الرئيسية / العدد الثاني عشر / عندما تتنكر الأرض بهيئة الإنسان..

عندما تتنكر الأرض بهيئة الإنسان..

أحمد مطر وجوهر العلي

*بقلم أحمد مطر في رثاء الفنان ناجي العلي

في ظهيرة يوم صيفي من أيام عام 1986 ، اجتمعنا على مائدة الغداء بمنزلي ، وكان باب الصالة مشرعا بوجه الحديقة المجنونة ، حيث الأعشاب التي أهملت قصها قد استطالت بوحشية عاتية ، حتى أصبحت قطعة من الأدغال .. وكانت دفعات الهواء المتأنية تغلغل أصابعها فيها ، مسرحة هاماتها بتموجات متصاعدة ، باعثة وشوشة عميقة موحية . 
كان ناجي يحدق فيها مستغرقا . 
قلت فيما يشبه الإعتذار: لم أجد وقتا لقصها . لكنه هتف باستنكار : ولماذا تقصها ؟ هي هكذا أجمل .. أنظر إليها .. إنها تصرخ بكل براءة الطبيعة .. أتعرف كم أحب هذا المنظر ؟ أود الآن أن أنطلق راكضاً خلالها وكأنني في الأحراش .. هكذا أشعر بعذوبة الأرض وهي على فطرتها ، إنها غير الأرض الخارجة من صالون التزيين ، والجالسة حسب قواعد الإتيكيت . 
قلت له ضاحكاً : اغتنم الفرصة ، إذن، قبل زوالها ، وقم فاركض خلالها بعد الغداء . 

ضغط على يدي ضغطة متوسلة : لا تقصها . لم يكن ممكنا ، بالطبع ، أن تبقى هذه الأعشاب الطفيلية دون قص ، لكنني كنت أفهم شعور صاحبي جيداً ، ولعلي كنت مثله مغرما بمنظرها المتوحش ذاك . 
ولهذا ، فقد أحسست – ساعتها – بأن نبرته التي كانت دفاعا حاراً عن أعماقه ، إنما هي دفاع ضمني عن أعماقي أنا . 
يفهم هذا الشعور من تفتحت عيناه على الخضرة العارمة المتدفقة على رسلها في الحقول ، ومن غاصت رجلاه في طين البساتين ، ومن امتلأت رئتاه برائحة التراب بعد المطر . 
ربما يبدو الأمر صيغة شعرية للتعبير عن الارتباط بالأرض ، لكنني ، كما عرفت صاحبي ، أمنح نفسي حق القول بيقين أن ناجي كان هو نفسه صيغة شرعية للتعبير عن الأرض ذاتها ، لا مورد هنا للتشبيه أو الكناية أو الاستعارة .. حيث يسقط الفرق بين أن يكون المرء مترعا بروح الأرض ، وبين أن تكون الأرض مشبعة بروح المرء . 
إن ناجي ، بهذا الوصف ، هو بحق صورة الأرض عندما تتنكر بهيئة إنسان ! 
كان بسيطاً ، طيباً ، عميقاً ، عنيداً ، صابراً ، ثرَّ العطاء .. وهل تلك إلا انعكاسات شظايا مرآة الأرض ؟ 
كل شيء كان ينغرس في أعماقه ، إنما يعود ليتفجر على ( صفحته ) بشكله الأصلي دون مواربة أو مجاملة أو تجميل . 
بذرة البرتقال تنبت شجرة البرتقال ، وبذرة الحنظل لا تنبت غير الحنظل . 
ومثلما تُبرز الأرض محتوى بذور الأشياء ، كان ناجي يُبرز محتوى الكائنات المستقرة في أعماقه .. بهيئتها ، حيث لا يمكن لأي شيطان ، أن يغطي اللعنة الملتصقة بجبينه ، بمساحيق العفو أو بطلاء المغفرة .. وحيث لا يمكن لأي ثور ، مهما ثار وأزبد ، أن يبدو على صفحة ناجي خفي القرنين ، ولو وضع على رأسه تاجا بحجم القهر ! 
تكون الأرض أصدق ما تكون ، عندما تقدم عطاءها طبيعياً خالصاً ، لا شبهة فيه لاشتراك الأيدي المتطفلة .
خذ أية لوحة لناجي ، وتأملها . إنك لن ترى إلا نباتاً طبيعياً ، هو بسيط لكنه أصيل .. وهو مقتصد لكنه غني .. نبات لم يستعر بذوره من أحد ، ولم يستورد سماداً من أحد ، ولم يطلب سقاية من أحد .. اللوحة تشخص من أرض الصفحة نسيجَ وحدها ، شجرة متفردة ، لا تحمل غير ملامحها .. شجرة هي الأرض ، والأرض هي ناجي 

أكان اتفاقاً أن يولد ناجي في قرية اسمها ( الشجرة ) ؟ ! تلك الشجرة الطيبة أنبتت شجرة طيبة .. أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . 
أذكر أن شاباً فلسطينياً كان يُحضر للدكتوراه في لندن ، اتصل بناجي ، ذات يوم ، وعرفه بنفسه طالبا لقاءه . سأله ناجي على الفور : أرجو ألا تكون من جماعة ( بما أنهُ ) ! 
وهو يعني بهؤلاء جماعة المتحذلقين الذين تنتزعهم أضواء المدن من هويتهم ، وتستحيل روح فلسطين في أعماقهم مجرد بذلة أنيقة ، وألفاظ منمقة ، تنأى بنفسها عن غبار الشجر أو تراب الأرض . 
قال له الشاب : كلا .. أنا من جماعتك. 
فرد ناجي : إذن .. ألف أهلا ومرحبا بك . 
ومنذ اللحظة التي التقاه ناجي فيها .. أحبه ، لقد كان بالفعل من جماعته .. شاباً معجوناً بلون الأرض ، ورائحة الليمون ، وطعم الزيتون . 
لقد رأيت ناجي ، أكثر من مرة ، وهو يبدي ازدراءه بكل قسوة لنماذج أولئك الخارجين على طاعة الأرض ، ورأيته وهو يصفعهم برأيه فيهم .. على وجوههم ، مثلما تصفع الأرض بزلزالها كل ما أمامها ، إذا ضاق صدرها بالنار . 
ولعل عزاء الذين فاتهم أن يعايشوا هذه الأرض الطيبة ، شخصياً ، هو أنهم لا يفقدون شيئا كثيراً منها ، حين يعايشون لوحاته .. ذلك أنه حي يتحرك بكل حرارة في كل زاوية من زوايا لوحاته . 
من لم ير ناجي .. بإمكانه أن يراه ، متى شاء في رسومه .. إن جميع الشخصيات الطيبة المقهورة فيها هي ناجي ، وإن حنظلة في كافة تحولاته هو ناجي ، وإن كل خط في تلك الرسوم هو خفقة من قلب ناجي . 
وناجي ورسومه والأرض أسماء مترادفة لشيء واحد : 
صورة شجرة الأرز في العلم اللبناني تضرب بجذورها في الأرض ، رغم أنها مجرد رسم لقماش على ورق ! 
إنها روح ناجي التي تطبع المستحيل بطابعها الممكن . 
سارية العلم النابتة في الأرض .. تتفجر عن غصن ، والغصن يتفجر عن براعم وأوراق وراية ، رغم أن السارية خشبة ميتة .. ذلك لأن كل ما ينبت في الأرض ، هو عند ناجي ، حيّ ، ومورق ، وبشارة بالميلاد حتى لو كان حديدا . 
إن الموجة المرتطمة بالشاطئ لا تعود إلى البحر .. بل تتحول – عنده – إلى يدين تتشبثان بالأرض . 
والنهر العربي عندما يجف ، يتفطر الإنسان العربي الواقف على ضفته . 
والعربي الزاحف نحو ( النبعة ) ، هو كائن من الطين اليابس المتكسر .. هو الأرض نفسها عندما تظمأ .. أما اللافتة المشيرة إلى طريق النبعة ، فيكفيها الإسم المخطوط فوقها لكي تبرعم وتورق .. لا بد لها أن تورق .. أليست مزروعة في الأرض ؟! 
عندما تقتلع الجرافة الإسرائيلية تراب الأرض لإقامة المستوطنات لشذّاذ الآفاق ، يظل الفلسطيني متشبثاً بقطعة التراب مواصلا غرس شجرته بإصرار وعناد ، فوق رافعة الجرافة . أطفال ناجي يصنعون دباباتهم بالحجارة ، يرجمون الغاصب بالحجارة ، وكومة حجارتهم نفسها تكتب بنفسها كلمة ( لا ) . 
قبضة الثائر – عنده – تعتصر الحجر حتى يتقطر بالماء ، ليروي زهرة نابتة في الحجر . يد الثائر الفلسطيني القتيل ، تندلع من قبرها كالنبتة ، حاملة علم فلسطين . الأطفال والفتيان والنساء والرجال، تتطوح أيديهم حرة طليقة كالعواصف وهي تقذف المغتصبين بالحجارة ، لكن أرجلهم ليست سوى جذور أشجار عنيدة تندفع بعيدا في أعماق الأرض . 
ذلك هو ناجي العلي .. رجل حمل في صقيع غربته الطويلة ، دفء تراب فلسطين .. كامل تراب فلسطين ، وامتزج به حتى صارا شيئاً واحداً . 
من هذه الزاوية .. يبدو البون الشاسع بين الشهيد الأبي والشاهد الذليل ، بين القتيل الحي والقاتل الميت ، بين القمة والمستنقع ، بين أن تكون فلسطين هي فلسطين بكل حبة رمل وكل حبة قلب .. وبين أن تكون مجرد مخفر وبساط أحمر وقطيع من الجندرمة ! 
ما أبشع من يأتي فلسطين سائحاً ، يتقلب فوق ترابها وقلبه فارغ منها حد الاختناق! 
وما أعظم من يأتي فلسطين سابحاً في فراغ المنفى وقلبه ممتلئ بها حد التنفس ! 
في موازاة ذلك الوطن الماشي على قدمين لا تزال تمشي في ذاكرة أنفاسي .. رائحة التربة الطرية المختلطة بشميم العشب الندي ، ساعة كنا ننزل جثمانه الطاهر في القبر المحفور حديثا .. 
وفيما كان ( جوهر العلي ) شقيقة الأكبر ، يحثو التراب فوقـه، كانت عيناه مغرورقتين بالدمع السخين ، وكان صوته المخنوق بالعبرة الموجعة ينصب في سمعي كماء النار : 
( رحمة الله عليه .. ناجي كان يحب رائحة الأرض ). 
وأمنت على نحيبه بهزة رأسي وانهمار دموعي ، غير أن حسـرة بحجم الكون كانت تضـج في أعماقي 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً