الرئيسية / العدد السادس عشر / قصة قصيرة :أَمَل

قصة قصيرة :أَمَل

10505297_828881440478398_4669342706775343431_n

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

(إن هذا الإسم يجعلها تفرح كلما تسمعه .. ترى الثقب الذي ينفذ منه النور وهي داخل صندوقٍ مُعتم, وما عليها إلا أن يصير هذا الثقب أوسع)

هكذ أجاب أبوكِ عندما سألوه عن سبب الاسم يا “أمل”.

ستة ثياب .. ستة قمصان للنوم .. ستة أحذية .. وبقدرهم من كل نوع من الملابس الداخلية, بالإضافة إلى قنينة كبيرة من كل نوع من العطور السائلة (صاروخ, ليفدور, ساردي باريس, فرير دمور, كلونيا, صندلية) والعطور اليابسة (صندل, محلب, ضفرة, مسك, قرنفل …) كل ذلك احتوته حقيبة ضخمة لا يقلها إلا عدد من الشبان أصحاء الأبدان.

تلك بالتأكيد “شيلة” تبعث الغبطة والسرور في نفس أي عروس مهما كان شغفها بالمظاهر, وتجعلها فخورة بين رفيقاتها. وبالطبع النسوة فعلن ما يبرعن فيه من الإعجاب بجودة الشيلة, حتى أن أكثرهن تشاؤماً وتبخيساً للأشياء لم تجرؤ على نطق كلمة واحدة من الكلمات المتحفزة على شفتيها للتشنيف.

لكن كل ذلك لم يخرجكِ من شرودُكِ, تُلقين بصركِ بحركة آلية باتجاه الريح حتى لا تضطري جفنيك إلى الرمش. ولا تدرين بالضبط أين يقع هذا البصر, فكركِ مشغولٌ بتلك الحادثةِ رغم مرور ثلاث سنواتٍ على ذلك. لكن قلب أمكِ الطِيِّب فهِمَ ما يَختَلِجُ في قلبِك, فمطَّت شفتيها الصغيرتين مثل شفتيكِ, وأَظهَرت نِصفَ أسنانِها البيضاءَ وانحنت عليك:

(يا بتي الناس فرحانين ليك, وانتي عايشة في الماضي؟!)

… الماضي!! وتردّدت هذه الكلمةُ في آذانكِ كما يتردّد الصوت من جَرسِ كنيسةٍ عَريقة, يسمَعهُ القاصي والداني, وبَلَغ صداها حتّى حوافّ أظافر قدميك, فارتّعَشَت الأوصال, واحمرّت الخُدود, واتَّسَعَت حَدَقَتا عينيكِ حتى بدا لحم الجُفون الأحمر. وما لكِ ترينَ المكان رغم الضَّجةِ وأصوات النِسوة العالي مثلَ زقاقٍ مظلمٍ وخالٍ من المارة. تماماً كأحد الأزقّة في هذه الذاكِرة العَنيدة والمُرهقة. تَتَلفَّتين بِحركاتٍ مُرتَعِبة, كأنَّ هناك من يترصَّد خُطُواتك! .. تَتسمّعين االصوتَ جيّداً فيبدو كصوت أربعة أقدام. الصّوتُ الذي لم يغفَل عنكِ يوماً, صوتٌ مثل الذي يقُضّ مضجعكِ ويوقظكِ فزِعَةً من نومةٍ لا تدرين كم انتظرتِها. وبدا أن الأقدام تسعى لتلحق بِك, تُحاولين الإسراع ولكنّ شيئاً كأثقال المساجين يُجهِض تلك المحاولة. ها قد أصبحتِ تسمعين أنفاس الرجلينِ المتسارعة, وها هي عضَلاتُك ترتخي فتنغرز ركبتاكِ في التراب … ولم تُكلفيهما حتى عناءَ كتم الصراخ؛ يا للرُعب!! ثم …

ويا لقلب الأم! تُغطّي رأسَكِ بطرف ثوبها لتخفي عن النسوة ملامِحَك الهلِعة, وتحتضنكِ بقلبٍ يتَقطّع حُزناً وإشفاقاً. تتمالك أعصابِها لتُجيب على نظرات النسوة المتسائلة والمذهولة: (دموع الفرحة يا بنيات أمي ..) ثم تُردِف بصوتٍ مهزوم (دموع الفرحة ..!) كمن يُريد إقناع الناس بذلك … ثم تقودكِ إلى غرفةٍ خالية.

ليرحم الرب رأسكِ الصغير يا “أمل” تقولين: (إن القَلبَ يسعُ الرّب إذا حلّ به, كما قال. ولكنَّه إذا حلّ بالعقلِ فَتَكَ به؛ فالعُقول لا تحتمل) إنه وحده يعلم بمَ تشعرين الآن, ولكن فكرة الخلاص تُراود عقلك بإلحاح, ولولا أمُكِ التي تُحبك! … ويَثبت بصرُكِ التائه على صورة أباكِ المعلَّقة على الجِدار الذي يُقابل سريرك, تتمنين لو يحكي لك (فاطنة السمحة) قبل النوم! فتلوميه وتحملّيه مسئولية ما حدث. فلو أنهُ كانَ موجوداً لَما اضطررتِ للذهاب إلى الصيدلية في تلك الليلة, بل لَما مرِضت أمكِ بسوءِ التغذية … ثم تَبهتين في خيبة (آهٍ منك يا زمن), أنتِ لا تعرفين إن كان حيّاً لتلوميه, أو ميتاً لتترحمي على روحه. وتسأليه أن يزكّي روحكِ إلى أهل السماء فتلتقيان! انقطعت أخباره منذ خمس سنوات بعد هجرتِه غير الشرعية إلى ليبيا. وحنَّ قلبُك ومرّت كلمات محجوب شريف عليهِ كالبَلسَم:

يا حليلك حليلك .. يا حليل الحكاوي

تتونّس كأنك .. يوم داك كنت ناوي

تجمع لم تفرِّق .. بين الناس تساوي

نارك ما بتحرِّق .. ما بِتشِد تلاوي

ما بتحب تفرِّق .. من جيبك تداوي

الحلم الجماعي .. والعدل اجتماعي

والرُّوح السّماوي .. والحُب الكبير

في الزمن المكنّدك والحُزن الاضافي

جينا نقول نفرق .. نجي نلقاهو مافي

***

تنجرفين معَ تيار التفكير .. (هذا العريس, لابد أنّه مفتونٌ بهاتين العينين العسليتين, اللتينِ تختزلان الدَّلالَ والغَنَج, وهذا الشّعر الأسود النَّاعم كنَسْمةٍ بعد المطر, وهذه الشِفاه الوردية بطبيعَتِها, وهذه الأسنان البيضاء كأسنانِ طفلة … أيكون الجمال جمالاً معَ روحٍ مَيتَة! أتُرَاه طَلَبني لسيرة أسرتي الطيّبة! لكن الآن يكفي أن يأسِر الشَّابَ جمالُ الفتاةِ, ويُعجِبه سُلوكَها ليتخذ قرار الإرتباط بها. فالتمييز بين العذراء وغيرها أصبح كالتمييز بين ذرَّة الأكسجين والهيدروجين في الماء .. يحتاج إلى مُتخصص!) لتَجِدِي العَزاءَ إذن.

أواه من هذه الساعات الطِوال ..

أواه من هذه الأجفان التي لا تلتقي إلا عند الحاجة إلى الرمش ..

ها هنّ رفيقاتك وفّرن لكِ فرصةً للهربِ من طاحونةِ الأفكار عندما جئن لتجهيزك, صففن شعرك الأسود فلمع بريقه .. كحلن عينيك العسليتين فصارت أجمل عينين, وأهتممن بكل التفاصيل كأنكِ آخر عروس في الدنيا, فقد كنّ يرين فيكِ آيةً للحُسن والبهاء. وحينما انتهين مكثن بُرهة يتأمّلن صنيعَهنّ. ثم خَرَجتِ للنسوة, فما رأيتي غيرَ المُقلِ المُستديرة, والحواجب التي كادت تتّصل بشعرِ الرأس, والأفواه الفاغرة, ولسان حالهنّ يقول (سُبحانَ من أبدَعَها .. تبارَك الذي خلق!) إنكِ يا “أمل” سَتروعين قلبَ العريس …

***

وصدَحَت الحكّامة:

بَنَا .. بَنّا .. بين .. يا بَنينا

والسَي والعَجَبْ فوق العروس الزِينة

سَي فوق بِتّنا .. يا عاقلة يا مستورة

ما جَلَسَت معا كورة ولاد في الشورة

سَي فوق بِتّنا وَرَق البطاطا الليّن

طاقتين من مَصُر ما بْكَشِّفو بالهيّن

جِبتي البَرمَكي ضُراع المِتحين

شووووووويَم في العريس

الفوق الوِلاد متبيّن

قطع العريس “الرحط” وأخذ بيدَكِ إلى بيته, وكلما مرّت السيارة بضع شوارع تسألَيه: (أها قرّبنا؟!) وفي السؤال يكمُن ما يسِعَه سؤالٌ من الخوف! يظن الزوج أنكِ ككل عروسٍ بكر ليلة دُخلتها, فيبتسم: (ما تخافي يا ستي أنا ما وحش .. لكين قرّبنا) و حين توقفت العربة وترجّل العريس ليحملكِ كان نبضكِ قد توقّف أيضاً, أو أنه ينبض بسرعة لم يستوعبها عقلكِ المنهك!

إنه الآن ممتلئٌ بفرحة العمر, بينما هذا السرير الذي يشبهُ السفينةَ لا يُثير فيكِ ذرة إعجاب! وبدأ يُداعب خُصلاتَك الطويلة, ويضمكِ إليه ويقبِّل شفتيك, وما تُحسّين من ذلك إلا بثُقلِ جسَده وزفارة أنفاسه. لم تتمنعي أو تقولي شيئاً .. وجهُكِ الباهت أقرب إلى لوحةٍ جامدةٍ اعتلاها الغبار, لا تتبدّل ملامحها ولا يرتدّ إليها طرفها, كأنكِ وبطريقة غامضة انفصلتِ عن هذا الجسد. لم يشعر هو بذلك, فما تبقّى من جمال جسدكِ العسليّ كان يأخذ بالألباب.

في منتصف الليل يا “أمل” تنتظرين المصير بعد أن يعرف كلَ شئ, فتمثّلت لكِ أمُكِ الطيبة بوجهِها المخطوف, ويديها الخَشِنَتين المُسودَّتين من صاج الكِسرة التي تبيعها في السوق, فاتحةً زراعاها كضّفّتي النيل لاحتضانك. وتهيأتِ لحياةٍ لا تعرفين أبسَط أوصافها حينما تُدعَين “مطلقة” .. ولكنَّه ينام على حُضُنك تعِباً, ويترككِ فريسةً للهواجس. تقولين: (إنَّ العلاقَةَ بِلا حبٍ ألمٌ للأُنثى وتَعَبٌ للرجُل). لكنّ خاطِراً مجنوناً يُشعلُ نبض التفاؤل حينما تسمعين “أمل”, ربما كانَ أباك مُحقاً.

وكما أنّ كلَ الناس, الطيّب والشرير .. الأبيضَ والأسود .. الطويل والقصير .. النبيّ والمشرك كلهم من ذاتِ الطِّينة؛ إذاً لابد أن يجمعَ كل الإنفعالات كذلك رابطٌ واحد, الفرح والحزن .. التفاؤل والتشاؤم .. الحب والبغض .. الراحة والكبَد .. وكان ذلك الرابط يتجسّد لـكِ يا “أمل” في الحزن.

تبررين سكوتَه بحبّه الشديد لكِ, إذ لابد أن يكونَ هذا الحبُ هو الذي منعهُ من السؤالِ عن الأمر, السؤال الذي سيؤذي شعوركِ بالتأكيد. و في ذلك عزاءً جميلاً, ووقوداً لنبض التفاؤل. السعادةُ تنسَحب كالشروق على هذه الملامح, حتى أنكِ تبتسمين له كل صباح!, فصادَقْتِ من جاراتك, واهتممتِ ببيتك … وهكذا حتى خَفَتَ حادي تلك الذكرى؛. واطمأننتِ لاختلاط الجارات وزياراتهِن, إلى أن لاحظتِ أنكِ تجتذبين المطلقات أكثر من غيرهن, هل أيقظ ذلك إحساسك الأنثوي المتشكِّك؟!

(الأشياء تحدث عندما لا نُريد لها الحدوث) تعبِرين عن معاندة القدر وأنتِ ترين زوجُكِ خارجاً إلى العمل في الصباح, لا يزيد على سؤالكِ إن كنتِ تريدين شيئأ فيجلبه عند عودته, وكثيراً ينسى حتى هذا السؤال. ومنذ أول صباح له معكِ يا “أمل” لم يبدّل طريقَتَه تلك في المعاملة, وأنتِ ترغبين في الهدوء, ولكنه يفهم أنكِ عاجزة عن ذلك ويحسد نفسه على هذا الوضع. الأشياء دائماً تكبُر, فالصدمات القاسية كانت ذات يومٍ شئٌ بسيط فصارت مع الزمن قاتلة. أما شراهته في مغازلتكِ فقد انكمشت وتجمّعت كلها في كلمة “نجفة” التي كان يناديكِ بها, وبطريقة ما تحولَ معنى تلك الكلمة لديكِ إلى “مُمتعة” !

في المساء وأنتي راجعةً من متجرِ “ست البنات” التي تبيع الطلح والدلكة والعطور النسوية, وقد تأخّرتِ زهاءَ الساعتين؛ ترينه خارجاً من بيت إحدى الجارات صديقاتك, وهو يشبِّك آخر زرار في قميصه المجعّد, ويُصلِح من وضع الحزام, يرقب الشارع عن يمينِه وعن شمالِه …

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

3 تعليقات

  1. حينما أقرأ لك ، لا أشعر بأنني أمشي لوحدي لكي أكمل هذه الحكاية ، لكنما أشعر بك تقودني
    و تحكي لي و أنا غارق في في جمال الفكرة و اللفظ و الحوار ، و أدرك تماماً بأن هذه القصة أخصب من أن أدركها دفعة واحدة ، و أن هذا الجمال لا تكفيه نظرة واحدة ، لأمتع عقلي و نفسي ،، و تجعلني أمضي بعقلي في جمال عقلك أنت و بأن هذه القصة تصف منه القليل القليل ، و أن وراء هذا النص كاتب سيدهشني بالقديم و الجديد ، نصاً و فكراً .

    ربنا يوفقك ^_^

  2. حينما أقرأ لك ، لا أشعر بأنني أمشي لوحدي لكي أكمل هذه الحكاية ، لكنما أشعر بك تقودني
    و تحكي لي و أنا غارق في في جمال الفكرة و اللفظ و الحوار ، و أدرك تماماً بأن هذه القصة أخصب من أن أدركها دفعة واحدة ، و أن هذا الجمال لا تكفيه نظرة واحدة ، لأمتع عقلي و نفسي ،، و تجعلني أمضي بعقلي في جمال عقلك أنت و بأن هذه القصة تصف منه القليل القليل ، و أن وراء هذا النص كاتب سيدهشني بالقديم و الجديد ، نصاً و فكراً .

    ربنا يوفقك ^_^

  3. Jajajajajajajajajaja. El vídeo es buenísimo! Felicidades. ^^

أضف تعليقاً