الرئيسية / العدد الرابع عشر / اللحظة الأخيرة

اللحظة الأخيرة

10357127_339463576234364_3940346385325484440_n

شيماء الرشيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في اللقطة الأخيرة نسجل حياة غنية داخلنا لم تخرج بعد، أحلام قادمة، وأمنيات بحجم الكون، ننظر إلى أبعد مما أمامنا، فنرى وجوه أشخاص أحببناهم وعشنا معهم، ووجوه أشخاص اختلفنا معهم وشاكسناهم كثيراً ولم يعد هناك قليل من الوقت لنعتذر.

في اللقطة الأخيرة ينقطع الألم من حياتنا بكل أشكاله، حتى لو كنا عالقين تحت أنقاذ منزل متهدم، أو ملطخين بدمائنا بعد حادث مروري، أو واقعين تحت تأثير مرض مؤلم، ويختفي قصر النظر الذي كان يشوش علينا الرؤيا فنرى الوجود ناصعاً بهياً، نسافر في محطات حياتنا، ونزور مدناً لم نذهب إليها، وبلاداً تسكننا ونسكنها من على البعد، نعود إلى النقاء الأول للروح الذي لم يتدنس بآثام الأرض.

نتذكر من الأم حضنها، ومن الأب حرصه علينا، ومن أحبابنا جمال خلقهم وخلقهم، ومن أصدقائنا عمق مشاعرنا في كل لحظاتنا معهم، تأتينا ضحكاتنا وتفاصيل أفراحنا الصغيرة عن يمين الصورة وشمالها، نحاول أن نعي كل ما فيها قبل أن تذهب ويأتي غيرها، في زمن لا منتهي، يجمع الحياة بين أيدينا.

في اللقطة الأخيرة تتبخر الأحلام العصية، نشعر لأول مرة بأننا أقوى منها لأننا لا نريدها بعد الآن، نتأمل النعم الذي ظلت تعمل في خدمتنا دون كلل أو ملل، دون أن نحمل أنفسنا يوماً عناء التفكير فيما تفعله وكيف تفعله وكيف ينتظم جسمنا في منظومة رائعة ليدعم بعضها بعضاً، نعي مراجيح الصحة والمرض، والعافية والبلاء، والفرح والحزن، والنجاح والفشل، بحكمة فيلسوف إغريقي أو زاهد اتخذ من الأرض مكاناً قصياً.

نتصالح مع الأشياء التي لا نحبها، ونعترف بأشياء فعلناها ولم نخبر بها أحداً، تخرج أسرارنا وعواطفنا وكل ما خبأناه داخل صدورنا كفراشات ملونة تجوب الأرض بحرية حرمت منها زماناً، وتنخفض أحاسيس العظمة والكبرياء داخلنا إلى أدنى مستوىً لها منذ ولدنا، فنتساوى مع الحجر والشجر والأفلاك وقطرات المياه ونطير فوق السحاب، وتتساوى الرغبة في الحياة والموت فكما عشنا كل هذه الحياة الحافلة فأهلاً بالموت كتجربة ستجعلنا أكثر صلاحاً في الفرصة الثانية للحياة والتي بالتأكيد سنطلبها، وبالتأكيد أيضاً لن نحصل عليها.

تتوقف أطرافنا عن الحركة وتنشط أرواحنا في آخر نشاط مسجل لها، نسامح ونجمع في ذهننا الصور التي لا نستطيع أن نتركها فنكتشف أنها كثيرة جداً وأننا لن نأخذ منها شيئاً ولن نترك أيضاً لأن أرواحنا بمجرد أن تصعد عن هذه الأرض ستنشر عطراً هو كل ما بقي منها وكل ما ذهب، إن كل حياتها التي عشناها بثرائها وأحداثها وأزمانها المتطاولة وليلها ونهارها وفرحها وحزنها وأملها الذي جاء والذي لم يجيء لا تساوي ولا جزءاً بسيطاً من الثراء الذي تحفل به اللقطة الأخيرة من حياتنا.!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً