الرئيسية / العدد العاشر / نكبة فلسطين عام 1948

نكبة فلسطين عام 1948

1015

من كتاب: القدس والتحدي الحضاري

للمؤلف: مصطفى الطحان

انسحبت بريطانيا من فلسطين في 15 مايو 1948م، وفور ذلك أعلن اليهود قيام دولتهم إسرائيل. واعترفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بهذا الكيان وبدأت الدول الأخرى تتسابق للاعتراف.

بالنسبة للدول العربية فقد توالت اجتماعات زعمائهم منذ صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947م.. وقر أخيرا رأيهم على ضرورة تدخل الجيوش العربية.. والقضاء على اليهود.. وإعادة فلسطين إلى الحظيرة العربية. أقر زعماء العرب ذلك بالرغم من جميع النداءات التي وجهها لهم أهل فلسطين الذين كانت تمثلهم الهيئة العربية العليا والتي كانت تطالب بتدريب الفلسطينيين وتسليحهم وإمدادهم بالمال والعتاد.. وهم يتكفلون باليهود..

كان الاتفاق بين حكومات دول الجامعة العربية ورؤساء جيوشها، أن يبدأ الزحف مساء الخامس عشر من مايو 1948م، فتلتقي الجيوش السورية واللبنانية والعراقية والأردنية جميعها لدى العفولة في وسط فلسطين، ثم تواصل زحفها مجتمعة لتقسيم تجمعات اليهود، وتصل إلى الساحل الفلسطيني. وأن يزحف الجيش المصري نحو عسقلان والمجدل ثم يتقدم للإلتقاء بالجيوش الزاحفة الأخرى، على حين يتقدم قسم من الجيش الأردني نحو رام الله والقدس.

وأكثر الدول العربية التي اتخذ قادتها قرار الحرب كانت خاضعة لبريطانيا بصورة أو بأخرى.. أما الأردن الذي تولى ملكه عبد الله بن الحسين قيادة الجيوش العربية، كان على رأس جيشه الجنرال كلوب وأكثر ضباط قيادته كانوا من البريطانيين.. كما أن جميع القواعد العسكرية في الأردن كانت بيد بريطانيا. أما الحكومات التي تولت السلطة في هذه الظروف فكانت منسجمة غاية الانسجام مع المخطط البريطاني الذي يعمل على تقسيم فلسطين.

رئيس وزراء الأردن في هذه لمرحلة كان توفيق أبو الهدى.. شارك في جميع الاجتماعات التي اتخذت قرار الحرب في أكتوبر وديسمبر 1947م. ومع ذلك فقد كان على اتصال مباشر مع وزير خارجية بريطانيا أرنست بيفن، يرتب معه شؤون ومستقبل فلسطين. جاء في كتاب (جندي مع العرب) الذي كتبه جلوب عن هذه المحادثات فقال:

(أجرى توفيق باشا أبو الهدى محادثة سرية مع وزير الخارجية البريطانية السير أرنست بيفن في فبراير 1948م، ولم يكن توفيق باشا يحسن الإنكليزية  فرافقته كمترجم، ولقد ذكر توفيق باشا أن الانتداب البريطاني على فلسطين سينتهي قريبا، وأن اليهود أعدوا العدة لتأليف حكومة تشرف عليهم عقب انتهاء الانتداب، ولكن العرب لم يهيئوا شيئا من هذا، فاليهود لهم شرطتهم ومجلسهم النيابي، وقد أعدوا نواة لجيشهم من جماعات الهاجانا، بينما العرب في فلسطين لا يملكون السلاح، وليس لديهم الوسائل الكفيلة بإقامة جيش يحميهم، وأن النتائج حول نهاية هذا الموضوع ما زالت غامضة ولابد من أن يقع أحد أمرين اثنين:

1-  إما أن اليهود سوف لا يعتبرون قرارات الأمم المتحدة، فيحتلون فلسطين كلها حتى حدود نهر الأردن بالقوة.

2-  وإما ان مفتي فلسطين سيعلن نفسه حاكما عاما على البلاد، ونتائج هذين الأمرين ليست من صالح الأردن، ولا في مصلحة بريطانيا، وكثيرا ما نتلقى في الأردن عرائض من الفلسطينيين تطالب بتدخل جيشنا لحمايتهم، وليس لدينا مانع من تنفيذ ذلك بعد انسحاب البريطانيين. وكان المشروع أو الاقتراح الذي حمله توفيق أبو الهدى يتلخص في أن يدخل الجيش الأردني فلسطين غداة انتهاء الانتداب تحت ستار حماية فلسطين كلها ومحاربة اليهود، ويحتل القسم العربي ويضمه إلى شرق الأردن دون أن يشتبك مع اليهود إطلاقا، وتعهد أبو الهدى بثلاث أمور: ألا يحتل الجيش الأردني غزة والجليل، وألا يعتدي الجيش المذكور على اليهود بأي شكل، وألا يحتل شبرا واحدا من القسم الذي صدر قرار الأمم المتحدة بإعطائه لليهود).

ويقول جلوب بعد أن أنهى هذه الفقرات من حديث رئيس وزراء الأردن إني لأذكر حتى اليوم، المستر بيفن وهو جالس في مكتبه بعد أن أنهيت ترجمة الحديث، يرد على رئيس الأردن قائلا:

( إن هذا هو الحل الوحيد المعقول، ولكن يجب ألا تذهبوا إلى أبعد من ذلك وتحتلوا المنطقة اليهودية فأجاب الرئيس أبو الهدى: أن الأردن حسب معاهدته مع بريطانيا لن يتخذ أي خطوة إيجابية إلا بعد مشاورة الحكومة البريطانية فشكر بيفن أبا الهدى لوضوح موقف الأردن، وأعلن موافقته على مشروع حكومته).

إلغاء المنظمات العسكرية الفلسطينية:

أول القرارات التي اتخذها الملك عبد الله قائد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين أن أعلن حل جيش الإنقاذ وإلغاء منظمة الجهاد المقدس وجميع القوى والعصابات التابعة لها، وأعلن أن نشاطات الهيئة العربية العليا لم تعد تمثل عرب فلسطين، وأن ممثليها لا يحق لهم التكلم باسم الشعب! ووضعت خطة لإبعاد الفلسطينيين عن ميدان الجهاد والسياسة وعن كل ما يتعلق ببلادهم ومستقبلهم وحياتهم.

استطاع العرب بعد بضعة عشر يوما من القتال ورغم كل الظروف غير المواتية أن يسجلوا نتائج جيدة على مختلف الجهات:

1-  على الجبهة المصرية: سيطرت الكتائب على غزة وبئر السبع وبعض المستعمرات اليهودية في النقب، واتجهت في خطين واحد في اتجاه الجليل والآخر في اتجاه يافا. كما ساهمت القوات المصرية تدعمها قوات المتطوعين من الإخوان المسلمين في حصار القدس الجديدة.

2- على الجبهة العراقية: استرد الجيش العراقي مدينة جنين الهامة، كما احتلت كتائبه مستعمرة الجسر على اليرموك وسارت باتجاهين الأول باتجاه نابلس فطولكرم فقلقيليه، والثاني في اتجاه مرج ابن عامر ومستعمرة العفولة.

3-  على الجبهة السورية: سيطرت الكتائب السورية على سمخ وبدأت زحفها عبر اليرموك من جسر بنات يعقوب باتجاه طبريا.

4-  على الجبهة اللبنانية: احتلت الناقورة وقرية المالكية، وأخذت تهيمن على معابر الجليل الغربي.

5-  الكتائب الأردنية: احتلت أريحا والقدس، وأصبحت القدس الجديدة تحت سيطرة مدافعها. كما سيطرت على طريق القدس الرملة، وعسكرت إحدى هذه الكتائب حول اللد والرملة.

وقبيل نهاية شهر مايو 1948م كان الموقف العربي في أوجه، فالطائرات العربية تغير بشدة على المستعمرات، والفلسطينيون يبلون بلاء عظيما على كل الجبهات، والجيوش العربية تكاد تحدق بتل أبيب.

ولقد عبر قائد الجيوش العربية جلوب باشا عن هذا الموقف فقال: لو سمح العرب لقواتهم كلها بالعمل في 15 مايو وزحفوا زحفا جيدا لنجحوا على الأرجح في اجتياح الدولة اليهودية الجديدة.

نكبة فلسطين 9

الهدنة الأولى:

أمام هذه الانتصارات الرائعة التي سجلتها الكتائب العربية والفلسطينية بدأت بريطانيا وأمريكا تضغط على مجلس الأمن لإصدار قرار بوقف القتال للبحث عن وسائل سلمية لحل النزاع. وبالرغم من معارضة الشعوب العربية فقد قررت اللجنة السياسية بجامعة الدول العربية قبول قرار مجلس الأمن بوقف القتال. وعلى ذلك أعلنت الهدنة الأولى اعتبارا من 11 يونيو سنة 1948م لمدة أربعة أسابيع.

يقول مؤرخ عربي كان يتولى منصبا قياديا في حرب فلسطين يصف تلك الهدنة: ليس لي إلا أن أصفها بالجريمة الكبرى وهي أخف وصف يمكن أن توصف به موافقة الجامعة العربية على شروط الهدنة التي قدمها برنادوت بدون قيد أو شرط، فقد وافق أعضاء اللجنة السياسية على أكبر خطيئة في تاريخ الحروب بالشرق العربي ألا وهو السماح بفك الحصار عن مدينة القدس وإنقاذ مائة ألف يهودي كانوا على وشك التسليم. وأنني أعتبر جميع الدول العربية مسؤولة عن ذلك القرار الأسود الذي اتخذ في عمان..

فما الذي حققه العدو في هذه الأسابيع الأربعة؟

–  جلبوا كل أنواع الأسلحة والطائرات.

– استأجروا عددا كبيرا من الضباط والطيارين المحترفين.

– استولوا على ميناء حيفا.. الذي أخلاه البريطانيون، وبذلك انفتحت عليهم أبواب البحر ليستقبلوا المهاجرين والمسلحين والأسلحة عبر الميناء الكبير.

ولقد صور هذه الحالة المأساوية القنصل الأمريكي في القدس الذي قال: (إن قرار مجلس الأمن الذي فرض الهدنة الأولى هو وحده الذي خلص اليهود وحال دون سحقهم).

نكبة_فلسطين_25

كانت القدس الجديدة التي تضم مائة ألف يهودي محاصرة من جميع الجهات، يشترك في حصارها المجاهدون الفلسطينيون، وقوات الإخوان المسلمين المصريين بقيادة القائد أحمد عبد العزيز والجيش الأردني وكانت على وشك السقوط لولا لعبة مجلس الأمن وفرض الهدنة.

أما العرب فقد فرض عليهم حصار محكم فلم يصلهم أي نوع من الأسلحة من أية جهة كانت.

أما هيئة الأمم، فقد انتدبت الكونت فولك برنادوت ليقوم بدور الوساطة لحل القضية الفلسطينية، فوضع في 27 يونيو 1948م مقترحات للتسوية السلمية أبرز ما جاء فيها:

1-  أن يقوم اتحاد عربي- يهودي، بين الأجزاء المخصصة للعرب في فلسطين (بعد ضمها إلى شرق الأردن) وبين الأجزاء المخصصة لليهود.

2-  أن يكون كل منهما مستقلا في شؤونه الإدارية والداخلية وسياسته الخارجية.

3-  أن يضم النقب إلى الجزء العربي (وقد كان بموجب قرار التقسيم مخصصا لليهود).

4-  أن تضم القدس إلى الجزء العربي (وقد كانت بموجب قرار التقسيم دولية).

5-  أن يكون لليهود في القدس بلدية مستقلة استقلالا ذاتيا.

6-  أن يضم الجليل الغربي أو بعضه إلى القسم اليهودي (وقد كان بموجب قرار التقسيم من الجزء العربي).

7-  أن تعتبر ميناء حيفا وأماكن تكرير البترول القريبة منها وكذلك مطار اللد، مناطق حرة.

8-  الاعتراف بحقوق من غادر البلاد من عرب فلسطين، في العودة إلى ديارهم دون قيد أو شرط، مع استعادة ممتلكاتهم.

استئناف القتال:

ورفض اليهود مقترحات برنادوت لأنها تنص على ضم النقب والقدس للعرب.. أما العرب فقد رفضوها لأنها تقوم أساسا على فكرة التقسيم.. الأمر الذي دفعهم لاستئناف القتال في 9 يوليو 1948م.

فماذا وجدت الجيوش العربية؟

وجدت تبدل الأحوال.. فأوضاع اليهود تحسنت في كل القطاعات، السلاح توفر بكل الأنواع، المتطوعون  المدربون يستقدمون بأسلحتهم عبر 75 مركزا للتدريب أقيم في أنحاء أوروبا، طائراتهم بدأت تغير على العواصم العربية كالقاهرة ودمشق وعمان.. زاد على كل ذلك:

-الأوامر التي صدرت للقوات العراقية للانسحاب من رأس العين وبعض مناطق مرج ابن عامر.

–   وللقوات الأردنية للانسحاب من اللد والرملة بناء على أمر مفاجئ من جلوب باشا.

–   وقوات جيش الإنقاذ للانسحاب من أنحاء الجليل الغربي. وبعبارة أخرى فقد وجدت هذه الجيوش النتائج التي كان بعض مسؤولي العرب قد طبخوها مع قادة بريطانيا وأمريكا.

الهدنة الثانية:

وعلى الرغم من كل السلاح الذي تدفق على اليهود، ومن جميع المواقف المتخاذلة للحكام العرب الذين أمروا جيوشهم بالانسحاب من بعض مواقعهم.. بالرغم من كل ذلك فمازال اليهود بحاجة إلى هدنة أخرى يحسنون فيها مواقعهم. وكان ذلك فقد قرر مجلس الأمن الدولي في 15 يوليو 1948م وقف إطلاق النار في فلسطين وإيجاد حل سلمي لمشكلتها. وافق اليهود على القرار.. كمرحلة لتثبيت مكاسبهم. وكذلك وافق حكام الدول العربية على القرار فقد كانت  أوضاعهم متردية.

مقتل برنادوت:

وفي أعقاب هذه الهدنة قتل اليهود  برنادوت الوسيط الدولي في القدس في 17 سبتمبر 1948م واعترفت عصابة شتيرن (بقيادة شامير) باغتياله.

مباحثات رودس والهدنة الدائمة

–  أصدر مجلس الأمن بتاريخ 16 نوفمبر 1948م قرارا يطالب الفريقين أن يتفاوضا لإقرار الهدنة.

وافق العرب على القرار، وعقدت مباحثات بين إسرائيل وبين الدول العربية كل على انفراد بإشراف الدكتور رالف بانش ممثل الأمم المتحدة.. كانت محصلتها عقد هدنة سميت (بالهدنة الدائمة).

–   في 24 فبراير 1949م وقعت الهدنة بين مصر وإسرائيل وقد جرت المباحثات في رودس[8].

–   في 23 مارس 1949م  وقعت مع لبنان وقد جرت في رأس الناقورة الحدوية.

–    في 4 أبريل 1949م وقعت مع الأردن وقد جرت في جزيرة رودس.

وأثناء المفاوضات قام اليهود باحتلال الشقة الساحلية من النقب على خليج العقبة. وقد أحدثوا هذا الأمر الواقع لتكون حدودهم في اتفاقية الهدنة شاملة جميع النقب بما فيها ميناء أم الرشراش (إيلات).

– أما سوريا وهي الدولة الوحيدة التي رفضت التوقيع على اتفاقات الهدنة.. فقام فيها انقلاب عسكري بقيادة حسني الزعيم في مارس 1949م كان من أوائل أعماله التوقيع على اتفاقية رودس والتخلي عن الأرض المنزوعة السلاح في منطقة طبريا.

وبذلك اكتملت حلقات المؤامرة واعترفت معظم الدول بإسرائيل وقبلت عضوا في الأمم المتحدة.

قرار العودة  أو التعويض رقم 194

دعت لجنة التوفيق الدولية التي تشكلت استنادا إلى توصية صدرت عن الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة في 11 ديسمبر 1948م، إلى إعادة النازحين الفلسطينيين الراغبين في العودة والتعويض على من لا يرغب منهم بالعودة.

عقدت اللجنة اجتماعها الأول في جنيف ما بين السابع عشر من يناير وحتى 27 أبريل 1949م. واجتماعها الثاني في لوزان واستمر من أبريل وحتى يوليو 1949م.

ومن يطلع على الرسائل (الاثني عشرة) التي بعث بها (الياهوساسون) رئيس الوفد الإسرائيلي إلى وزير خارجية إسرائيل (موشيه شاريت).. يصف له فيها صلاته بالوفود العربية ومباحثاته معهم، وكيف يتحدثون معه بالسر بطرق مغايرة لحديثهم بالعلن..  وكيف أن رجالهم الذين يسعون على حماية مصالح الدولة اليهودية مبثوثون في كل الدول العربية[9].. ومن يطلع على هذه الرسائل يدرك المستوى المنحدر الذي وصلت إليه القيادات التي كانت تدير القضية الفلسطينية وتشرف عليها.

كانــت (الخيــانـــة) المسمـــــــــــار الأخيـــــــر الذي دُقّ فـــــــي نعــــــش القـــــــدس وفلسطيــــــــــــــــــن.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً