الرئيسية / العدد العاشر / مقدمة العدد العاشر

مقدمة العدد العاشر

غلاف العدد

تقول الحكاية : ” ﻟﻤﺎ ﻣﺎﺕ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍﻟﺮﻭﻡ ﻭﺍﺟﺘﻤﻌﺖ ﻣﻠﻮﻛﻬﺎ ﻓﻘﺎلوا : ﺍﻵﻥ ﻳﺸﺘﻐﻞ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﺒﻌﺾ ﻓﺘﻤﻜﻨﻨﺎ ﺍﻟﻐﺮﺓ ﻣﻨﻬﻢ ﻭﺍﻟﻮﺛﺒﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻋﻘﺪﻭﺍ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﺸﻮﺭﺍﺕ ﻭﺗﺮﺍﺟﻌﻮﺍ ﻓﻴﻪ ﺑﺎﻟﻤﻨﺎﻇﺮﺍﺕ ﻭﺃﺟﻤﻌﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻓﺮﺻﺔ ﺍﻟﺪﻫﺮ ، ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺟﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺮﺃﻱ ﻏﺎﺋﺒﺎ ﻋﻨﻬﻢ ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ : ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺰﻡ ﻋﺮﺽ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺧﺒﺮﻭﻩ ﺑﻤﺎ ﺃﺟﻤﻌﻮﺍ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﺎﻝ : ﻻ ﺃﺭﻯ ﺫﻟﻚ ﺻﻮﺍﺑﺎ ﻓﺴﺄﻟﻮﻩ ﻋﻦ ﻋﻠﺔ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺎﻝ : ﻓﻲ الغد ﺃﺧﺒﺮﻛﻢ 

ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺻﺒﺤﻮﺍ ﺃﺗﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ : ﻗﺪ ﻭﻋﺪﺗﻨﺎ ﺃﻥ ﺗﺨﺒﺮﻧﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺑﻤﺎ ﻋﻮﻟﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ ، ﻓﻘﺎﻝ : ﺳﻤﻌﺎ ﻭﻃﺎﻋﺔ ﻭﺃﻣﺮ ﺑﺈﺣﻀﺎﺭ ﻛﻠﺒﻴﻦ ﻋﻈﻴﻤﻴﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺃﻋﺪﻫﻤﺎ ﺛﻢ ﺣﺮﺽ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻭﺣﺮﺽ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻵﺧﺮ ﻓﺘﻮﺍﺛﺒﺎ ﻭﺗﻬﺎﺭﺷﺎ ﺣﺘﻰ ﺳﺎﻟﺖ ﺩﻣﺎﺅﻫﻤﺎ ﻓﻠﻤﺎ ﺑﻠﻐﺎ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺏ ﺑﻴﺖ ﻋﻨﺪﻩ وأرسل ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﻠﺒﻴﻦ ﺫﺋﺒﺎً ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺃﻋﺪﻩ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺑﺼﺮﺍﻩ ﺗﺮﻛﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺗﺄﻟﻔﺖ ﻗﻠﻮﺑﻬﻤﺎ ﻭﻭﺛﺒﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺋﺐ ﻓﻘﺘﻼﻩ ، ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺠﻤﻊ وﻘﺎﻝ : ﻣﺜﻠﻜﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﺋﺐ ﻣﻊ ﺍﻟﻜﻼﺏ ، ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﺍﻟﻬﺮﺝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﻟﻬﻢ ﻋﺪﻭ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻓﺈﺫﺍ ﻇﻬﺮ ﺗﺮﻛﻮﺍ ﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻭﺗﺄﻟﻔﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﻓﺎﺳﺘﺤﺴﻨﻮﺍ ﻗﻮﻟﻪ ﻭﺍﺳﺘﺼﻮﺑﻮﺍ ﺭﺃﻳﻪ ” أما في واقعنا التعيس نرى أن ما أدركته الكلاب بفطرتها السليمة ، جهِلهُ بعقولهم السقيمة بعض المسلمين والعرب وهم يبررون العدوان على غزة لأجل خلافات أيدلوجية وسياسية سخيفة ، بل ويمكنك أن تشُم في أحاديثهم رائحة شماتة وتشفي كريهة ، لذا أظن أن القضية الفلسطينية تمر بأخطر مرحلة من مراحلها ، وهي مرحلة فقدان التعاطف معها بسبب هذه الأبواق الناعقة بلحن الغرب النشاز ، والتي – بحمد الله – نستطيع أن نقول أنها فئة شاذة يُعنفُ عليها من قبل الحادبين على القضية بردود يستحقها كل من يتبنى هذه المواقف الخائنة .

لكن هل هذا وحده يكفي ؟

في بداية الستينات من القرن المنصرم قابلت ” آني هوفر ” الشقراء القادمة من الدنمارك غسان كنفاني في سوريا ثم طلبت منه ﺃﻥ ﻳﺴﺎﻋﺪﻫﺎ لمعرفة ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﺎ ﻳﺪﻭﺭ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﺨﻴﻤﺎﺕ ﺍﻟﻼﺟﺌﻴﻦ ، لأنها ﺟﺎﺀﺕ ﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ ، لكن غسان رفض بشدة قائلاً لها : ‏« ﺃﻭﻻً ﻭﻗﺒﻞ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﻼﺟﺌﻴﻦ ﻻﺑﺪ ﺃﻥ ﺗﻌﺮﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ ، اللاﺟﺌﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺨﻴﻤﺎﺕ ﻟﻴﺴﻮﺍ ﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻣﻌﺮﻭﺿﺔ ﻓﻲ ﺣﺪﻳﻘﺔ ﻟﻠﻔﺮﺟﺔ ﻓﻘﻂ ، ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﺛﻤﺮﺓ ﻭﺭﻣﺰ ﻟﻘﻀﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻓﻬﻢ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ ﺑﺪﻭﻥ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ‏ » ، والحقيقة أنه يخيل لي في بعض لحظات الإحباط الممسك بخناقنا ، أننا نشبه ” آني ” بطريقة ما ، من خلال تعاملنا مع الصور المؤلمة والمرسلة إلينا عبر الفضائيات والإنترنت عن الوضع المأساوي في غزة ، حيث نصاب بحالة من الغضب والتي نترجمها إلى بعض الشتائم واللعنات التي تتوزع على الجميع بالتساوي بمن فيهم نحن ، ثم يخمد قليلاً أوار الحزن السطحي المتناثرة زخاته على باحة القلب ، قبل أن تكنُس رماده تماماً نظرة واحدة لفتاة مغناج في أغنية أو لقطة رومانسية في مسلسل بمجرد أن نبدل القناة .

هل هذا كل شيء ؟ ، هل وفينا القضية حقها ؟ ، لا شك عندي أننا بحاجة الآن لمثل غسان كي يهزنا بعنف ويقول : ” نحن لسنا حيوانات معروضة في حديقة تتسول عطفكم أيها الأغبياء ، اذهبوا لتقرءوا عن هذه القضية ، وتدركوا لماذا هي قضيتنا جميعاً ، متى حدثت وكيف حدثت ولماذا ، من قاتل لأجلها حتى الموت ومن هرب بعد الطلقة الأولى ، من يدفع ثمن دفاعه عنها حتى اليوم ومن يقبض الثمن على حساب الأرض والدم ، من حليفنا ومن حليف عدونا ؟ ، أما ما سوى ذلك فهو الزبد الذي يذهب جفاءً “

لذا قمنا في ” جيل جديد ” بتخصيص جزء كبير من مواضيع هذا العدد للتعرف على القضية الفلسطينية عبر ملف متكامل قامت بإعداده ( أماني الياسمين ) ، وظني أننا بهذه الطريقة فقط نكون قد قمنا بأضعف الإيمان تجاه ما حدث ويحدث وسيحدث في فلسطين حتى تهتدي حوافر خيلنا يوماً إليها فنصلي في مسجدها الأقصى أو نهلك دون ذلك ، أما نشر الصور على حساباتنا الإلكترونية – فقط – بإيقونات دامعة وقلوب مشققة ابتغاء تعليق أو إعجاب عابر ، فإنه فعل يجعل مِنّا مجرد ” آني ” آخري مع فارق بسيط هو أن الأخيرة سمعت النصيحة وقرأت عن القضية الفلسطينية ثم تزوجتها فيما بعد وأصبحت السيدة آنا كنفاني زوجة الشهيد غسان كنفاني .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً