الرئيسية / العدد السابع عشر / أحمد مُراد .. الواقف خلف السّد

أحمد مُراد .. الواقف خلف السّد

main

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 **

إذا ما وقَعت يدك على كتابٍ ما ذات يوم فطالعتك على غلافه المُصمم بعناية صورة مثيرة مُشوّقة ، و على غلافه الخلفيّ صورة شاب ثلاثيني أصلع الرأس يضع نظّارات ذات إطار سميك ، ثم قُمت بتقليب صفحات الكتاب فأحسست بأنك تقلّب مشاهد فيلم إثارة و جريمة غامض ، كل صفحة هي لقطة من الفيلم ، لقطة محبوكة و جيدة الإخراج ، شخصيات عميقة و تضِجّ بالإنفعالات ، حوارات واقعيّة و تدور بالعاميّة المصرية _حينها_ إعرف أن يدك قد وقعت على أحد كُتب أحمد مُراد..

أحمد مُراد الكاتب المصري الشاب ، الذي إنتشرت رواياته في الآونة الأخيرة بين الشباب كالنار في الهشيم ، حتى وصفه البعض بأنه أفضل روائي عربيّ منذ مطلع القرن الحاليّ .. أصدر حتى اليوم أربع روايات ، “فيرتيچو” عام 2007 و التي طُبعت عِدة مرات و أُنتجت كمسلسل أيضاً .. أعقبها بتراب الماس عام 2010 و التي طُبعت أكثر من سبع مرّات حتى الآن و هناك خُطة لتحويلها لفيلم قريباً .. ثم “الفيل الأزرق” 2012 أكثر رواياته شهرةً والتي أُنتجت كفيلم سيُبث قريباً .. و أخيراً الرواية التي كسر فيها نمطه المُتبع في الراوايات السابقة “١٩١٩” في العام الحالي ، و الجدير بالذكر أن كل رواياته قد تُرجمت لعدة لغات..

دراسة مُراد للتصوير السينمائي كان لها أثر كبير في رواياته ، فَعَمِد لأسلوب الكتابة السينمائي ، و إهتم بالصورة و الحركة إهتماماً يكاد يكون في بعض الأحيان على حساب الكلمة و المعنى .. ليس لكتابات مُراد أي غاية أو هدف فلسفي أو رسالي ، و السؤال عن ذلك سؤال عبثي و سخيف صراحة ، إذ أن ليس للعمل الأدبي غاية ، بل هو غاية في حد ذاته ، مجرد وجوده يحقق لون من ألوان الحركة الشعورية تدفع عن طريق غير مباشر إلى تحقق آثار أكبر و أبقى .. كِتابات مُراد تتمحور حول الجريمة و الإثارة التي يمكن وصفها بتحفظ بالبوليسية ، ما عدا روايته الأخيرة ١٩١٩ التي جاءت تاريخية..

* فيرتيچو:

“أحمد كمال” الشاب المصوّر العادي جداً .. يعيش أيامه برتابة إلى أن يشهد يوماً بالصدفة جريمة قتل جماعيّة في البار المشهور “فيرتيچو” ، يُقتل صديقه في الحادثة ، و يصوّر أحمد كل ذلك من حيث يراهم ولا يَروْنهُ ، فيلقي ذلك عليه بمسؤولية ثقيلة ، وهي كشف الحقيقة للجميع .. و تزداد تلك المسؤولية ثقلاً عندما يتعرف أحمد على “جودة” ، المصوّر العجوز في الكابريه الذي يعملان فيه سوياً ، و يرث أحمد عن “جودة” الكثير من الأسرار التي كان يحتفظ بها الأخير عن مرتادي الكازينو من الطبقات العليا في المجتمع ، فيشرك أحمد صديقه “عمر” معه في السر ، ثم ينضم إليهما الصحفي النزيه “علاء جمعة” ليعملوا سوياً على كشف فضائح و فساد طبقة السياسيين و رجال الأعمال في مصر في فضيحة مدوّية ، تتخلل كل ذلك قصة حب هادئة بين أحمد و الفتاة الصمّاء “غادة”.

“فيرتيجو” هي أول كُتب أحمد مُراد ، و يظهر ذلك جليّاً من حيث إفتقارها للنضج الأدبي ، و بعض الزلّات الأخرى ، مثل الحشو الزائد و الإسهاب في الوصف أحياناً بلا داعٍ حقيقي سوى زيادة حجم الكتاب ، خاصة وصف الكابريه في شارع الهرم و قصة “آية” أخت أحمد التي لم تخدم أي هدف في الرواية .. يظهر تأثّر الكاتب الواضح بأحمد خالد توفيق _مثل معظم من يكتب من الشباب_ خاصة في أسلوب السخرية .. كما أن الشخصيات نمطيّة للغاية تفتقر للإبداع و الإبتكار ، عدا شخصية “جودة” التي منحت الرواية بعض السحر و العُمق ، السحر الذي كان من المفترض أن تمنحه للرواية شخصية الرجل الغامض _الذي لم يُمنح إسماً_ و يرتدي الخاتم المحفور عليه حرف G ، الشخصية تم زجّها زجاً لمنح الرواية بعض الماورائية ، لكنها لم تفعل سوى أن أربكت القارئ و إختفت بطريقة غامضة غير مفهومة في النهاية .. إعتمد الكاتب على تيمة البطل المُضاد في الرواية ، البطل الذي لا يملك أيٍّ من مقوّمات البطولة فحاول إظهار أحمد كمال على أنه شاب عادي و بسيط حد الدهشة و نجح في ذلك ..

الحوار طبعاً دار باللهجة المصرية العامية مثل كل رواياته ، و تخللته بعض الألفاظ الخارجة التي اعترض عليها النُقاد .. نقاط تُحسب لمُراد مثل بناء الشخصيات ، الشخصيات متماسكة و منطقية ، يتم التمهيد لأي شخصية تمهيداً وافياً قبل أن تدخل خشبة المسرح ، فيساعدك ذلك على فهم طبيعة الصراعات النفسية المعتملة داخل أي شخصية .. الرواية إيقاعها سريع و الأحداث مثيرة حابسة للأنفاس خاصة في النهاية ، النهاية التي ينتصر فيها البطل الطيب و يفوز بمن يحب..

* تراب الماس:

“طه حسين الزهّار” الصيدلي و مندوب المبيعات العادي جداً .. يعيش مع والده المقعد في شقة في القاهرة .. يُقتل والده في حادثة و يُصاب هو ، ثم تدهمه المفاجئات ، يكتشف عن أبيه ما كان لا يتخيله ، و يربط ذلك بعدة جرائم قتل بسُم تراب الماس ، ثم يتورط هو ذاته في جرائم القتل تحت شعار “ساعات بنضطر نعمل غلطات صغيّرة نصلّح بيها غلطات أكبر” .. كل ذلك وسط جو من فساد السياسيين و مؤامرات الأجهزة الأمنية ، و بالطبع تتخلل ذلك قصة حب بين طه و جارته الفتاة الثوريّة المثقفة “سارة”.

“تراب الماس” هي الجزء الثاني من “فيرتيجو” ، أو الشقيقة الكبرى الأكثر نضجاً و إتقاناً .. التشابه بينهما مُرعب صراحةً .. نفس أجواء الجريمة و فساد السياسيين و طبقة الأثرياء .. نفس تيمة البطل المضاد بين “أحمد كمال” و “طه الزهار” .. نفس إكليشيه صديق البطل العفويّ الثرثار المرتبك و الوفي جداً تظهر هنا في “ياسر” صديق حسين مثلما كان “عمر” صديق أحمد في “فيرتيجو” .. نفس فكرة المسؤولية الثقيلة التي يرثها البطل مُكرهاً ، فحسين هنا ورِث عن أبيه ميراثاً من الدم مثلما ورث أحمد أسرار “جودة”..

تطوّر ملحوظ في لغة الكاتب و طريقة السرد ، و إن كان لم يسلم أيضاً من آفة الحشو الزائد خاصة بعض الحوارات في القهاوي .. المعلومات الطبية و التاريخية كانت دقيقة و واقعية جداً .. التمهيد للشخصيات كان رائعاً ، حيث تم تعقب تاريخهم لمدة تتجاوز نصف القرن بدقة مذهلة .. الحوار العامي مرة أخرى ، توظيف الجنس و الألفاظ الخارجة أيضاً .. تعالج هذه الرواية مثل سابقتها فكرة كيفية عمل التغيير في مجتمع فاسد ، صلاحيات المغيّر ، ما يجب أن يتخلى عنه ، و ما سيواجهه من صعوبات .. كما تتعرض “تراب الماس” لطبقة الشباب الثوريين المثقفين و حياتهم .. و أيضاً في النهاية ينتصر البطل..

* الفيل الأزرق:

“يحيى” الطبيب النفسي بمستشفى العباسيّة ، الذي يدخل في عُزلة اختيارية مليئة بالخمر و المخدرات و القمار لمدة خمس سنوات بعد وفاة زوجته و ابنته في حادث .. يرجع “يحيى” للمستشفى فيتم توزيعه في القسم ٨-غرب ، قسم التقييم النفسي للمجرمين قبل محاكمتهم .. و هناك يجد يحيى نفسه و بين يديه مصير صديق قديم متهم بقتل زوجته .. فتبدأ سلسلة من الأحداث المثيرة تربط بين علم النفس و عالم الماورائيات و الأوشام المسحورة و حبوب المخدرات المهلوسة و الكوابيس في محاولة يحيى لإثبات براءة صديقه ، و يُفتح تابوت عتيق ترقد به قصة حب ماتت منذ سنين..

تغيّر نمط أحمد مُراد هنا قليلاً ، فلا توجد هنا مؤامرات سياسية أو فساد سلطة ، و إن أحتفظ بعامل الجريمة و الغموض .. اللغة جيداً جداً مع وجود بعض الفقرات الغير موفقة .. الشخصيات منسوجة بدقة و هربت قليلاً من النمطية .. تحتفظ الرواية بإثارتها طوال الوقت .. السرد ممتع تتخله بؤر عاطفية فلسفية يقف فيها البطل “يحيى” عاريّا أمام نفسه يحاسب نفسه على أخطائه بكل قسوة .. الرواية حُبكت حبكاً شديداً ، و أضحت خيوطها متشابكة لا مجال لفرزها إلا بطريقة سحريّة ، و هذا ما كان .. تدخل السحر فعلاً ، تحولّت الرواية فجأة لحفلة زار سيئة الإخراج ، و تدخلّت قبيلة كاملة من الجن لإعادة الأمور لنصابها ، و هذا شوّه الرواية بالطبع و أعطى البعض الحق لوصفها بالابتذال .. لكن ما يُحسب للكاتب ربطه لكل هذا بوقائع تاريخية حقيقية مذكورة في كتاب “عجائب الآثار في التراجم و الأخبار” .. في النهاية الغير مفهومة بالمرة ينتصر البطل كالعادة و يفوز بمن يحب..

* ١٩١٩ :

تدور أحداث الرواية في مصر عام ١٩١٩ .. عندما كانت القاهرة تغلي مقاومةً الاحتلال و الوصاية البريطانية .. مزيج متجانس ما بين بيوت البغاء و الجماعات الثورية السرية و فتوّات الحارات و الخطط السياسية الكبرى و حزب الوفد .. من الصعب وضع تلخيص للرواية لأنها تتتبع مصائر عدة أبطال مختلفين بسلاسة و ترابط عجيب..

كسر أحمد مُراد نمطه بالمرة في هذه الرواية ، فأبتعد عن عوالم الجريمة و الغموض و الماورائيات و اتجه للرواية التاريخية .. و بقدر ما أفاده هذا فقد أوقعه في مأزق عسير في نفس الوقت .. فقد غادر مُراد بركته الصغيرة الآمنة _عالم الجريمة و الإثارة_ و دخل نهراً مُطمياً مليئ بتماسيح متوحشة ، النهر هو عالم الرواية التاريخية ، و التماسيح هم الكبار الذين سبقوه في هذا المجال مثل “نجيب محفوظ” و “يوسف السباعي” و “توفيق الحكيم” .. فقد وضع أحمد مُراد نفسه في موضع يجعل لا بد و من مقارنته بهؤلاء العمالقة ، و المقارنة لن تكون لصالحه بالطبع ..

التغيير الأول في الرواية هو توزيعها للبطولة بين أربع شخصيّات بدل البطل الواحد كما في سابق رواياته ، “أحمد كيرة” الثوري الشاب القادر على كل شئ في الحرب و في الحب .. “ورد” الفتاة الأرمينية التي تواجه ظروفاً صعبة طوال الرواية ، و هي في الحقيقة الشخصية الوحيدة التي حاول مُراد الابتكار فيها و لم يسبقه بها أحد ممن كتبوا عن تلك الفترة ، و كان ابتكارا موفقاً نوعاً ما .. “عبد القادر الجنّ” الفتوّة الذي يتحوّل إلى وطني متفانٍ و عاشق ولهان في نهاية الرواية .. “سعد زغلول” و الذي لم يستطع الكاتب أن يتناوله إلا سطحياً لا أدري لعدم توفر المعلومات لدى الكاتب عنه أم لغرض آخر .. و شخصيات أخرى ببطولة جزئية مثل “دولت” و الملكة “نازلي” … يتتبع الكاتب مصائر هؤلاء طوال الرواية ، مصائرهم التي تتقاطع و تتشابك و تتفرق ثم تتجمع ..

نجح الكاتب في خلق الأجواء بطريقة خلّابة ، و حافظ على وتيرة واحدة في حدة الأحداث و إثارتها حتى نهاية الرواية .. نهاية الرواية التي كانت مليئة بالثقوب ، و التغييرات المفاجئة في بعض شخصيات الرواية ، إذ يبدو أن الكاتب كان قد ملّ من إكليشيه النهايات السعيدة التي انتهت بها رواياته السابقة ، فأخرج كل سوداويته و حنقه في آخر صفحات هذا الكتاب ، و عبأ قلمه بحبرٍ سام و شرع في اغتيال شخصيات الرواية بسبب أو بدون سبب ، فكان الأجدر به أن يدخلهم غرفة مغلقة ثم يُطلق عليهم جميعاً الغاز السام

انطلق النُقّاد خلف مُراد مثل كلاب مسعورة ، نقدوا كل شئ فيه نقداً سلبياً حتى صلعته اللامعة لم تنج من النقد .. ساعدهم على ذلك البلبلة الأدبية الحالية ، و ضياع المعالم و سوء الظن المتبادل بين الفُرق و الحقبات الأدبية ، فجاء نقدهم مجافياً للحيادية بصورة كبيرة إلا من رحم ربي .. العمل الأدبي وحدة مؤلفة من الشعور و التعبير ، فيكون النقد المتكامل على هذين الصعيدين .. بالنسبة لجانب التعبير فقد كان مُراد موفقاً إلى حد كبير ما عدا بعض الأخطاء التي كان مُراد يصوّبها تدريجياً مع كل كتاب جديد .. أما فيما يتعلق بالقيمة الشعورية للكاتب مُراد فهنا مرْبط الفرس .. فاللغة العربية تتكون من ثمانية و عشرين حرفاً تتجمع لتكوّن كلمات مألوفة للكل ، كما أن بإمكان كل من قرأ كثيراً أن يأتي بالصور البلاغية المختلفة ، و أن يحبك الأحداث و يجذب انتباه القارئ .. إذن فيما يختلف الكاتب عن غيره؟ الاختلاف الأساسي بين الكاتب و غيره يكمن في إحساس الكاتب المُتفرّد بالكون و الحياة ، وظيفة الكاتب و ميزته هي الإحساس بالحياة في صميمها ، مجردة عن الملابسات الوقتية و الحدود الزمنية ، يحسها كما انبثقت أول مرة من نبعها الأصيل ، فهو يقف عند المنبع و يفتح المنافذ بيننا و بينه .. الكُتاب الكِبار هم الدائمي الاتصال بالمنبع ، أما بقية الكُتّاب فقد حِيل بينهم و بين النبع بسد و حواجز .. أحمد مُراد هو من هؤلاء الواقفين خلف السد ، تصلهم قطرات متفرقة من فوق السد من نبع الحياة فيتلقفونها و يظهر لنا ذلك جليّا في كتاباتهم ، و لكي لا نظلم مُراد فهؤلاء الدائمي الاتصال بالنبع قِلة قليلة يظهر واحد منهم كل عدة قرون..

و لكن رغم كل شئ ، يبقى أحمد مُراد في طليعة “جيل جديد” من الكُتّاب الشباب ، جيل ثائر و متمرد على القوالب و التصنيفات الأدبية التي وضعها أبناء الخمسينات و اعتبروا أن الخارج عنها آثم و ضال .. و أيضاً رغم كل شئ يبقى أحمد مُراد هو الكاتب الأكثر انتشارا حالياً ، و هو الكاتب الذي جعل شباب مواقع التواصل الاجتماعي يعودون للقراءة من جديد .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

لا تعليقات

  1. مقال شامل وجيد، تقييم 10 من 10

  2. مقال شامل وجيد، تقييم 10 من 10

اترك تعليقاً