الرئيسية / العدد العاشر / هل الذين تركونا بإرادتهم نستطيع استعادتهم مرة أخرى ؟

هل الذين تركونا بإرادتهم نستطيع استعادتهم مرة أخرى ؟

حسين

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

إنها الساعة السادسة صباحا ..

استيقظت في انشراح

واتجهت نحو النافذة ..

أزاحت الستائر بحركة مرحة ..

اغتسلت بالضوء ..

احتست فنجانا من بلورات المطر ..

وأخذت نفسا عميقا من معصم الصباح المعطر ..

وهي في غمرة انفعالها واندماجها بالطبيعة ..

تذكرت موعدها اليومي للتسوق وإحضار الخضر والخبز ومستلزمات المنزل ..

خبطت على جبينها بيدها مؤنبة نفسها ..

ثم هرعت مسرعة إلى الخارج ملتحفة حجابها ووقارها الجميل وحاملة سلتها

الكبيرة ..

خرجت من بيتها تاركة صغارها نائمين تحت مظلة الأحلام تحرسهم عين الله التي لا تنام ..

سلمت على جاراتها واحدة تلو الأخرى ممازحة كل واحدة بأحب أسمائها إلى نفسها ..

وداعبت أطفالهن بيدها

الحانية المتجعدة ..

اجتازت مدخل السوق إلى حيث يقف بائع الخضار ( عم حسن )

لتبتاع منه ما يسد رمقها ورمق صغارها ..

لطالما تجادلت معه كثيرا في الثمن ..

ولطالما انتهى الجدال بأن تقول له :

ـ لن أشتري منك مجددا !!

وأن يقول لها :

ـ لن أبيعك مجددا !!

لتنصرف ولمحة عتاب طفولي ترتسم في محياها النبيل ..

قصدت محل الحلوى فابنها (طارق) يحب الكعك كثيرا ..

و(زياد) يحب الكيك كثيرا ..

و(فادي) يحب الكراوسان كثيرا ..

ابتاعتها في جذل فهي تريد مفاجأتهم بها عندما يستيقظون ..

ثم توقفت في طريقها لتضع نقودا في صندوق للمحتاجين

والمساكين ..

واستأنفت سيرها برشاقة حتى لتكاد تقفز وقلبها ينبض بالفرح والجمال ..

فهي ملكة وهذا عرشها المذهب وعالمها الخاص ..

لم يكن ينغص عليها شيء سوى صفير عربة تعبئة الغاز

وبوقها المزعج الذي يجرح هدوء حيها واطمئنانه ويوقظ أطفالها بفزع ..

دلفت إلى منزلها وكلها لهفة وشوق وحنين ..

رغم أنها لم تغب سوى ربع ساعة ..

أيقظت فلذات أكبادها للذهاب إلى المدرسة ..

لثمتهم واحدا واحدا ..

ألبست هذا جواربه ..

وهذا قميصه ..

وأعدت للآخر سندويش إفطاره ..

و ….

” دول عيال كلب “

صاحت بها أم فتحية بتلك العبارة ..

الآن تعود رويدا رويدا من خيالها الفتان الواسع إلى واقعها

الضيق المرير ..

الآن تدرك أنها ترقد في سرير ضيق في عنبر يشبه عنابر

المرضى ..

” بعض المعارف خطرة ” همست لنفسها بخفوت قبل أن تصيح متألمة :

ـ ألم أخبركم ألا توقظونني !!

بقلق اقتربت منها فتاة بزي أبيض تحمل بيدها حقنة صغيرة ..

تجاهلت أم فتحية عبارتها وكررت :

ـ ” دول عيال كلب يا ستي “

رنت إليها مستفهمة فكررت :

ـ ” عيال الزمن دة عيال كلب “

قالت في سرها ” كلاب ” ؟

عن ماذا تتحدث صديقتها الوحيدة ؟

وما علاقة الكلاب بالعيال والأبناء ؟

وبأحلامها الذهبية الشاهقة ؟

فجأة جذبتها أم فتحية على حين غرة واحتضنتها هامسة في أذنها :

ـ نحن الذين لم يحسن إليهم يا عزيزتي

فيالسوء حظنا !!

الآن بدأت تشعر بقشعريرة باردة تغزو مفاصلها حقا ..

ما هذا المكان ؟

وما هذا الكلام الغريب الذي تقوله أم فتحية ؟

لم يبدو الكل حنونا وشفوقا بشكل مخيف هكذا ؟

ثم سألت :

ـ لماذا نحن في المشفى يا أم فتحية ؟

أشاحت أم فتحية بوجهها لتخفي دموعا كافحت طويلا لكبح جماحها دون فائدة فأطلقت لها العنان أخيرا ..

فجأة تذكرت الحلم وكل شيء ..

فاقتحمها زلزال عنيف بعثر كيانها رأسا على عقب ..  

تأوهت بألم وعصف خريف الألم بروحها فتساقطت أوراق قلبها

ورقة ورقة ..

غاصت برأسها في ذهول بين ركبتيها ..

أبناؤها الثلاثة الذين طرزتهم يد الغمام الماطر ..

كبروا وكبرت معهم أحلامها العذاب ..

كيف نسوها بهذه السرعة ..

هي التي مانسيتهم يوما ..

وأخذت تنشج في حسرة ..

وتذكرت كيف كانت تفاجئ كلا منهم ب”حلواه” المفضلة

قبل إيقاظهم وكيف فاجؤوها بغياب سخي لا مشروووط !!

سألت فتحية بصوت مبحوح لا حياة فيه :

ـ هل الذين تركونا بإرادتهم نستطيع استعادتهم مرة أخرى ؟

وبلغ الغبار عنانه في حلقها ..

لم تجبها أم فتحية بعد أن مزقها النشيج أيما ممزق ..

فأردفت بخفوت مرة أخرى :

ـ هل الذين تركونا بإرادتهم نستطيع استعادتهم مرة أخرى ؟

أسلمت ذراعها إلى الممرضة وعيناها تغمض رويدا رويدا محتضنة الصقيع ..

مطالعة اللافتة التي تنتصب في خارج المبنى بكل وقاحة

والتي حملت عنوانا مخيفا ..

” دار المسنين تتشرف بخدماتكم ” !!

ثم ساد صمت قاتل وتوقفت الأرض عن الدوران ..

 

 

على الهـــــامــــــش :

 

 

ما أسهل أن تحلم ..

وما أصعب أن يموت حلم راهنت على خلوده بملء شرايينك !

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً