الرئيسية / العدد الخامس عشر / زوجة منذ زمن بعيد

زوجة منذ زمن بعيد

img_girls-ly1376065380_618

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

 عندما ولدت كنت أعرف بأني جميلة ,في طفولتي كانت تحوم حولي الفراشات وفي شبابي عندما أنام يغفو النحل في شفتي وكل هذا من غير مبالغة كما يفعل الشعراء بمتن القصائد !

عندما بلغت سن الرابعة عشرة وقعت بالحب تعثرت به وسقطت , كان حبيبي يخبرني بأنه يحب شعري الأشقر وأنه يذكره بأوراق الخريف وثمار المانجو ,عندما قبلني في عيد إستقلال البلاد رأيت نجوما تلمع , شعرنا بأننا عملاقين وأن كل أهل مدينتنا يروننا نقبل بعضنا .

رغم ذلك كنا بريئين ووصفنا القبلة :كأنها جرعة ماء بعد ظماء . حذرتني أمي كثيرا من الصبيان وهم حذروني كثيرا من كاهن الكنيسة الذي يتحرش بالأطفال , ذات يوم وجدوه مقتولا تحت الصليب , بجوار الشموع المطفاءة وإختلط دمه بالماء المقدس ورقائق الذرة . قال لي حبيبي : أنا قتلته لا تخبري أحدا . في ذلك الوقت رأيت غرابا ينظر إلينا , علمت بأن الغراب سوف يلتقط روحه , عانقته طويلا في تلك اللحظة وبكيت , بكيت كثيرا !

ذات يوم تسلق الشجرة مثل روميو ودخل إلى غرفتي كان يرتدي سترة جلدية تشبه سترة مايكل جاكسون , وهل أخبرتكم بأنه يكبرني بعشر سنوات وأنه يحلم بتغير العالم !

قال : هيا أهربي معي . !

قلت له بصوت هامس : بشرط أن تتزوجني !

 مسد شعري وقال لك هذا ولكننا لن نقدم عهودنا أمام أي كاهن أو رجل دين سوف نفعل ذلك أمام هذه الشجرة وأغصانها هم شهودنا والنجوم أنوار خيمتنا . أمام الله يا حبيبتي أعلن بأني أريد أن أتزوج منك !

 فقلت له وأنا أشد يدي فرحا : أقبل بك زوجا .!

حينها شعرت بتصفيق مدوي ووخزة في القلب ضمني إليه وقبلني !

ركبت معه في السيارة ثم بدأ وكأن كل مخفر الشرطة يطاردنا لم أكن أسمع صافرات الإنذار ولا صوت مسدسه عندما يطلق النار , كنت فقط أنظر إليه وأتذكر ذلك الغراب عرفت بأنه سوف يموت لم أخبره بذلك ؛ لأنه سوف يشعر بالفزع وكما أنه سوف يقول لي بل سنعيش معا مئة عام ونشهد إنهيار هذا المجتمع الإستهلاكي !

رأيت الدم يتدفق من كتفه ,قلت له أوقف السيارة ودعني أودعك بهدوء !

أوقف السيارة ووضع رأسه على صدري , أخذت أمسد شعره وقال : أسف لأني لم أحضر لك خاتم الزواج !

قلت له : لا بأس أنت لم تتح لك الفرصة لتفعل ذلك ,وسألته : هل يمكنني أن أخذ كتبك وأوراقك ودفاترك؟ قال : كل أشيائي لك .وسألني : هل سوف أبدو جميلا لو مت ؟

_ سوف تكون أجمل رجل نائم .!

_ وأتمنى أن تزوريني دائما وأنت ترتدين فستانك الأبيض ذلك .

 _ منذ الآن سوف أرتديه من أجلك فقط . أخرجت من إصبعه المبلل بالدم خاتما كان يرتديه , خرجت روحه عبر جبينه من نفس المنطقة التي كنت أضع شفتي فيها , حتى أنني شعرت بطعمها العذب طعمها مثل شفتيه !

في يوم جنازته إرتديت فستان أسود يشبه كثيرا الفستان الأبيض الذي إرتديته من أجله في عيد الإستقلال , لم أحمل أي زهرة ورغم ذلك رأيت نحلات يحمن حول يدي لهذا كان علي أن أمشي بسرعة !

لم أحزن كثيرا لفراقه , لاني لا أستطيع أن أشاركه مشاعري الحزينة بدلا من ذلك إشتقت إليه وأظنه يشتاق إلي , وكنت أمل أن أراه في المنام كل يوم ورضيت بان يكون شبحا أراه ولا أستطيع لمسه .!

عندما أصبح عمري عشرون عاما دخلت الجامعة في أول يوم دخلتها كنت أرتدي سترته وبنطاله تلك وحذائه أيضا وكان شعري يبدو مثل حقل من قمح في عيون الجائعين , وحفظت كل ما كتبه في دفاتره من قصائد وخواطر وأحببت كل الكتب والأغاني التي عنده . أصبح جزء مني , ولكني لم أبخل على نفسي بشاب مرهف يحلم بتغير العالم كما يحلم بإسعاد المرأة التي يحبها . وذات يوم كان يعلمني كيف أدخن الحشيش وأعيش أكثر في عالم وهمي , ترتشف فيه الأكسجين من قلبك كما ترتشف القهوة . رن جرس هاتفي : أخبرني المتصل بأن والداي ماتا .!

علمت فيما بعد أنهما إبتلعا كثير من الحبوب المنشطة وماتا عاريين . تذكرت ذلك الغراب وأخرجت أرجوحتي في حديقة بيتنا الخلفية كأني أنتظر رؤيته , عندما رأيته تجرعت كأس من الويسكي وقلت كلمة بذيئة وبعدها ( كل الغربان متشابهة ) وغفوت تحت شمس الظهيرة حتى تسمرت بشرتي البيضاء , إتصل بي وقال : هل إنتهيت من مراسم الجنازة ؟ قلت له : نعم وأنا مفلسة .!

 أظنه بصق غيوم من الدخان وقال : لا بأس , تعالي نحن ننتظرك , أنا أنتظرك !

أخذت اليوم بطوله أسترخي في الحمام , وأفكر بغرور بأني ثرية جدا بعقلي وبأحلامي وبالحب أيضا .!

 أستطيع أن أنظر لنفسي في المرايا وأشعر بالسلوان , نمت في غرفة أبواي , أتخيل بأنهما سبب حياتي , كانا فقط يقومان بأمر طبيعي تفعله كل المخلوقات في هذا الكوكب وبسببه جئت أنا . كان من الصعب أن أشتاق إليهما بعد أن كبرت ولكني فعلت , إسترحت لرائحتهما المنتشرة في الغرفة وإستخدمت أدوات زينة أمي وركبت سيارة أبي ووصلت إلى الكلية . كان هو رساما يصعب جدا عليه أن يرسمني عارية أو شبه عارية كلما حاول فعل ذلك يضعني وراء أغصان أو سماء معتمة تزينها النجوم , حتى إتهمته ذات يوم بأنه يكره تفاصيل جسدي , لم يكن ثوريا لهذا لم أخشى عليه أن يموت برصاص الشرطة أو أن يرتكب جريمة قتل !

 أذكر أنني قلت له ذات يوم : أنا حامل سوف أنجب طفلا .!

قال لي : حسنا !

أنا أحب الأطفال .!

صدمني برده : أنا أمزح معك ردة فعلك غريبة جدا . قال : ليس هناك دهشة بأن يظهر البرق في سماء ملبدة بالغيوم .!

 ثم سألني : هل تتزوجيني ؟ تزوجنا تحت شجرة أمام جماعة من زملائنا وكان راهبنا رجل مسلم ملتحي كان زميلنا أيضا قال كلمات عربية لم أفهمها وقراء أيات من كتابه المقدس وأغمض عينيه عندما أخذنا نتبادل القبل , لم أرتدي ثوب زفاف حتى , ولكن بعد أيام تزوجنا أمام محكمة مدنية وبأوراق رسمية . ولكن رغم ذلك أشعر بأن زوجي الحالي حبيبي وأنني فعلا تزوجت منذ زمن بعيد

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

اترك تعليقاً