الرئيسية / العدد الثالث عشر / أدب المقالات … بين جورج أورويل وغسان كنفاني ..

أدب المقالات … بين جورج أورويل وغسان كنفاني ..

p17_20120712_pic1

George Orwellمأمون الجاك :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إصغط هنا 

**

مقالات الروائيين وكُتاب القصة تعطي صورة أكثر شمولا ووضوحا عنهم ، وتبين جوانب أخرى فيهم سواء كانت فكرية ، أخلاقية ، مواقفهم وتفاعلهم مع الأحداث التي عاصروها ، آراؤهم النقدية وهواجسهم ودوافعهم للكتابة ، وفي بعض الأحيان قد تقدم تفسيرات أو امتداد لأعمالهم السردية – في مقالة جورج اورويل ” صيد فيل ” يكون  ضابط الشرطة البريطاني في بورما مدركا للفظاعات التي ترتكبها الإمبراطورية لكنه إدراك عقيم وعاجز عن التغيير أما لتغييب الوعي أو بسبب الضعف كادراك ونستون سميث في رواية ” ١٩٨٤ ” من خلال عمله في وزارة الحقيقة [ التي تعمل على تزييف الحقائق ، تزوير التاريخ ومحو ذاكرة الشعب ] حيث يدرك طغيان واستبداد الحزب ولكن بلا جدوى..

كتب مثل ” فارس فارس ” لغسان كنفاني ، ” لماذا أكتب ؟ ” لجورج أورويل ، ” مختارات ” الطيب صالح ، و” قصص ضائعة ” لماركيز ، لا تقل أهمية عن الأعمال الروائية والقصصية لهؤلاء الكتاب .

الكاتبان المنتميان لذات الأسلوب : الواقعية – الاشتراكية أحيانا – ، الصدق والوضوح ، الدافع السياسي وراء الكتابة – القضية الفلسطينية بالنسبة لغسان بينما كان السعي وراء حرية الإنسان ومحاربة الامبريالية والاستعمار والطغيان يشكل هاجسا لأورويل … يقول جورج أورويل في مقالته ” لماذا أكتب ” : أكثر ما رغبت به هو أن أجعل من الكتابة السياسية فنا ، عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي : ” سوف أنتج عملا فنيا ” . أكتبه لأن هناك كذبة أريد فضحها ، حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها ، نقطة انطلاقي هي دائما شعور حزبي ، وعي بالظلم “

بالإضافة لانضوائهما تحت راية اليسار والماركسية – أورويل كاشتراكي انجليزي معادي للشيوعية الستالينية ومتعاطفا مع تروتسكي ، وغسان كقيادي في جبهة التحرير الفلسطينية – التقيا في كونهما يكتبان لعامة الناس لا للطبقة المثقفة فقط ، فرغم أن جورج أورويل جاء في زمن الحداثة والتجديد وعاصر كافكا ومارسيل بروست لكنه لم ينجرف وراء التجريب وإنما كتب بوضوح شارلس ديكنز وهجائية هـ . ج . ولز .

أما غسان فكان من الجيل الثاني لرواد الرواية العربية مع الطيب صالح وحنا مينا ، يكتب ببساطة وصدق لأنه يريد أن تصل رسالته الى الجميع : المثقفين والنازحين ، خريجي الجامعات و أولئك الذين لم يتعلموا الا في مدرسة الحياة والمكتبة … هذا الأسلوب لا يعني رفضهما للأشكال التجديدية في السرد – احتفى أورويل في مقالة طويلة برواية هنري ميللر ” مدار السرطان ” –

كلاهما كتب المقالة كأنها قصة – غسان بانسيابية الحكي والتشويق والنهاية المبهرة والصادمة أحيانا ، أورويل كسيرة ذاتية كما في ” واقعة شنق ” ، ” صيد فيل ” و ” هكذا كانت المسرات ” –

اتجه غسان لنقد الروايات ودواوين الشعر للكتاب الجدد والمعاصرين له ، حيث فضح زيف وادعاء البعض ، وأشاد بالابداع الحقيقي … وكان رائيا حيث تنبأ بمستقبل عظيم لروائيين وشعراء كانوا في بداياتهم آنذاك وصدق توقعه بالفعل – كالروائي العراقي غائب طعمة فرمان والشاعر السوداني صلاح أحمد ابراهيم – ، كما كان عميقا وبعيد النظر يناقش القضايا والأفكار بهدوء وروية لا بانفعال وتعصب .

أما أورويل فاتجه الى الأدباء القدامى – مارك توين ، شكسبير ، سويفت ، تولستوي – و لكن بمنظور نقدي مختلف ورؤية سياسية – حيث أنه يؤمن بأن كل كتابة وراءها هدف أو رسالة سياسية ، مهما كان تلك الغاية ضئيلة وغامضة ، أو كان طابع الكتابة هزليا وساخرا أو حتى موجها للأطفال … بل أنه حتى ” الرأي القائل أن الفن ينبغي ألا يربطه شئ بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي ” –

كلاهما كان موسوعيا ، حيث تظهر مقالات غسان اطلاعه الواسع والثر في الأدب العربي والغربي القديم والمعاصر – شعرا ونثرا – بالاضافة الى قراءاته المتبحرة في الفلسفة والفكر ، وتذوقه الجمالي والفني للأدب .

السخرية اللاذعة – الهادفة والبناءة – كانت من أبرز سمات غسان وأورويل ، ففي الوقت الذي يتساءل كاتب ساخر في مقدمة أحد كتبه – بعد هزيمة حزيران ٦٧ – : هل هذا وقت مناسب لكتاب هزلي أو ما هي جدوى السخرية في مثل هذه الظروف ؟ – هذا التساؤل الذي يبدو أشبه بالاعتذار لأنه كان قد كتب وراجع ثم الكتاب وربما ضحك لوحده ، يرد عليه غسان بأن ” الأدب الساخر ليس تسلية ولا قتل للوقت ، ولكنه على درجة عالية من النقد ، والسخرية ليست تنكيتا ساذجا على مظاهر الأشياء ولكنها تشبه نوعا خاصا من التحليل العميق “

أورويل كان أكثر استفزازا للقراء ، فعندما كانت الحرب العالمية الثانية في ذروتها وكان الحلفاء في أسوء مواقفهم طوال الحرب ، كتب مقالات ساخرة ، استفزازية وربما بدت للوهلة الأولى لامبالية وانصرافية ومستهترة ، مقالات مثل ” أفكار حول العلجوم الشائع ” كانت تسبب حنقا عظيما لدى بعض القراء ، يرد عليهم أورويل :

” طالما أنك لست مريضا فعليا أو جائعا أو خائفا أو محبوسا في سجن أو مخيم عطلة ، الربيع لا يزال هو الربيع . القنابل النووية تتراكم في المصانع ، والشرطة يطوفون عبر المدن ، والأكاذيب تتدفق من مكبرات الصوت ، لكن الأرض ما تزال تدور حول الشمس ، ولا الدكتاتوريون والبيراقرطيون – مهما اعترضوا بعمق على العملية – قادرون على ايقافها ” .

دخلا في معارك عديدة – مع القراء أحيانا ومع المنتَقدين دائما – ، لم يكونا يفصلان بين شخصية الكاتب وما يكتبه ، جاهزين دوما لتحطيم هالة وقدسية أصنام الأدب – انتقد غسان نزار قباني في انتهازيته وانهزاميته في بعض أشعاره رغم اعترافه بأنه شاعر عظيم ، وهاجم أورويل أستاذه هربرت جورج ويلز في بعض آرائه وتوقعاته الخاطئة ورومانسيته الحالمة – قال ويلز أن هتلر ليس سوى مجنون وأن ألمانيا ليس في وسعها الدخول في حرب مرة أخرى ، بينما كان هتلر في نفس الوقت يجتاح الدول المجاورة ويخطط للاستيلاء على أوروبا – .

رغم أنهما توفيا في سن مبكرة – أورويل عن ٤٨ عاما وغسان اغتيل عن ٣٦ عاما – الا أنهما كانا غزيري الانتاج وتركا ارثا أدبيا ضخما – كأنهما عرفا أن الزمن لن يسعفهما – .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً