الرئيسية / العدد السابع عشر / إلى قدر _رسائل من بلاد الغاندي “3”

إلى قدر _رسائل من بلاد الغاندي “3”

4190_21205757214

حفيظ الحاج :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كما أخبرتُكِ يا قدر فإن هذه البلادُ ساحرةٌ وسحرية ومسحورة ؛ أول صباح تتجولين فيها سيصيبك دوارٌ سحري ؛ وسيخيل لكِ بأن هنالك  آلة مسحورة  تأخذُ  بكِ لأزمانٍ غابرة وسحيقة ؛ أو كأنكِِ تتجولين داخل مدينة إعلامية لإنتاج الأفلام الوثائقية التاريخية ؛ التاريخُ الذي عرفه الزمانُ بالاستعمار ؛ ابتداء من الحول الذي باتت عليه الشوارع ؛ ستجدين في الطرقاتِ عرباتَ الحكمدار والمأمور الكلاسيكية تلّوحُ لكِ من على البُعد ؛ تلك السيارات التي فقط نحتفظ بها في متاحفنا التاريخية ؛ستظُنين في البدءِ أن من بداخلها هم ليس مواطنين كبقية الذين يلعقون الصبر من بينهم وتحتهم ؛ من شدة تجبرهم البائن على وجوهِهم   .

كلاسيكيون الهنود _يا قدر_ للحد الذي يجعلك تخشى عليهم  ؛ لم يتركوا إرث أو طبع أو عادة من الإستعمار إلا وعضوا عليها بنواجذهم ؛ يتجولون بكلابهم المستوردة من الإنجليز في الطرقات عند المساءِ كما لو أنهم الآن في مقطوعة من ولاية مانشستر  ؛ خانعون لبعضهم البعض لدرجةِ الإزدراء ؛ فيما يبدو لي لم يتشرّب شيء فيهم كما الخنوع ؛ يتصعدون فوق بعضهم البعض ولسان حالهم يقول : ” أخبرني من أنت لتجلس في مكانتك  ”  فنظام الطبقات هو اليدُ المهيمنة في هذه البلاد ؛ فإن كان قدرُ أباك أن يكون غسّالآ فمن الطبيعي ألا تفكر بغيرِ أن تتعلمَ منه الصنعةَ والحرفةَ؛  فإنه مصيرك الذي يتربّص بك لا محالة .

 يفرقُ  جدآ لديهم أن تخرج من دارِك وأنت ترتدي ربطةَ عُنقٍ  مِن أن تخرُجَ بدونِها ؛ فالربطةُ هنا ترفعُ بك سبعِ درجاتً من فوق الآخرين وعدمها يقذفُ بك إلى عشراتِ الدرجات أسفلَ الآخرين ؛ الأمرُ أبعدُ من ذلك بكثير ؛ فربطةُ العنقِ هذه إن إرتديتها كفيلة بأن تختصرَ لك زمن معاملةٍ رسمية  إلى ربعِ الزمن الذي كنت ستستغرقه بدونِ ذات الربطة .

متغيروا الأمزجة لحد الشفقة عليهم ؛ يحدُث أن يباغتك أحدهم صباحآ بابتسامة تدغدغُ كل عضلاتِ قلبك ؛ وبعدها بثوانٍ يمكنك أن تراه مكفهر كأنه شيطانآ ؛ أخبرني صديق لي : بأن الفراغَ الروحي الذي يجعل منهم أن يتخذوا من القردةِ والكلاب أصدقاء لهم ؛ هو الذي يقلّب أمزجتهم في الثانية ألف مرة .

 

الهنود مهوسون بالوثائقِ لدرجةِ وصفها بالفوبيا في جميعِ معاملاتهم ؛ عليك أن تبرز عنوان شقتك ورقم غرفتك ورقم جوازك والفيزا التي دخلت بها وعنوانك في وطنك ورقم منزلك في بلادك هناك وعشر نسخ من صورتك الفوتوغرافية لأجل أن تقوم بأبسط معاملة شخصية ؛ فإن يكون لك حُمرَ النعم أهون من أن تشتري بطاقةَ اتصال باسمك  من دون أن تبرز جميع هذه الوثائق.

فضوليون هم الهنود لدرجةِ الاشمئزاز ما إن يلتقيَك أحدهم ويتعرّف عليك حتى يباغتك بفيضٍ من الأسئلة التي تكون على  شاكلة ما اسمك وما اسم أمك وأخوتك ؛ وما وظيفة أبيك وكم راتبه والعلاوات التي يصرفها ؛ وما عمل أمك ؛ وما اسم منطقتك ؛ ويسألك عن اسم العملةِ التي تتداولونها ؛ واللغات المحلية التي تجيدها ؛ واسم حبيبتك ؛ حتى أنتِ يا قدر يسألونني عنكِ مرارآ ؛ ما أن يقرأوا إسمكِ المنحوت على علاّقة مفاتيحي إلا ويمطرونني بالأسئلة ما معناه وكيف هو ومن أين جئت بها وو …..

 

في القاعات  العلمية تجدهم ماكيناتٍ للحفظِ ؛ قادرون هم على التهام مرجع  بأكمله في بضعةِ أيام ؛ وبينما هم في ماراتون الحفظِ هذا يتسابقون ويتنافسون ويتحرون الحفظَ تسقط عنهم المعرفةَ لاهثةً وباكية .

بالرغمِ من كل ذلك يا قدر تجد العلمَ بينهم رجلآ يتمشى ؛ فتتمنى لو أننا بلغنا مبلغهم في العلوم ؛ كل هذا التناقض يا قدر يبيّن لكِ لماذا أخبرتك في البدء بأنها بلاد مسحورة ؛ فحقآ لن تستطيع مجرد حروف الإيقاعُ بحقيقتها الكاملة .

إلى حين رسالةٍ أخرى كوني بعافيةٌ.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً