صدره أن حماره اقترب منه بدل أن يفِرّ ، رافضاً الاستجابة لمحاولات طردة. كان منسوب الماء يتضاعف باطراد ، وغمر العوض حتى منتصف الجسم.. ارتعبت مستورة من الوضع بغريزة الأم ، حملت طفليها دون أن تعرف ماذا تفعل ، وعقلها الغائب جعلها تثق بأبيها المهزوم. لكنه لم يأمرها بشيء ، الهزيمة أجهزت على المقاتل الجريح وقتلت حماسته.. كان يكفيه أن يقول اركضي للتل ، فتركض.. لكن ما الطائل ؟! ودخل في صراع متشعب ، كيف يعولهم والأطباء سيبترون ساقيه اللتين تورمتا بالصديد ، ومن سيعتني بالأطفال وأمهم مجنونة لا تعقل… وتأمل حفيدته الصغيرة والدموع تُرقرِق عينيها : لا لا ، لا تخافي يا حلوة ، سيكون موتاً رحيماً.. وشاهد الأطياف الخفية تناديه باسمها ، وانتشى.. لكن الصدمة كانت عندما نظر العوض إلى صفحة الماء العكرة ، الصفراء ، ورأى انعكاس وجهه المملوء بالأخديد والتعرجات ، وذقنه البيضاء غير المشذبة ، وعينيه الجاحظتين ، وتكسرت تلك الصورة الهشة التي يخزنها عنه في عقله الباطن.. كأنه كبر بين ليلة وضحاها ، واستنتج أنه لم يهزم قط في كل المعارك التي خاضها ، فلطالما ظل يكسب الجولة تلو الجولة ، ويكبر عمره يوما بعد الآخر .. وفهم أن الانتصار بمعناه الخالص هو أن تعيش لا أن تموت.

وفوراً انتفض العوض كشاب في ريعان القوة يحارب عدوه الجديد ، يتلاحم ضدة بلا خوف.. وبجسارة المدافعين خطف الطفلين بين ساعديه وأشار لمستورة أن اصعدي للمرتفع.. كان يسبح ويقفز في مياه السيل الجارفة ، التي تجرّه قصراً للتقهقر ، فيقاتلها في آن واحد مع عرجته والخدر. وعندما ارتفع منسوب الماء واشتدّ تياره ، وسحب معه الماشية والحمار وحيَوَات أخرى ، وشاهد نفوق الدجاجة المنقطة التي انتفى وجه التماثل بينه وبينها.. تولدت عنده ثورة مضادة ، عارمة ، شبعت خلاياه وجعلته يتابع عزمه ، ووصل – كما كان يصل دائما – ﻷن يحيى.

من على التل ، جلست البنت الصغيرة بجانب جدها العوض ، محاطة بيعسوبات المطر و”النمتي” ، جائعة ومبللة ، تراقب المنازل المطمورة ، حيث شجرة الدوم تتهاوى ، وتسأل بفضول الأطفال ذاك ، عن اسم الشيء المقوس ، الذي يدهن السماء بألوان البقاء السبعة..!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

لا تعليقات

  1. جدو عبدالباسط

    عندما تشاركنا الأمطار الأحزان ..

    له أن يفرح بإنتفاضته المتأخره ؛ التي في تصويرك الرائع لها إنهمرت دموع صدقك أحرفا” . .

    وتفاعلت دواخلي إعجابا” وتعليقا” .

  2. جدو عبدالباسط

    عندما تشاركنا الأمطار الأحزان ..

    له أن يفرح بإنتفاضته المتأخره ؛ التي في تصويرك الرائع لها إنهمرت دموع صدقك أحرفا” . .

    وتفاعلت دواخلي إعجابا” وتعليقا” .

أضف تعليقاً