الرئيسية / العدد الثالث عشر / إمراة على حافة الحزن..(2)

إمراة على حافة الحزن..(2)

10689987_273433969518629_6957563121367613020_n

تغريـد :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لحظات الصمت دائمآ خانقة ، و في الغالب لا ننجو فيها من إفتضاح توترنا ، خوفنا ، فضولنا و كل ما قد يعتمل في صدورنا بخفاء تام خلف ضوضاء العالم .

أظنه يدرك ذلك مثلي تمامآ ، لذا كان من اللطف بشكل مطلق أن جنبني كل ذاك “الهول” الذي يخلفه الصمت ، حين قطع صوته الهدوء الذي بيننا و أراق كل تلك العذوبة في مساحة الخوف التي تمتد في الطاولة التي بيننا .

إبتدر حديثه بالمقهى ، و عن أنه مهرب آمن من حرارة الشمس و الزحام ، و أن كوب القهوة الذي يقدمونه هنا ، صديق جيد يساعد على حل كل المشكلات .

(“كان إنتقاء جيد لشخص قطع مسافة طويلة أن يأتي لهكذا مكان ، و إختيار طاولة في زاوية أنيقة ينم عن ذوق جميل “)، حتى تلك اللحظة التي صمت فيها و بدأ التحديق في عيني بإنتظار إجابة ما أو تعليق على كلامه لم أكن قد إستوعبت بعد أنه يعنيني بالحديث !

»لشخص قطع مسافة طويلة« .. و أخذت أرددها في ذهني كي أفهم الأمر .

و ما الذي أدراك أني قطعت مسافة طويلة قبل أن تقودني قدماي إلى هنا ؟

كنت على وشك أن أطلق هذا السؤال ، لكني أحجمت عن فعل ذلك في اللحظة الأخيرة ، و أفرجت عن صوتي الخفيض لأتمتم بعبارة صغيرة مؤيدة لرأيه حين قلت : هذا صحيح .

ثم إعتدلت في مقعدي و أنا أشد تنورتي لأسفل كأني أود إخفاء حذائي المغبر قليﻵ من أثر المشي طويﻵ .

كانت لا تزال كفاه معقودتان أمامه بذاك الوضع ، و ما زالت عيناه مصدر سحر كبير و توتر لا آخر له . و كنت أسأل نفسي بصمت ، ما الذي يجبرني على كل ذلك ؟

ببساطة يمكنني تناول حقيبتي و الفرار وسط الزحام .

أعادني سؤاله من تساؤلاتي ، فقد سألني بلطف إن كنت س أتناول القهوة أم أني أفضل إختيار شيء آخر ؟

رفعت نظري للفتاة الآسيوية و التي كانت تخفي ملامحها بالمينيو الذي ترفعه قباله وجهها فلا يبين من وراءه سوى عينيها الصغيرتين و توجههما صوبي بإهتمام لتلتقط مني الإجابة و تمضي لتأتي بها .

أخبرته أني لا أتناول القهوة بالعادة ، و لكن لا بأس بأن أجربها هذه المرة معه ، ف الأمر برمته غريب في هذا اليوم ، و لا بأس من إقتراف مغامرات صغيرة كشرب القهوة التي لا أحبها أبدآ بصحبة رجل غريب و جذاب لهذا الحد .

إنصرفت الفتاة بهدوء كان يصعب معه إلتقاط صوت أقدامها و هي تبتعد .

فاجئني بسؤاله : هل تأتين إلى هنا بإستمرار ؟

فأجبته : كلا .. هي المرة الأولى .

إبتسم قليﻵ ثم أردف ، نعم .. فأنا لم أرك هنا من قبل .

المكان هنا هادئ و جميل و أنا واثق من أنك ستحبين التردد عليه من وقت ﻵخر . فحركت رأسي مؤمنه على كلامه و رأيه .

أخذ يتحدث عن المدينة المجنونة و الحياة التي لا تهدأ فيها أبدآ ، و أنه يفضل الأرياف ، حيث الهدوء المطلق و الهواء النقي و المنازل الأنيقة و المساحات الشاسعة ، إبتسم من جديد و هو يحرك يده واصفآ لي الأشجار العملاقة ، و كيف أن بوسعك هناك أن تنصت لزقزقة العصافير عوضآ عن أبواق السيارات هنا و التي تحجب كل صوت عداها .. و كيف أن الأطعمة البيتية الصنع لها مذاق طيب يضاهي أطعمة المطاعم الفاخرة هنا .

كنت أنصت له بإهتمام و سعادة ، فلم أكن أعتقد للحظة أنه قد يكون من هذه النوعية من البشر ، الذين يحتفون بالحياة و تشغلهم التفاصيل الصغيرة كصوت العصافير و شروق الشمس و تسلل الأشعة الناعمة إلى الحقول .

ظننته ذاك الرجل المشغول جدآ ، بحيث ينسى مع إستعجاله عن إلقاء التحية على والدته أو زوجته ، لا أدري لم آلمني إحتمال وجود زوجة له ، لكني نفضت الفكرة عن ذهني و واصلت في الإنصات له .

كدت أصرخ قائلة : أكمل أكمل لا تصمت ، حين نظر إلى يساره و صمت لبرهة كي يسمح للفتاة بوضع الإبريق و فنجاني القهوة أمامنا و أطباق لنوع من الكعك الصغير المحشو بالشوكولا السائلة .

هل تسمحين لي ؟

هكذا قال و هو يطلب أن يسكب لي القهوة من الإبريق على الفنجان الأنيق ، فأجبته بأنه يستطيع فعل ذلك شاكره لطفه .

أذاب ملعقتين من السكر في فنجاني و أخذ يقلبها ببطء ثم دفع فنجاني أمامي و هو يعلق بأنه واثق من أنها ستعجبني .

تناولت فنجاني قائلة : آمل ذلك .

لم يكن هناك مسار محدد للأحاديث بيننا ، فقد تحدث عن كل شيء تقريبآ و عن أشياء حتى لم تخطر على بالي أو لم أكن على دراية بأمرها ، تحدثنا و ضحكنا كثيرآ كأننا أصدقاء قدامى جمعتهم صدفة فأخذوا يثرثرون عن كل شيء .

تحول إستيائي الكبير إلى سعادة ناعمة تلامس قلبي برفق ، كنت أفكر في أنه رغم غرابة تواجده لكنه أفضل شيء حدث لي في هذا الصباح و “منذ صباحات ماضية” لا عدد لها ، و كنت في غاية الإندهاش كيف أن القهوة ظلت مرة بذات الطعم الذي لا أطيقه ، لكن ثمة شخص في العالم بوسعه أن يجعلك تشاركه مرارة الأشياء بسعادة و دون تذمر .. بل و بحب كبير !

الشمس ضاربة للحمرة ، و هي تلوح للعالم مودعة قبل أن تغيب في الأفق البعيد ، المباني الزجاجية الشاهقة تبرق بالذهبي و اللوحات الإعلانية الضخمة تبث صورآ مختلفة بألوان زاهية للغاية ..

كل شيء كان رائعآ ، و أنا أمشي بهدوء قاصدة منزلي الصغير في شارع فرعي بالمدينة ، المطاعم الصغيرة المفتوحة منتشرة على طول الشارع ، و ثمة وجوه كثيرة بملامح مختلفة و تعابير متباينة ، كنت أمارس هوايتي في تأمل الوجوه بينما أستنشق رطوبة الجو المعبقة برائحة المشاوي و المعجنات الشرقية و العطور المتنوعة التي يزخم بها الهواء .

لم تكن المدينة مختلفة عن كل يوم ، هي ذاتها بحيويتها و أضوائها و زحامها ، كانت الغرابة تكمن فقط في كوني أعبرها “مبتسمة” . تلك الإبتسامة التي إلتصقت بوجهي طيلة النهار ، مذ قابلت ذاك الغريب !

إسترجعت تلك اللحظات بفرح حزين ، عيناه – إبتسامته – أحاديثه المملوءة بالحياة ، لم تكن سوى صدفة عابرة لن تتكرر .

مجرد رجل أخرجني من إحدى المآزق التي أحشر نفسي فيها ببراعة تامة . و فنجان قهوة مرة و أحاديث شيقة .

لم يسألني أبدآ .. مابي ، لم أسأله قط لم قرر أن نتشارك القهوة و الحديث .

ربما كان كلانا بحاجة للآخر ، بطريقة ما قد لا تكون مفهومة لكل منا .. لكن الأمر قد نجح على ما يبدو . فقد خرجت مبتسمة و سعيدة كأني ولدت من جديد ، تمامآ بنفس السعادة التي كانت تتلألأ في عينيه و هو يمد يده مصافحآ إياي بلطف ، و مؤكدآ بأنه أمضى برفقتي وقت ممتع و جميل .

ربما نلتقي مرة أخرى ، قالها قبل أن ينصرف . ربما .. من يدري !

هكذا أجبت و أنا أخبئ يدي في جيوبي و أحني وجهي للأرض مبتعده حد ما إستطعت عن عينيه .

رغم أني أعرف أنه يتردد دائمآ إلى هذا المقهى ، لكن لم يخطر على قلبي أبدآ .. أن أفكر في العودة من أجل إصطناع صدفة أخرى للقاء .

إكتفيت بذاك القدر من السعادة ، و إكتشافي الجميل : بأن الأرض لازالت مكان جيد و يسكنها أناس رائعون ، و هذا إعتقاد كنت قد فقدته مع الأيام ، فجاء الغريب و جدد هذا الإحساس بداخلي .

كانت أمي تجلس قبالة التلفاز حين أدرت المفتاح و ولجت إلى الشقة المتواضعة ، عانقتها و ألقيت التحية ثم توجهت مباشرة إلى غرفتي .. كنت بحاجة لأن آخذ دوشآ دافئآ و قسطآ من الراحة ، أو ربما لا أريد أن أفلت ذاك الإحساس ، و الذي لا شك سيزول عندما أجلس و تبدأ أمي بسلسلة الشكاوي اللا متناهية .

صاحب العقار يريد الإيجار ، علي الإتصال بالسباك ليعالج الأنابيب بالمطبخ ، الأدوية الشهرية على وشك النفاد ، زيارة الجدة و حمل بعض الهدايا ….. إلخ.

و أنا متعبة للغاية ، مفلسة بحد محرج .. هي لا تعرف بأي حال أني تركت وظيفتي منذ أيام مضت ، و أني أمضي الساعات الطوال ليس في العمل و إنما بحثآ عن عمل لدرء كارثة إقتصادية تلوح في الأفق .

دلفت لغرفتي و ألقيت حقيبتي في المقعد ، وثبت إلى فراشي و تربعت فيه ، مطلقة تنهيدة ممزوجة بالسعادة و الحسرة و أحاسيس أخرى .

لا أذكر كم ساعة مرت ، أو كيف إنتهى بي الحال نائمة بكامل ملابسي حتى ساعة متأخرة من صبيحة اليوم التالي .

ولولا صوت أمي لما أفقت على الأرجح ، فنهضت مذعورة .. و رحت أركض في الغرفة كي أجهز حاجياتي تأهبآ للخروج ، فآخر ما كنت أريد له الحدوث ، هو أن تعلم أمي أني بلا عمل ، فتستاء و تشعر بالألم .

و أنا على عتبة غرفتي ، وجدت أني في مواجهة أمي وجهآ لوجه ، لم يكن صعبآ أن أقرأ ملامح وجهها الغريبة و السؤال المدهش الذي يقف في حافة شفتها .

ف حاولت أن أسبقها بالإجابة و أخبرها بأني أعلم أني قد تأخرت عن العمل و علي أن أسرع في الخروج .

لكن إجابتي كانت غبية فيما أوحت لي ملامح أمي و هي تنصت إلي .

بهدوء شديد قالت الكلمات التالية :

أعرف أنك قد تأخرت عن العمل ، ليس هذا هو المهم اﻵن ، أود أن أعرف بالضبط ..

ما الذي صنعتيه كي يأتي إليك المدير بنفسه إلى المنزل ؟

إتسعت دهشتي حين أفسحت لي أمي الطريق ، و لوح لي المدير بيده قائﻵ بإبتسامة : صباح الخير .

المدير الذي لم يكن أبدآ غير الغريب .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً