كلمات متجولة

راشد

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بعيد النظر

في الصيف حمل الحطّاب فأسهُ وقطع الشجرة الكبيرة ليصنع مِنها تابُوتاً لنفسِه ، حين جاء الصيف التالي حمل نفس الفأس وزرع التابوت مكان الشجرة لأنهُ ملّ من الانتظار وكرَّس نفسهُ للاهتمام به ، في الصيف الثالث كان لديه حديقة صغيرة من التوابيت ، وبعد عقدٍ من الزمن أضحت لديه غابة كاملة ، قال له جيرانه : ” من أين ستجد موتاً يكفي لكل هذه التوابيت ؟ ، يحتاج الأمر لكارثة ” ، فكر قليلاً ثم قال : ” يحتاج الأمر لأكثر من كارثة .. لكنها ستحدث “

اليوم تقول الكوارث : ليرقد الحطّابُ بسلام بقدر ما كان متشائماً .. وبعيد النظر .

تعريفات دقيقة

حدث ذلك قبل الما قبل ، عندما لم تكن هنالك تعريفات دقيقة للأشياء كانت قريتنا ، وفيها لم نكن نعرف الحب والحزن والموت ، كنا نظن أنها مجرد لعنات إلهية تحدث فقط .. للآخرين ، وحين أصاب الحزن امرأة لأول مرة وبكت كثيراً قالت جدتي : لقد حدقت مباشرة في عيني بومة شريرة فأصابها ما أصابها ، ابتعدوا عنها ستصيبكم بالعدوى ، لم يعد أحد يبكي بعدها حتى لا يعتزله الناس كالكلب الأجرب ، وحين مات الرجل الأول قال جدي : لقد نام أسفل الشجرة الملعونة سيظل هكذا حتى الخريف القادم وعندما تغمره أوراقها المتساقطة سيستيقظ ؛ ولأننا نملك ذاكرة يمكنها أن تنسى ويصعب عليها أن تتذكر ، يأتي الخريف وراء الخريف فنغفل عن أمر أولئك النيام ، لكن عندما أُكتُشَف العاشق الأول ، لم يقل أحد شيئاً ، حيث كان الأمر أكثر تعقيداً من أن تُتَهم به نظراتُ بومة أو قيلولة تحت شجرة ، ثم ظهر شِرذِمةٌ يكتبون عن أمور غريبة بطريقة مدهشة ويلقونها بطريقة آسرة .. ملوحين بأذرعهم بجاذبية سحرت الجميع ، كانوا يعتبرون الليل حانتهم المُلهِمة ، ويجدون في البحر نبيذهم الحقيقي ، يختفون لمدة محطمين منهارين ثم يعودون مجدداً كطائر الفينيق ، حينئذٍ عرف الناس الحب والحزن والموت ، وأطلقوا على هؤلاء الشِرذِمةٌ فيما بعد .. الشعراء !

 

دموع مالحة

في تلك الأيام كانت الأرضُ خصبةً لدرجة أن البنات كُنَّ ينضجن بسرعة ويغدون نساءاً بأجساد تكسوها رائحة البرتقال البري ، كان ذلك كلهُ قبل أن يأتي الرجل الأشقر ويُطلِق علينا ببراعةٍ يُحسدُ عليها مخالبهُ التي كانت على شكلِ مُسوخٍ بلحى طويلة وجلابيب قصيرة ، ثم – وكما في لعبة صائد البط – يجلسُ خلفَ الزِنّاد ويبدأ باصطيادِنا .

أتذكرُ أنني وأصدقائي اكتسبنا آنذاك بعض العادات السيئة مثل قراءة الجريدة من صفحة الوفيات ، لكننا في المقابل حافظنا على بعض العادات الجيدة لمراودة الحياة ، حيث كُنّا دائماً قبل الرصاصة الأولى بلحظات نضحكُ بِفرح طفولي لا يشُوبهُ الموت ، وبعد الرصاصة الأخيرة كُنّا نتقاسمُ أحزان الغائب وسعادته فيما بيننا بالتساوي ، وحين نُعاوِدُ الضحِك مجدداً تصبِحُ دموعُنا هذه المرة مالِحةً أكثر ، لكن أحداً لا يشتكي من هذا .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً