الرئيسية / العدد الخامس عشر / فنتازيا الكتب    

فنتازيا الكتب    

Modern-Library-Design-Ideas_03

مأمون الجاك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

(ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ أحدهم ﺃﻥ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻠﻒ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ليس سوى ﺧﺪﻋﺔ ساذجة ، فكل شيء ﻳﺘﻐﻴﺮ ﺑﻌﺪ ﻣﻨﺘﺼﻒ ﺍﻟﻠﻴﻞ ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗُﺒﻌﺚ ﺃﺷﺒﺎﺡ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ من أجداث الرفوف .. فملايين المعارك والهزائم يعاد تمثيلها ، حيوات ﺍﻟﻠﺼﻮﺹ وﺍﻟﻌﺎﻫﺮﺍﺕ ، سير ﺍﻟﻤﻐﺎﻣﺮين ﻭﺍﻟﻤﻨﻌﺰلين… حينذاك ينشأ ﻋﺮﺱ ﻋﻈﻴﻢ ، ﻳﺮﻗﺺ ﻋﻠﻰ نغمه ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ)

– المكتبة

 

في تلك المكتبة ، كانت للكتب على اختلافها رغبات ومخاوف : مجلدات التاريخ تحلم بأن تصير رواية حب تتناقلها الفتيات ، تود أن تستبدل صليل السيوف بوميض النظرات العاشقة ووقع سنابك الخيول بالقبلات الساخنة .. الصحف تتمنى لو أنها أكثر عمقاً وبعيدة عن الإشاعات .. الكتب القديمة ، والتي لم يلمسها أحد منذ أجيال ، تخشى أن تموت وحيدة … لكن الأمنية التي اتفق عليها الجميع كانت في أن تتغير الأحوال السيئة للمكتبة : الغبار الخانق والمتراكم منذ زمن ليس بالقصير ، الأرفف المتآكلة التي تكاد أن تنهار ، الكتب التي استُعيرت ولم ترجع ، والتي سُرقت وضاعت ، والتي انتهت قصتها كلفائف لحفظ الطعام.

 

 

في كل ليلة تتوزع الكتب في مجموعات ، على أرضية المكتبة يتناقشون ويحتسون الفكر ، ويستمرون في المسامرات حتى الصباح ، حين يعود كل كتاب الى درجه لا يوقظه الا قارئ ما. دائما ما تكون الحلقة الأكبر تلك التي تلتف حول كتاب عجوز باهت اللون منزوع الغلاف يدعونه – الأب الحكيم – ويقال بأنه يعرف ما كان وما لم يكن وما سيكون ، تجده يفصل بينهم في جدالاتهم ولغطهم ويكرر عليهم مقولته الأثيرة : لقد عاصرت حروباً وحرائق لمكتبات كثيرة ، المتضرر الأكبر فيها ليس الانسان وإنما الكتب ، لكن ما فقدته من أصدقاء بسبب التعصب الفكري أكبر مما فقدته بسبب الكوارث .

 

 

في تلك اللحظة مرت رواية مبتذلة بالقرب منهم كاشفة عن صفحاتها ، فصرخ كتاب ديني محتجاً على ذلك العُري : انظروا الى أين أوصلتنا ليبراليتكم ؟ لا يمكن أن أسمح بهذا الفجور هاهنا .

 

رغم أن اعتراضه بدا مقبولاً لوهلة ، إلا أنهم يعرفون أن المخادع يود أن يضم الرواية لرفه الملئ بشبيهاتها – طبعاً بعد تغليفها بالسواد. ضحك الأب الحكيم وأراد تغيير اتجاه الحديث قبل أن يتحول الى جدل بين الدين والحرية ، حينها لمح مراهقا فسأله : كأنك تريد أن تقول لنا شيئا ؟

احمر غلاف ذلك الكتاب خجلا وتلعثم : في الحقيقة … لقد وقعت في حب مجلة ، انها فاتنة وجميلة ، لكني لا أدري هل ستقبل بي أم لا ، أفكر في أن أهديها كتاباً لعلها تزداد وعيا.

ابتسم له العجوز : كما تعلم ، فالمجلات سطحية وتهتم بالمظهر لا الجوهر ، لا تعطها كتابا فقد تعشقه ، ولكن اجعلها تقرأك أنت.

 

 

في ركن آخر من المكتبة ، غير مسموح بالجلوس فيه إلا لكتب بعينها ، احتدّ نقاش عن الالهة والأديان ، ونشبت مشاجرة تطايرت على إثرها الأوراق وعمت الفوضى ، فكلٌ يزعم أن كاتبه هو الاله الحقيقي ، الكتب اللاهوتية تدعي أن الذي بداخلها هو الاله الصحيح ، الصحف تعتقد أن الرقيب هو الرب ، أما الملاحدة فينفون كل ذلك ويقولون أنهم كانوا في البدء أشجاراً ثم تطوروا ليصبحوا أوراقاً ، وأنهم ليسوا سوى نتاج تزاوج الحبر والورق .

 

– الكتب خالدة ، لا يوجد بعث لأنه لا يوجد موت ، حتى لتلك التي احترقت وضاعت … ثم هل هنالك جنة كالمكتبة أو جحيم أسوأ من العمى ؟

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً