الرئيسية / العدد الخامس عشر / نافذة نصف مواربة !

نافذة نصف مواربة !

the_window

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“أواه ، كم أن هذا الليل فظيع وبائس.. وكم أنه لا منتهي ولا مبتدئ.. ولا مستقر على حال. أواه ، من ظلمته العميقة ، الآخذة من ضحالة الترع -جانبي النيل- قاعاً لها ، والمكتسية من فزع الطين الميت ، على الضفاف ، إطاراً مغيت. أواه من الغلس الجاسم فوق أنفسي ، الكاتم لصدري ، والسارق من أعيني السكينة ، ليمنحني كل السهاد.. أواه ، أوااه”

هكذا ناح الجد ، في عتمة الليل.. مستأنساً بصوته الخافت ، المشابه لخطى الظلال بين مروج القمح ، وبشوقه الدفاق ، الفائق لفجعة الأرامل في صباحات الأعياد… ناح ، وعلى طول الليل البهيم ، مثبتاً بؤبؤي عينيه على زجاج النافذة ، حيث كان لايزال هنالك بعض شتاء عالق يصدح كعزرائيل ، وحيث النُجم الملألأة ، مد بصره ، في صفيحة السماء ، كأدمع النخل القديم..

: “..أوااه”

هامت بالجد الذكريات ، كلها معا.. تقافزت على كاهله المريض ، بغيرما إشفاق ، تكالبت كضباع الأسى تنهش ما بقى من البدن الناحل ، تمزق له الأفئده ، وتؤرق مهجع النسيان…

: “رباه من شتاء ما عاد بذات صقيع الماضي ، يغرز أنصال البرد في عروقي الدفيئة. رباه.. حتى الشتاء ، شاخ وبات عجوزاً يموت بلطف على ملمس الجلد.. رباه ، يا رباه البارئ ، حتى شتاؤك ذا الذي خلقته بأنفاس طاهرة ، طيبة.. مات منذ أمد. وأنا يا غافر ، الذي أنشأتني من صلصال الترع الأخضر و الآسن.. تركتني إلى أن خيل لي نسياني من رحمتك ، فسبحانك الذي لا تنسى ، وسبحانك الذي ننساك ، ونتذكرك في الحوائج.. أرحمنا ، أرحمني.. أرحم هواني وضعفي ، أواااه..أوااه”

لم تصح الديكة عندما تبين الخيط الأبيض من الأسود في ذاك الفجر ، ولم تنهق أي حمير ماجت في الحقول.. لكن وحده الجد ، وبقشعريرة لم يكن للشتاء المقتول يداً بها ، عرف أن الصبح حاضر ، فهدأ نبضه المضطرب ، وسكتت مقلتيه عن الدمع صحبة نداءات الأذان الأول.. فالثاني.. فأغمض طرفه وهو يرتل صلاة الفجر بنجاسته… وأخذته سنة و نام!

***

– ( يابا ، يابا ، يابا.. شن خبارك وشن صباحك؟)

– انتفض الجد فزعاً وسأل: (مِنو إتْ !؟.. عزراييل؟)

– ( أنا الرضي يابا!)

– ( منو الرضي؟ عزراييل؟!)

– ( الرضي ود علي، ود حميدان، ود المجذوب!)

– ( ..عزراييل؟!)

– ( جدي المجذوب ، المبروك.. إتْ خرفت خلاااص!) وقفز الرضي كسمكة المستنقعات إلى جانبه ، فأتكأ ظهره على راحة بطن جده البيضاء ، وصار يجول ببصره في فضاء الغرفة.. إذ كان مايزال البلاط يعبق برائحة بصاق التبغ والبول ، وكانت الجدر المزكمة بالغبار ، شاحبة وفاترة الشروخ.. ووحدها النافذة الزجاجية ، نصف المواربة ، من كل الأوضة ، كان لها المتسع لترقص.

أشغل الرضي المزياع القابع على الطاولة ، على بعد مدة يد.. فزعق الراديو ، ثم كالعبيد مالبس أن خفت ، فخرجت منه حشرجات الطنبور تنهيدات حميمة ؛ ربما لسبب ضعف مزود الطاقة ، و ربما لأن الشتاء الميت ، كان ميتاً فقط لدى إحساس الجد..

(هي اقيف يا الطيف اقيف..

اقيف وارجاني،

وين فايتني عابر..

وأنا شِنْ حارس وراك ليل تاني..

ياني معاك مسافر..

ووووين.. حتى الطيف رحل خلاني ،

ما طيب لي خاطر..)

وثب الرضي نازلاً كما صعد ، كما أسماك الطين اللزجة ، راح يدور ويرقص في كل الأوضة ، يعوم في موجات الراديو ، يسبح ويصفق الصمت بزعنفتيه ، والجد المضطرب ، أحس بالغرق!

(وووين.. حتى الطيف رحل خلاني ،

ما طيب لي خاااطر…!)

 

***

-سأل الجد : (آ وليدي، إتْ التاني ولدوك متين؟!)

-قال الرضي : (أنا يا يابا عمري أربع سنة.. وأنتا يا جدي جيت متين..؟!)

تنهنه الجد على وقع السؤال ، فكر ملياً في عدة إجابات مقنعة ، لكنه فتح فاه فاغراً وسكت ، استصحب جل حكاياته الضائعة ، فتش بين كلام “الحبوبات” ، وإلى آخر ما يمكن لإنسان في عمره تذكره ، جال في ذاك الجزء من النسيان ، حيث الأشياء مبهمة وغير معنونة الأسامي ، تماما كخُدّج حديثي الولادة.. وحينما عجز عن تذكر شيء ، هز رأسه قليلاً وقال : (أنا جيت زمان، زماان، زمااان، زماااا…!) وظل يردد الزمان ، كأنه عنى زماناً موازياً لا يمكن حسابه ، زماناً نسيه منذ زمان!

توجس الرضي من نظرة جده التائهة ، خاف للحق من الزمان و اللا زمان ، وتمنى من الله لو أن يسكت الجد.. لكن الجد ضحك ، بصوت السواقي القديمة ، بقهقهات الجداول في المروج ، وبترنيمات الأحاجي: (قطع البحر بلا عضم بحر.. دا شنو؟)

..(كان شالوه ما بنشال ، وإن خاوه سكن الدار.. ودا شنو؟)

..(ملكين في ككر ، إن غاب واحد التاني حضر.. ديل منم؟)

..(وشدرة فوق القيف ، لا برم ولا عليف ، ودي شنو!؟)

وحينما بدأت نشرة الأموات الصباحية على المذياع ، التي لم يلحق بها المجذوب ، نام الجد والراديو معاً ، فتسلل الرضي مسرعاً إلى الخارج!

***

كان الجد ينوم نوماً عميقاً ، فيصدر غطيطاً يكشف مدى الإجهاد ، حلم أولاً بأنه زرع النعناع في الصباح ، ثم رأى نفسه في قلب قوز “أبو ضلوع” تائهاً وبلا هدى ، لكنه عندما وجد بأن روحه حمامة ، ابتسم..

– (يابا صحيت؟ ، جاك محمد ود الحسين بيسلم عليك!)

– (حبابك أهلاان!) …

– (كيفك يا جدي؟)

– (الحمدلله) ثم سرح الجد مع نفسه ، بذات صوته الداخلي المشابه لخطى الظلال:

“آااه ! لماذا لا يأتي عزرائيل ويسلم ؟! ولماذا يكتفي فقط بالجلوس عند كوة النافذة نصف المواربة ، جل الليل ، ولا يدخل؟! أنا أراك يا عزرائيل مشفق من كثرة الذنوب ، وأحسك تبكي رفقتي من طول أمانة الرب ، فمتى يحن الوقت يا عزرائيل.. يا الله متى؟”

– (يابا المجذوب أنت ما عرفتني صاح؟!) سأل ود الحسين،

– (كيفن ما خبرتك ! الحسين أبوك كان أكتر من شقيقي ود أمي وود أبوي)

-قال ود الحسين وهو يبتسم: (الله يرحمك يا أبوي الحسين ، كان بسأل منك طوالي…)

فجأة جاشت نفس الجد ، وبصوت الظل الصامت:

“هه ، أحتى الحسين سلمك الأمانة ؟! وأنا المكبوت لا أدري.. منذ متى؟ أفي المرة التي لم تحضر فيها للجلوس على شرفتي يا عزرائيل ؟! ائستحيت ليلتها من أن أنظرك في عينك الناعستين؟ آاااه يالحسين ، ألأني مريض دسوا عني خبر رحيلك ؟ ألأجل ذا جئتني في المنام وبكيت؟! آآاه يا ربي ، ثبت قلبي ، يا رحمن ، رحماك بي ، رحماك..” ثم سالت الدموع غزيرة.. وهزّه النخيج وتفاقم نحيبه المحطم.

عرف محمد ود الحسين أن الجد المجذوب ما كان يعلم بعد بوفاة صاحبه ، فرفع الفاتحة على روح أبيه مع الجد ، وغادر مطأطأ الرأس…

***

أحس المجذوب بالضيق ، كأن الغرفة أطبقت عليه ، كأنه دخل ظلمة القبر الحالك ، ناجى: “رباه.. لا اعتراض ، إنه حكمك ، وأنا عبدك المجذوب الممتحن بالصداع ، رحماك وعطفك ، فما عاد رأسي يحتمل هموماً أخر.. رباه ، جلدي منكمش من كثرة الرقاد ، ملتهب من طول العمر ، لا اعتراض ، إنه لحكمك ، وأنا عبدك العاجز عن الحركة ، الطاعن في السن ، الذي يصلي لك بالنجاسة ، هل ستقبل؟ رباه.. لا اعتراض ، إنها مشيئتك ، وأنا عبدك التائب إليك ، ثبتني.. ثبتني!” وصلى الجد الظهر ونام..

***

عندما استغيظ الجد لم يكن يدري بأنه استغيظ من النوم أم أنه مازال يحلم ، ولم يعرف إن ما مات أو مازال ينتظر ، وعندما وجد الشرفة ترقص بتسبيحات الملائكة ، سأل بصوت مسموع: (عزراييل.. ما خلااص؟)..

رأى الجد كيف أن الملك هز رأسه بأنه يجهل ، فقال:(عزراييل.. خابر أنا تعبت بالحيييل!؟.. وجسمي المهدود عاد ما بتحمل ، بس والله أنا صابر ، والله العظيم صابر ، صابر ،صااا..) وحينما ارتفع صوت الجد كثيراً.. استيغظ ، لكنه مازال يجهل ماهية سكينته ، هل هو حي أم ميت ، أم مستيغظ ويحلم… وفي ذات الوقت الذي أحس فيه بأنه حمامة جبل بيضاء ؛ لأنه ما عاد يحس بالسرير.. استيغظ ، وطار.. ولحظتها استيقغظ مجدداً.. ثم استيغظ ، ثم استيغظ من يغظته!

(عزرايل أنا مستنييك!)

: (..يا أبوي، أنت بتحاجي في منو؟) تساءلت ابنة الجد بحيرة ، وهي تشاهد هزيان أبيها المتقطع.. قدمت له الدواء ، حبتان حبتان.. ثم بدأت تحممه كالأطفال ، مررت يدها المبللة على سائر الجسد ، برفق تلمست جلدته التي تكاد تتنزعها الأصابع ، ثم سكبت الماء الدافئ عليه.. ظن الجد لوهلة بأنه صبي داخل ترعة يسبح إلى مالانهاية ، فضحك.. ثم مالبس أن شحب وجهه وأظلم . قامت أيضا -ابنة الجد- بحلق ذقنه ، رتبت له شاربه الأبيض ، ووقت أن قلمت رؤوس الأظافر ، ضحك ، لكن وجهه المجعد سرعان ما بهت..

قالت بنت المجذوب مداعبة: (إنتا يا يابا ماك داير نعرس ليك؟)

لم يجب الجد ، على غير عادته ، ثبت نظره عند النافذه.. ونام!

***

رأى “المجذوب” نار جهنم تقتحمه ، تحرق كامل جسده الهزيل ، وتطقطق العظام كفحمات ، فانتابته عاصفة الرهبة والفزع ، وبكى كما لم يبكِ من قبل ، وعندما استفاق تساءل عن ماهية الموت ، وبحث عن إجابته تلك في رحم الذكريات ، بصوت الظلال الأبكم: “… لا بد أن يكون الموت أكثر وحشة من توهان قوز أبو ضلوع ، في رحلتي من حلفا أقصى الشمال إلى الدويم راجلا على قدمي.. لابد وأن تتورم ساقاي وأصاب بالملاريا ، لابد أنه كذلك.. وأنه عندما يأتي ، سيصيبني بذات اصتكاكة الأسنان للثلج ، يوم أن شربت أول كوب ماء بارد.. وربما يكون غريبا كشعلة البتجاز ، كصوت الهاتف ، أو جنون التلفزيون ، من يدري.. لكن لابد من غرابة كتلك” وضحك الجد متمنياً لو أنه ذات الحمامة البيضاء التي ذبحها فلطخته بالدم..

..

-: (وآآ شريري..!)

ارتجف الجد بقوة ، ارتعدت أذناه من حدة الصدى ، توقفت نبضات قلبه ، وتخثرت دماءه داخل العروق ، صرخ: (يُمّا!؟)

-(آآ جناي، آآ حشاي تعال .. تعال.. تعااال!)

-( يما أجيك كيف؟ يُمّا؟!.. يُمّا أنا فترت خلاص!.. يما دليني الدرب!؟)

-(آ جناي المجذوب ، قوم أنفض غبارك!)

تلفت المجذوب يمنة ويسرة ، لكنه ما إن نظر عبر النافذة الزجاجية ، نصف المواربة ، جهة السماء.. حتى وجد وجه أمه يضحك كالشفق ، وخدها بوحمته السوداء وشلوخه ينير الكون.. وما إن أمعن النظر.. حتى عثر على كل الوجوه التي أحبها يوماً ورحلت ، تناديه وتؤنسه.. قال: ( هَي ، داك الحسين .. ودااك أبا.. هَي ، وديييك الحمامة).!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً