الرئيسية / العدد الرابع عشر / إمرأة على حافة الحزن (3)

إمرأة على حافة الحزن (3)

485307_556241944400552_1343683578_n

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لطالما وصفوا عيناي بأنها صغيرة ، لكني على يقين إنه لن يكون هذا رأيهم إن رأوها في هذه اللحظة ، فقد بلغت أقصى إتساع لها و أنا متسمرة في مكاني ، مجعدة الملابس ، مبعثرة الشعر ، أضع منشفتي على كتفي و أحمل فرشاة أسناني بيدي و أبحلق بغباء و دهشه للمدير المزعوم .

بينما كان يرتدي قميص صيفي ناصع البياض يعكس اسمرار بشرته بطريقة أخاذة ، و بنطال جينز أنيق ، يجلس على الأريكة خالفا  قدما فوق الأخرى و يمسك بيمينه كاسة الشاي ، و يرفع اليسرى ليقرأ الوقت من ساعة يده الفخمة .. كأن شيئا لم يحدث !

و بلا مبالاة قال لي :

– هل تنامين عادة إلى مثل هذا الوقت ؟

لم أستطع أن أحدد مشاعري في تلك اللحظة ( دهشة – قلق – سعادة – حيرة – خوف – ريبة …. ) كان علي أن أقطع تحليلي لنفسيتي في تلك اللحظة و أجد إجابة ما .

فأجبت : كلا

ثم إقتربت منه ، و دنوت منه قليلا و أنا أهمس :

ما الذي تفعله هنا ؟

أجاب بصوت مرتفع قليلا على سبيل الكيد أو لرفع نسبة توتري :

– تغير مقر عملك ، فرأيت أنه من الأفضل أن آتي لاصطحابك للمبنى الجديد بما أن هاتفك مغلق !

التفت باحثة عن أمي ، فوجدتها حيث توقعت تماما : مختبئة خلف الحائط دون أن تنتبه لأن طرف قدمها الظاهر يفضح موقعها .

فتوجهت نحوها و وقفت أمامها ، مما جعلها تتظاهر بأنها تمسح شيئآ من على المنضدة .

وضعت يدي على كتفها ، و أخبرتها بهدوء أنه ما من شيء لتنصت بسمعها إليه ، بوسعها أن تجلس معنا ، أو أن تمضي لتكمل أعمالها بصورة أكثر جدية .

ابتسمت و قالت لي : إنه لطيف و وسيم للغاية .

ابتسمت لها و أنا أجيب : أعرف ، لكن الأمور ليست كما تظنين .

ثم عدت إليه مجددا ، كان قد فرغ من ارتشاف الشاي ، و حمل صورة صغيرة كانت على المنضدة المجاورة له ، تضمني مع إحدى أخواتي ، في الحقيقة أني كلما أخفيت هذه الصورة عثرت عليها أمي و وضعتها في هذا المكان ، لم أفهم السبب في ذلك سوى إصرارها على إحراجي فهي تعد من أسوأ صوري على الإطلاق !

 

جلست في المقعد المجاور ، و قلت له مقاطعة تأمله :

لم يكن هاتفي مغلقآ !

أجابني :

و هل كنت أنا مديرك ؟

ثم أطلقنا ضحكة صغيرة ..

و ما الذي يجبرك على إطلاق هذه الكذبات ؟

لا بأس ..ليست كذبة كبيرة على أي حال ، فأنا بالفعل سأصحبك لمقر عملك ، إن ساعدتني و أصبحت جاهزة في غضون 15 دقيقة .

و بالمناسبة : صورتك هذه مريعة .

خطفتها من يده بصورة سريعة ، قائلة له : أعرف ذلك .

يجب أن تشرح لي الأمر أليس كذلك ؟

يمكنني فعل ذلك في الطريق أليس كذلك ؟

حسنآ .. قلتها و نهضت كي أنجز أشيائي في هذا الوقت الخرافي ، و أنا أتمتم في سري بإستهزاء (15 دقيقة)!

بالتأكيد يمزح !!

مرت عشرون دقيقة ..

و كنت قلقة جدآ ، بشأن الأحاديث التي قد تكون دارت بينه و بين أمي ، فأنا أعرف أنها لن تتوانى عن سؤاله عما إذا كان أعزبآ أو لا .. و ربما تخبره عن شقيقتها التي توفيت منذ عامين بسبب داء الكلى و أنها تعاني الآن من نفس الأعراض ، أو عن صينية المعكرونة التي أفسدتها أنا بإحراقها !

كنت قد ارتديت ثياب عادية و حاولت أن أبدو بطله طبيعية بدون الكثير من مساحيق التجميل .. وقفت في مقدمة الصالة ، قائلة : أنا جاهزة اﻵن .

إستدار كلاهما لي ..

 

نظرت أمي لي نظرة تنم عن عدم الرضا ، فهمت أنها كانت تود لو أني خرجت بمظهر أكثر فخامة كي أنال إعجابه .

بينما رمقني هو بنظرة عادية قائلا : إذن هيا بنا .

ودعت أمي بإختصار و هي تحاول أن تهمس لي بنصائح أنثوية كنت في غنى تام عن سماعها ، تزعجني فكرة تعاملها مع أي رجل على أساس أنه ( مقترح زوج ) .. مما يتسبب في إحراجي دائمآ .

كان من الصعب علي أن أخفي إعجابي بسيارته ، لكن أظهرت هذا الإعجاب بعبارة : سيارة جميلة .

أجابني بإبتسامة مشرقة :

هي حقآ كذلك ، ثم أردف يقول :

تملكين أم رائعة جدآ ، وكوب الشاي كان طيب النكهة و المذاق .

أجبته بذات الإبتسامة : أشكرك

و اﻵن …

علي أن أفهم ما الذي يجري .

رد بثقة : بكل تأكيد

دعينا نصل إلى مقر الشركة ، حينها سأوضح لك كل شيء

فقبلت على مضض ..

لم تكن تبعد كثيرآ عن منزلنا بعد أن خرجت السيارة إلى الطريق السريع حسبما عين لي موقعها .

كنا صامتين بشكل حذر .. و ثمة أغنية لاتينية جميلة تنبعث بصوت خفيض من مشغل الأغاني .

أنا و هو و كل هذه الحيرة و السحر .. أما الخطر الأكبر فكان مصدره عطره الذي يحاصرني في هذا الحيز الضيق و يكاد يفقدني الوعي !

علمت بأنا وصلنا إلى وجهتنا حين ركن سيارته في موقف خاص و قال لي : يبدو أننا وصلنا ، كي يلفت إنتباهي و أنا شاردة. الذهن تمامآ محدقة من خلف زجاج النافذة للطريق .

آه حسنآ ، قلتها و أنا أفتح باب السيارة متأهبة للخروج .

كان المبنى جميل مكونآ من ست أو سبعة طوابق ، و ما أن دلفنا للرواق حتى نهض كل موظفوا الإستقبال لتحيته و هم ينادونه بالسيد .

كان علينا أن نستقل المصعد الكهربائي حتى نبلغ مكتبه الواقع بالطابق الرابع ، أدار مقبض الباب و فتحه مفسحآ لي المجال كي أدخل و هو ينحني قليلا فاردآ يده بحركة مسرحية و هو يرحب بي قائلا : أهلا بك في شركتنا .

كان المكتب شديد الترتيب ذو جدران زجاجية بالكامل مما يسمح لأشعة الشمس أن تتسرب بسخاء و تشيع كل هذا الدفء .

و المدينة تبدو بكامل جنونها و ضوضائها من الأعلى .

تبعني بخطوات غير مسموعة ، ثم أشار لي بالجلوس على مقعد جلدي مريح ، و أسند هو ظهره بإرتياح على الأريكة المقابلة لي ، عقد ساعديه أمام صدره و ثبت جوهرتاه السوداوان في عيني مباشرة و هو يقول : حسنآ ..

ها نحن ذا نلتقي من جديد . سليني ما شئت .

لحسن حظي وجدت أصيص لنبتة زينة أخفي إرتباكي خلفها ، و إبتسمت تلك الإبتسامة التي تعني : (أنا في ورطة حقيقية ) !!

في أوقات الغضب ( لا نرى ) جيدآ ، بينما الحزن يوقد في الإنسان حاستي البصر و البصيرة ، ( فنرى ) أبعد مما نتوقع ، و الأشياء التي لا ترى بالنظرة الأولى .

هكذا أخذت ألتقط منه تفاصيل ذاك اليوم ، قبل أيام مضت ، حين كنت لا أزال موظفة في تلك الشركة التي أحب وصفها ب “اللعينة” ، و كنت مضطرة يوميآ لمواجهة ذاك المدير السيء .

في الحقيقة كان مجنونآ بالكامل ، فهو يفقد أعصابه تجاه أبسط الأشياء ، حتى أنه لا يسمح لأحد بأن يقدم شروحات لأي إشكال يحدث . و ربما كانت أحد أسباب سخطه علي ، أني و في ذات يوم ، قمت بعمل ( لا يصدق ) حسب تعبيره ، حين استدعاني لمكتبه و كان هادئا على غير العادة ، و بعد أن طلب مني الجلوس ، دون مقدمات أخرج من درج مكتبه علبة صغيرة حمراء ، ذاك النوع الخاص بالجواهر و الحلي الصغيرة ثم تقدم مني و فتح العلبة التي كانت تحتوي على خاتم أنيق به جوهرة صغيرة زرقاء .. قدمه لي على أنه خاتم زواج إن قبلت بطلبه ، معللآ تصرفه بأني أعمل معه منذ سنوات ، و أني أقوم بعملي على أكمل وجه و أفهم تمامآ طباعه و ما يغضبه و ما يرضيه ، بالتالي فهو يرى أني زوجة مناسبة له لأني أفهمه .

فما كان مني إلا أن نهضت و إعتذرت منه بعبارة صغيرة : ( أفهمك نعم ، هذا لا يعني بالضرورة أن أتزوج بك ) .

و خرجت تاركة إياه مذهوﻵ من أن هناك أحدآ يجرؤ على رفضه ، و منذ ذاك اليوم و هو لا يدخر جهدآ في إزعاجي أبدآ .

ذات يوم ( مشؤوم ) من أيام عملي ، و هو ذاك اليوم الذي يعنيه الغريب بالذات ، كنت مشغولة للغاية للتحضير لاجتماع سيعقد بعد ساعة ، أذكر أن المدير جاء و هو غاضب جدآ ، و سألني عن أوراق معينة تخص معاملات مالية مع عميل مهم للشركة .

كنت حريصة دائمآ على الحفاظ بكل الأوراق و الفواتير التي أحصل عليها و أحفظها عن ظهر قلب ، كي أتحاشى أي مواقف معقدة أو مشكلات قد تحدث في حال ضياعها أو حدوث أي خطأ بشأنها .

و كنت موقنة جدآ أني لم أستلم منه أبدآ تلك الأوراق التي تحدث عنها ، و كان الجزء الأسوأ هو اتهامه لي باعتقادي أنه يكذب .. مما أثار حفيظته و جعله يصرخ بصوت عالي ، و اتهامي بالإهمال و عدم الإلمام بقواعد العمل .

كنت صامتة تماما ، و لم أكلف نفسي أبدآ عناء البحث عن شيء أدرك أنه ليس بحوزتي ، خرجت من مكتبي و إجتزت بخطى واثقة الممر الطويل الذي يفصل بين مكتبي و مكتب هذا “المعتوه” ، و أخذت أقلب الأوراق المتكدسة في طاولة المكتب خاصته ، أدراجه و رفوف مكتبة صغيرة ، إلى أن عثرت على ملف صغير باللون الأخضر ، راجعت محتوياته ثم استدرت و مددته للمدير الذي كان تبعني إلى مكتبه و هو لا يزال يصرخ بكل ما أوتي من فراغ !

أليس هذا ما تبحث عنه ؟

هكذا سألته .. و أنا أمد له الملف و على عيني نظرة تحدي و غضب .

أنتزعه من يدي و أخذ يبعثر أوراقه بتردد و يدين مرتجفتين ، رويدآ رويدآ بدأ صوته يخفت و هو يقول بنبرة عدوانية ، لماذا ألقيته هنا ؟

أجبته بحسم و حزم : أبدآ لم يكن بحوزتي .

و بدأ من جديد يحاول إتهامي بالكذب و الإهمال ، حين إلتفت إليه قائلة : تبآ لك .. طفح الكيل !

ثم أسرعت إلى مكتبي ، طبعت له إستقالتي و حملت حقيبتي ، مررت على مكتبه و وضعت الورقه أمامه و إنصرفت غير آبهة بما يقوله .

كنت أقاوم رغبتي الملحة بالبكاء ، و أنا أجتاز الشوارع بخطوات واسعة مسرعة ، لم يكن الحصول على سيارة أجرة بالأمر الساهل في وسط هذا الزحام . فاضطررت أن أقطع المسافة مشيآ إلى أن بلغت المنزل ، فدخلت و أنا منهكة بالكامل .

سألتني أمي بعد أن تبعتني إلى غرفتي إن كنت أشكو من خطب ما ، فأخبرتها أني متعبة فقط و أحتاج للنوم

كان الغريب يسرد لي أحداث ذاك اليوم كأنه شاهد عليها ، أو أنه كان معي ..

حين قال لي : ثم عرفت أن هذا منزلك .

سألته بحيرة و إندهاش : ماذا ؟؟

من قص عليك كل هذه الحكاية !! و كيف عرفت أنه منزلي ؟!!

كنت مذهولة جدآ بينما هو يدير ظهره لي و يحدق بهدوء من خلف الزجاج ، إختناق المرور و إكتظاظ الطرقات بالمارة .

إستدار لي ببطء تاركآ أشعة الشمس خلفه ، و وجهه معتم قليلا بالظل ، إبتسم و قال :

حسنآ .. أنا مدين لك بإعتذارين .

أولهما : أني تتبعتك إلى منزلك و كنت أراقبك طوال الأيام الثلاث الماضية .

ثانيهما : أني و بشكل غير مقصود كنت السبب فيما جرى لك .

نهضت بدوري و وقفت بمواجهته و أنا أقطب حاجباي ، عاقدة ساعدي أمام صدري ، و سألته بلهجة جدية :

-من أنت ؟

– بإبتسامة .. ( أنا العميل )

– و هل قص عليك ذاك المجنون كل هاذي الأحداث !

(بعد سؤالي أدركت أنه سؤال غير منطقي ، فالمدير محال أن يقص الموقف بطريقة توضح أنه مخطئ ، كما أنه لايعرف عنوان مسكني بالضبط )

أجاب الغريب ببساطة : كنت أنتظر في مكتب المدير ، و كان واضحآ لي تمامآ أنك لا تريني في غمرة غضبك ، فقد مررت بقربي كثيرآ دون أن يبدو لي أنك تشعرين بوجودي .

و كنت محرجآ للغاية من تصرف المدير مما جعلني أعدل عن قرار التعامل معه ، فقد أوضحت لي فظاظته في العمل و سوء تصرفه أن العمل معه لن يكون أبدآ قرارآ صالحآ .

فما كان مني إلا أن التقطت منه الملف معتذرا و أسرعت كي ألحق بك ، كل الذي كنت أبغيه في الحقيقة ، هو الاعتذار لك عن كل ما حدث ، لأني بطريقة ما كنت السبب في ذلك .

كنت أنصت باهتمام .. و بعد أن فرغ من حديثه سألته بارتياب : إذن لم يكن لقاء المقهى صدفة !

أجاب : بلى .. لم يكن صدفة .

و عرضك لي للعمل معك بدافع الإحساس بالذنب أليس كذلك ؟؟

قاطعني قائلا :

كلا .. أنا بالفعل كنت بحاجة لموظفة سكرتارية خاصة بمكتبي ، و كنت قد أدرجت إعلان صغير بالصحف اليومية بهذا الخصوص ، و تلقيت العديد من طلبات العمل ، لكني كنت قد إتخذت قرار بأنك المناسبة للوظيفة .

بينما كان يشرح لي الأمر ..

سمعت صوت نقرات خفيفة على باب المكتب ، ثم فتح الباب و ولجت شابة جميلة للغاية ، تقدمت منا مبتسمة و ألقت التحية بلطف ، قبل أن تعتذر قائلة : المعذرة هل قاطعتكما ؟

أجابها هو بابتسامة : كلا يا عزيزتي .. كنا قد أنهينا حديثنا فعلا .

ثم تأبط ذراعها بزهو و سعادة قائلا لي : هذه ….

كنت قد أغمضت عيني بطريقة لا إرادية لكي أتلقى الصدمة ، و إبتلعت ريقي بصعوبة .. قبل أن أسمعه يكمل عبارته .. ( هذه .. أختي الصغرى ) .

فتهللت أساريري ، و مددت يدي أصافحها بسعادة ، و كنت على وشك أن أعانقها و أقبلها على وجنتيها من فرط تلك السعادة التي لا مبرر لها كونها لم تكن ( خطيبته أو زوجته ) .!

أردف يقول مبتسمآ :

جميل أنكما إلتقيتما ، فقد كنت أنوي بالفعل أن أعرفكما على بعضكما البعض ذات يوم .

ثبت جوهرتاه من جديد على عيني بنظرة ذات مغزى

فهمتها لاحقآ حين كان يتأبط ذراعي و نحن نجتاز ذاك السجاد الأحمر بينما نلوح بسعادة للمدعوين و ثمة ورود صغيرة تتناثر فوق رأسينا .

 

( تمت)

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

اترك تعليقاً