الرئيسية / العدد الثالث عشر / (السلاميون) وأشياء خاصة..

(السلاميون) وأشياء خاصة..

10409504_718269518232744_6627071991943431687_n

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أحداث هذا المقال حدثت بين عامي 2000 و 2005

  • 18+

………….

  • لا أدري لما بالتحديد ، في الرقعة التي نشأت فيها ، أمبدة ، كانت الإشاعات تمثل أسلوب حياة.. فمنذ أن تستيقظ في الصباح الباكر ، قبل الذهاب إلى المدرسة ، وحتى اليوم التالي ، تجد نفسك محاصرا بالهراء… وبالرغم من سخف تلك الترهات ، وعدم قابلية تصديقها ، إلا أنها في ذلك الوقت ، أي قبل أكثر من عقد.. بدت وكأنها الحقيقة المطلقة…

مازلت أذكر أول يوم ذهبت فيه إلي مدرسة الحي الابتدائية ، كنا قد ابتعنا منزلنا هناك قبل عدة سنوات ، غرفتان وحمام ، وباحة تكفي لحظيرة دجاج ، لكن أبي قال بدافع المغامرة ، أو ربما خيل لي : (هيا ، لماذا لا نجرب ونسكن فيه؟!) ، وهكذا وجدنا أنفسنا متورطين داخل بيت لم يكتمل ، وبلا نوافذ حتى ، والأسوأ ، لم يكن عندنا سوى جار واحد من الجهة الشرقية ، والباقي خرابات تعج بها الكلاب… بالطبع تغير الوضع مع الزمن ، وهذه من نعم الله أن لا شيء يبقى على حاله.. لكن في الماضي ، ولك أن تتخيل أرتال الوحشة.. لم يكن هنالك كهرباء ، وتحول التلفزيون الذي لطالما شاهدت عليه (بن بن ، وحلقات كعبول وسنبل) إلى شيء يشبه المنضدة ، وكذلك الحال للثلاجة…

للأسف ، مدرستي الجديدة لم تكن سيئة ، وإلا لما وافقت أمي على أن أدخلها.. كان لها سور عال ، وفصول جيدة البناء ، وبها مقاعد مريحة للطلاب وسبورة ، وذلك يعد وقتها ترفا مقارنة مع ما جاورنا من مدارس.. لكن حين أقول لكم للأسف ، يا سادة ، فأنا أعنيه.

على ما أذكر كنت قد بلغت التاسعة للتو ، فقبلوني في الصف الرابع بلا اعتراض ، كان الفصل الواحد يملأه قرابة المائة وثلاثين طالبا ، ومع أنها مدرسة بنين فقد درست معنا أربع طالبات -هن بنات الأساتذة.. وتلك بالتأكيد آخر مرة تتاح لي فرصة الجلوس مع الجنس الآخر ، فقد انتهى الأمر بي في الجامعة الإسلامية …!

ساعتها كنت بالكاد أعرف زملائي.. في حين كل المدرسة تعرف شخصي “الضعيف”.. والسبب ، ببساطة ، وهذا ليس مضحكا ، يرجع لكوني الفتى “البدين” الأوحد الذي رأوه. لكني رغم ذلك لم أحتج وقتا لأدرك أن الصف يتجزأ إلى ثلاثة تكتلات ؛ قسم الأولاد الكبار جدا ، والأولاد الكبار ، وأنا.. وتلك قصة أخرى!

■■

على ما يبدو أنني حدت قليلا عن ما أنا بصدده… لكن هذا هو المجتمع الذي مثلت فيه الإشاعة المحرك الأساسي لتشكيل نسيجه العام ، مؤصلة في لاوعي الناس للهوية الفنتازية… ولك أن تندهش أن إشاعة مثل “السلاميين” أو “المصافحين” ، والتي تبدو سخيفة وساذجة ، قد مﻷت في فترة زمنية وجيزة ، كل أرجاء المعمورة..!

أول مرة سمعت فيها شيئا عن السلاميين كان في المدرسة ، حين ناقشت كتلة الأولاد الكبار جدا ، كلاما عن أن مصافحة الغرباء باتت تؤدي إلى اختفاء الأعضاء الذكورية. وبعدها بدأ الجميع يثرثرون عن الأمر ، وتحول في خلال أيام إلى ظاهرة أصابت الحارة بالفزع.. مازلت أذكر أن أبي قد عقد لجنة اجتماع لأهل الحي في باحة منزلنا ، وتكلموا عن مجيء غرباء من نيجيريا يمارسون سحرهم الأسود ويسلبون فحولتنا.. ضحك أبي كعادته لكنه بعد انفضاض الجلسة قال : (هه يا ولد ، لا تسلم على إنسان لا تعرفه ، مفهوم!)

■■

حالة الكورو أو (koro syndrome) هي متلازمة لم يجد لها الأطباء تفسيرا منطقيا ، فوضعوها في خانة أمراض الثقافة ، أي تلك الأمراض التي تنشأ داخل مجتمع بعينه دون آخر بسبب عاداته وتقاليده… وقد ربط الأطباء اختفاء الأعضاء التناسلية للجنسين و ضمورها في متلازمة “الكورو” بالمستوى المعيشي والاقتصادي وفعالية التعليم والتوعية… الحكاية بدأت من الصين ، منذ ما قبل الميلاد ، أيام الإمبراطور (مو يوان دي) ، لكنها لم تكن تمثل تهديدا يذكر حتى أواسط القرن الماضي ، حين تحول الداء إلى وباء اجتاح جنوب الصين بأسره.. كان يصيب خلال كل جائحة ما يقارب الثلاثة آلاف شخص ، بل ويتسبب في الوفيات الناتجة عن سوء التعامل والفزع ، ويكفي أن يمرض رجل ما حتى تنتقل العدوى إلى كل عائلته وأصدقائه… في عام 1965 كان الوهم قد حل على كل من ماليزيا واندونيسيا والهند واليابان ، وفي سنغافورة وحدها أصيب خمسة آلاف شخص بعد أكلهم الخنازير الملقحة ضد الأنفلونزا ، وتدخل الإعلام المحلي وقتها بشكل صريح ليؤكد للناس أنها مجرد خرافة وأن الرجل السنغافوري صحيح مثل الثور… أما في تايلاند فقد حدثت حالات مماثلة بعد التسمم باختلاط التبغ مع الطعام المحلي.. لكن الشيوعيين الفيتناميين كانوا هم الأكثر حظا حين استخدموا ذات الشائعة لحشد وتأيد الشعب ، وترهيب من يعاديهم …

مع بداية السبعينيات ، كان الداء قد وصل أفريقيا ، تحديدا منطقتي غرب نيجيريا وجنوب الكاميرون ، وارتبط عند الأهالي بمصطلح “سارقي الذكورة” ، كان سحرة “الجوجو” هم ناشري الوباء ، والفكرة أنهم يخصونك مقابل أن تفدي نفسك ، كانت شوارع نيجيريا تضج بالعراة الهلعين الذين يعرضون اختفاء أجزاء حساسة من أجسادهم للعامة ، وفي عام 1990 كان سارقو الذكورة في كل غرب القارة السمراء ، من غانا وساحل العاج ومالي وحتى غينيا وغامبيا والسنغال ، بل وفي عام 1997 حدثت أعمال شغب في كتونو عاصمة بنين خوفا من “الكورو” وراح ضحيتها العشرات !

لكن في سبتمبر من العام 2003 ، حين تخلص العالم منها ، كانت الخرطوم هي موطن الكورو الجديد..!

■■

الآن ربما يكون الأمر سخيفا ، لكن في 2003 لابد لك وأن ترى الهلع يشع من العيون… عدت من المدرسة لأجد أن إحدى قريبات أمي تنتظرني في البيت ، أجلستني إلى حجرها وكأن شيئا فظيعا حدث.. سألتها إذا ما كان قريب لنا قد مات ، لكنها هزت رأسها وبدأت تسرد لي النصائح والمحاذير ، قالت : (السلاميون في كل صوب ، إياك وأن تصافح أحدا ، وإذا شعرت بأمر غريب اركض وأنجو بنفسك !)

تقريبا هكذا أخذ الناس “الكورو” على محمل الجد ، وما عقد الأمور هو وفود كم هائل من النيجيريين والتشاديين وتواجدهم في الطرقات بملابسهم التقليدية.. وبالتدريج آمن البعض أنه من الممكن للرجولة أن تسلب بمجرد مصافحة.. وعلى طول ذلك العام لفق الناس مئات القصص عن الكيفية التي تسحب بها الأجزاء الحساسة للضحايا إلى داخل بطونهم.. كان سلام الأيدي قد انعدم بين الناس ، ولم يعد أحد يقبل أن يلمس كف أحد ، وإن اضطر وحدث ، تجد أنه يطمئن على وجود أشيائه من وقت لآخر..!

في المدرسة كان الوضع أكثر تعقيدا ، في حين خطب المدير عن ضرورة تفنيد هذه الظاهرة ونشر الوعي ، كان باقي الأساتذة يروون لنا الحكاوي المخيفة.. كان قد تغيب ولد أو اثنان عن الفصل ، قالوا لنا بأنها الحصبة ، لكننا مع الوقت اكتشفنا أنهما صافحا غريبا وفقدا أشياءهما ، وعرفنا فيما بعد بأنه تم إرسالهما لخلوة خارج المدينة للعلاج !

■■

خلال دراستي للإيحاء في معهد الطب النفسي ، اكتشفت أن معظم ما يقوم به المشعوذين هو مجرد وهم وخداع.. بالطبع توجد بعض الظواهر التي لا يمكن إثباتها إلا بحقيقة وجود سر في ما وراء الطبيعة.. والحمد لله على فضل الإسلام. لكنني أقصد هنا ذاك الوهم الأفريقي الكبير وارتباطه بالسحر والدجل.!

ال (hypnosis) هو فن أكثر من كونه علما ، والآن بات يقدم على هذه الهيئة في المسارح العامة والبرامج الكوميدية ، كما أن فرعا منه أرتبط بالتنمية البشرية الإيجابية ونشاطات تطوير الذات ، وكذلك للباحثين عن الاسترخاء وتقليل التوتر والاضطراب..

يقوم الإيحاء على فكرة إدخال الذهن في حالة مشابهة للنوم اللحظي لكن بدرجة وعي مغايرة بحيث يكون العقل قابلاً للاقتراحات والوهم … ويعتمد في الأساس على قوة الشخصية والقدرة على الإقناع.

لكي أضرب لكم مثالا سأروي حادثة أخرى وقعت في الخرطوم بين عامي 06 و 07 .. وهي سلسة سرقات منظمة استهدفت محفظات النقود والهواتف النقالة ، حيث يؤدي لك السارق دور معتوه مستخدما حركات مدروسة لتركيز ذهن الضحية على نقطة معينة من الجسد ، وبالتالي خروج باقي حواسه عن التغطية !

في الولايات المتحدة ، شرح مستر روبرت ك. ويلسون ، في برنامج مساء أمريكا التلفزيوني ، عن وجود مراحل بعيدة في التنويم الإيحائي ، وزراعة أفكار قد تبدو غريبة لدى البعض ، كنسيان الاسم والهوية والتلاعب بالمحسوسات… ذات الشيء تقريبا هو ما فعله النيجيريون ونقلوه في عموم إفريقيا. ولما كان السودان في الأساس مليء بإشاعات فقدان الفحولة والعقم ، كالأحزمة الجلدية الممغنطة وأضرار الهواتف النقالة ، والأمشاط الكهربائية المستوردة وبعض اﻷدوية ، لم تحتج إشاعة المصافحين تلك إلى أي مساعدة…!

■■

قالوا أن وزير الصحة السوداني تكلم يومها عن الظاهرة في الراديو موضحا للناس مدى غبائهم ، لكن ذلك أدى إلى نتائج عكسية ، كان بإمكانك أن تسمع الناس في أمبدة يقولون ؛ لا دخان بلا نار .. وما زاد الطين بلة ، هو التناول المكثف من قبل الصحف الاجتماعية اليومية.. وظلت صحيفة بعينها تذكر الناس بالجانحة حتى بعد زوالها.. لا أذكر أن أحدا قام بتوضيح ماهية متلازمة الكورو وشرح طرق التعامل معها ، كانوا جميعهم ينفون الأمر وحسب.

حكي لي صديقي الطبيب حاتم أبو زروق ، أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية ، أنه لم يصدق تلك الظاهرة مطلقا ، إلى أن جاءه أول مريض يشكو من ضمور أشيائه بعد مصافحة رجل غريب ، كان باديا عليه الهلع والتوتر ، وخلال الكشف السريري تبين أن للمرض بعدا نفسيا أكثر من كونه عضويا.. لكن الأمر لم ينتهي هنا ، فخلال أيام معدودة جاء عشرات المرضى الهستيريين الذين عانى بعضهم بالفعل من تقلص وانكماش الأجزاء الحساسة.. كانت طريقة العلاج التي استخدمت بسيطة ، وتعتمد بشكل كبير على الإيحاء والإيهام ، يحقن المريض مدررات البول ، (اللازكس) ، على أن يتم إخباره بأنه بعد ساعتين فقط سيكون كل شيء على ما يرام ، وهكذا انتهت الأزمة بشكل جيد!

لكن في الحارة ، أخذت طرق العلاج بعدا آخر ، كان جارنا الوحيد قد أصيب بداء السلاميين ذاك ، وكان يمكنني من خلال الحائط سماع ومشاهدة الموضوع برمته.. كان يحكي أنه تعرض للسطو بعد مصافحته لرجل غريب … يقول : (من أين يأتي هؤلاء النيجيريون بتلك الحيل ؟! كنت أمشي على مهل في سوق الجمعة ، الدلالة ، حين انتزع أحدهم يدي غصبا وصافحها… وفجأة وجدت أن كل شيء اختفى ، العضو والخصيتان.. ولا أدس عنكم مقدار الخوف الذي تملكني ، كان النيجيري يقف ساكنا دون أن يرمش له جفن ، عيناه المحمرتان تلج مباشرة داخل عقلي وتلتصق داخله. كان كل جسمه مغطى بالتمائم وسلاسل العظام الصغيرة ، و يحمل على ظهره حقيبة متوسطة من الخيش ، يا إلهي ، تخيل أنهم يضعون فحولتك داخل كيس من الخيش.. أوضح لي النيجيري أنه لكي تعاد ممتلكاتي يتوجب أن أدفع مئة ألف دينار -مئة جنيه. ابن اللعينة ، قال أن هذا مبلغ بسيط ، لأن أعضائي ليست ذات فائدة.. وهكذا ساومته على عشرين ألف دينار بالتراضي.. وبدل أن أشتري من الدلالة أشياء مستعملة اشتريت أشيائي !)

أوضح الناس لجارنا أنه ما كان له أن يساوم ، فقد أعاد له النيجيري نصف فحولته فقط ، والنصف الثاني استعاده بعد جلسات طويلة من الرقية والمحايات وشيوخ الدجل وما إلى ذلك ، وخسر فيها مبالغ طائلة… الآن بت أنا أكثر شخص لا يطيق جاري مشاهدته ، وذلك لأنني دائم الهزار بأن أعضاءه لم تكن تساوي سوى ما يكفي لشراء أشياء خروف !

■■

مازلت حتى اللحظة أفكر بالشائعات ومدى تأثيرها على المجتمع ، ولماذا هي تجد ذلك الرواج رغم مدى الوعي المتوسط ، وكيف يتلقفها الناس على مر السنوات ، ليلبسوها ثوب الحقيقة ؛ شجرة سدر تشفى السرطان ، بول “الطفل الصالح” يعالج العقم و السكر ، كلاب ضالة تقتحم الخرطوم ، مكاوي فحم قديمة تباع بالمليارات !

في نظري أن إعلامنا المكتوب هو السبب ، خصوصا الصحف الاجتماعية الصفراء التي تتناقل الخبر من جانب ربحي بحت ، حيث تفرد مساحة كبيرة ومتسلسلة عن أخبار تافهة لا تستحق الذكر .. وبالرغم من أنها تستتر وراء ثوب التوعية ، إلا أنها تسقط في أول اختبار للمهنية الصحفية!

أعتقد أن منظمة الصحة العالمية أنشأت دورات تثقيفية عن كيفية محاربة الكورو ، وأجرت عدة دراسات على الآثار العضوية والنفسية المترتبة عن المرض.. وحتى الآن ماتزال دول مثل تنزانيا والكنغو ومالاوي تسجل عدة حالات من الوباء الجماعي كل سنة ، والذي سيظل هو خوف الفحولة الأول..!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً