رحلة الناي..

01

راشد يسلم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في البدءِ كنتُ حَجراً مُصمتاً عند سفوحِ الجبالِ البعيدة ، أتلمظُ الأيام وهي توغِلُ في ثنّاياي بهجيرها صباحاً ونسائمُ ريحِها الليلي ، ثُم صيّرتني السُنون كُتلةً مُنكفئةً على ذاتِها وألقَت بي عِند حَنية النَهر ، حيثُ تُبللني مياههُ أحياناً ، وتعجزُ عن ذلِك في أحيانٍ آخرى ، وكَم كان يروقُ لي هُنا وطءُ خَطواتُ الأطفال فِي ركضِهم لصيدِ السمك فتلثُمني نُعومةُ أقدامِهم الصَغيرة ويغمُرني الإطمئنان ، لكنني في المساء كثيراً ما أشعرُ بالوحدةِ لأن صورة القمرِ البادية كقطعةٍ نقديةٍ لامِعةٍ في ثوبِ السماءِ الأزرق لم تنعكِس عليّ كما لاحَت متألقةٍ فِي صفحةِ الماء ، فازدادُ إنكفاءاً على ذاتي ، لكن في تلكَ الأمسية بدت السماءُ وكأنها قد رقت لحالي وبكت لِتشوهَ صورةَ القمر على صفحةِ الماء وتغسِل سطحي مِن آثرِ سياطِ الرّيح ثم أهدتني قبلَ ذهابِها وردةً حمراء تفتحت بجواري ، أحسستُ حينها وللمرةِ الأولى أنّ القمرَ قد أصابهُ الحُزن لأنهُ لم يتسنّى لهُ أنّ ينعكِس على سطحي ويغدو قريباً مِنها فأسعدني ذلك .

في الصباحِ الباكر جاءت الصبيات كما هي العادة ليستحمِمنّ قبل أن تُكملِ الشمسُ تثاؤبها وتستيقظ نظراتُها الفُضولية ، بالقرب مني خلعت الفتاةُ الجميلةُ قميصها وألقتهُ عليّ قبل أن تغطِس في الماء ، شعرتُ حينها بأنّ شيئاً داخِل صلادتي قد بدا بالذوبان ، وأحسستُ ببعضِ النبضِ الذي مالبِث أن تَسارع حتي غدّا كدقاتِ طبولٍ فِي حفلٍ أسطوري عندما نثَرت الريحُ عِطرها الساكِن في ثنّايا القميصِ على الأرجاء ، وحين عادت بعد ذلك لإستردادَ أمانتَها كانت أشعةُ الشمسِ الذهبية تمنحُ لجسدِها لمعاناً يعيدُ تشكيلَ الأشياء ويحددُ ملامِحها ، جلست بجواري مُفترِشةً الحصى لتتدفأ قليلاً فتمنيتُ لو كان لي ظِلُ سحابةٍ فأحجُبَ الشمس عنها ليطولَ مكوثُها ، قبل أن تشرعَ في الإبتسام وهي تُشاهِد الوردة الحمراء ترفعُ رأسها ببطء لإستقبالِ الصباحِ الجديد ، أحسستُ بفزعٍ عظيمٍ حين رأيتُ يدها تمتدُ لقطفِها ، فحاولتُ أن أصرُخ بكلِ ما أملكُ من قوة لأقول لها : أرجوك أتركي لهذه الوردة حياتها القصيرة ، لكن ما كان لها أن تسمعني فكررتُ صراخي مجدداً وشعرتُ بعدها بفراغٍ يجتاحُني وشروخٍ حادةٍ على جُدارني ، وفي اللحظةِ التي أعدتُ فيها صُراخي للمرةِ الثالثة كانت قد زرعَتِ الوردةَ على خصلةِ شعرِها وأستوت واقِفة تطالِعُ الأفُق وترتِبُ ماتطايرَ مِن شعرِها ، وعِندما نظرتُ لها لم يساوِرني الشكُ في أنّ الوردةِ قد ذهبت لمكانِها الذي خُلقِت لأجلِه ، ومع ذلك أحسستُ بأن ضَجيجاً عظيماً أنفَجر داخلي وبأنني أتلاشى رويداً رويداً وتنتشرُ على سطحي الثُقوب حتى غدوتُ واهِناً كقصبة .

وحين عبرتني الريحُ في هذهِ المرة لم تَصدُها غلظةُ تكويني ، لكِن صاحَب مرورها عبر ثُقوبي إصدارُ أصواتٍ ذات لحنٍ شَجي وبحةٍ حزينة تحلقَ حولها كلُ من لم يكُن بمقدورهِ النوم ، مرددين على مسامِعي برغبةٍ واحدةٍ ما أدركتُ أنني قد صِرتُه : لحنُكَ أيُها النايُ وحدهُ مايتبقى لِمن لم يتبق لهُ شئ .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً