مقتل تانك..!

10371999_790556761004019_6428696176205279771_n

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية وقعت في قرية “الفتح واحد” .. تحديداً بعد مقتل السيد عبد العزيز تانك ، طبيب المركز الصحي الأول ، والناشط الحقوقي الإنساني .. وقد قيدت القضية ضد مجهول.

من هو دكتور تانك؟

يبدو اسم “تانك” غريباً لكي يُكنى به طبيب ، أو بالأصح ، مساعد طبي … وذلك لأنه ، على مدار سنواته البعيدة ، لم يكن سوى ممرض يعمل على إعطاء الحقن الوريدية والعضلية ، وخياطة الجروح البسيطة ، وتغير ضماداتها دورياً. لكنه استطاع ، وبمجهوده الخاص ، وعلاجه لعدة حالات مستعصية ، كحالة الحاجة “مدينة” ، و “ست البنات” أم “الزين” ، و “الزين” وقت أن اعترته الشقيقة ، والحاج “بكري” إمام الجامع ، و”ميري” صاحبة الإنداية المصابة بداء الكبد… أقول بأنه استطاع ، بعد أن ينال شهرة لا تضاهيها شهرة ، في علاج الأمراض الفتاكة ، في كل الريف الشمالي لأمدرمان ، ومحلية كرري ، وما جاورها … أن يستحق لقب الدكتور ، أمام اسمه المضحك.

“تانك” ، اللقب الذي حورته السنون ، وتلاعبت بجزئيات حروفه ، كما تلاعبت بكلّيات صاحبه .. من “كانط” الفيلسوف ، الذي يسكن منطقة الديم ، ويقطع بدراجته الهوائية “الدبل” ، المسافة بين الحلة ومشفى الخرطوم – مكان عمله كممرض – في ربع ساعة فقط. بدّلته الأيام ، من الرجل الهيبي الذي أقام مراسم العزاء والفراش “للراسطة” الخالد ، بوب مارلي ، في حي كولمبيا بالحلة ، وغنى مع من غنوا ، “بيمبرس بردايس” ، وانتحب… من ذاك “الكانط” الذي لطالما ارتدى بنطال “الشارلستون” مع حزام عريض وقميص “تحرمني منك” المخطط ، وحذاء ضخم أشبه بالدبابات المحاربة ، مخنفس الشعر ، يعزف الجيتار مع “عثمان ألمو” ، ويرقص على إيقاع الريقي ، ويشاهد السينما المسائية والحفلات .. غيرته بلا هوادة ، ضنك المعيشة ، إلى “طانك” بلغة “الرندوك” ، ثم “ت.ا.ن.ك” ، و “ت.ا.ن.ك.ي”.. كأنه مجرد عصير برتقال أو ماعون كبير لحفظ الماء. تخيل ، ويا لها من دنيا !

أن المناهض السياسي ، (عبدالعزيز كانط) ، العضو الفاعل في الحزب الشيوعي ، الذي كان له من الصداقات والعلاقات ما له ، والذي يتتبع آراءه الجميع ، المايويون والإسلاميون ، الأمميون والديمقراطيون ، البعثيون وما شابههم ، كلهم ، على حد سواء.. ما إن يسمعوا في مشافهاتهم السرية المغلقة ، واجتماعاتهم الحكرية المصغرة ، بأن (عزيز كانط) همس كذا أو كذا ، حتى يصيبهم الوجل ، ويتدارسوا مغزى كلامه وتبعاته. صدق أو لا تصدق ، هو ذاته دكتور “تانك” المقتول قبل عدة أشهر بتسع عشرة طعنة ، والذي بعد أن نزل المعاش ، وضاقت عليه سبل الدنيا ، لتوجهاته السياسية ، وتنكر الأهل والصحاب .. لم يجد أمامه حلاً غير السكن في خطة القرية اﻹسكانية ، مشروع الفتح واحد ، مع من لا أمل لهم في حياة كريمة .

(عزو تانك) ، أو (عبد العزيز كانط) .. الدكتور والممرض سابقاً ، الفقير والعازب العجوز ، الذي ما عاد مرتب تقاعده ، وما يجود عليه الناس جراء تطبيبهم ، يكفيه لاحتياجاته اليومية ، من علبتي سجائر “لورد” ، وقارورة “عرقي” محلي الصنع ، وجريدة التسلية سيئة الطبع ، وثمن فناجين الشاي و القهوة ، بالإضافة لنصف برميل “موية” يجلبه له كارو السقيا في الصباح ، و مكعب ثلج ، ووجبتين ، وإيجار لمبة ليلية مشتركة تعمل على مولد البترول ، وأيضاً ، رصيد “إم تي إن” للتحدث مع الحبيبات بـ الموبايل “الصيني” ، وإرسال رسائل الغرام …

  • من قتل تانك ؟

في الحقيقة هذا السؤال مربك ، فكل الناس يمكنها قتل الدكتور .. فالرجل عجوز وضامر تماماً ، وبالكاد حينما تهب العاصفة الرملية ، “الكتاحة” ، ويتغير لون كل شيء إلى البرتقالي ، يجاهد لأن يكون ثابتاً على الأرض .. وعندما أجرى رجال التحري استجواباتهم الأولية ، وتحقيقاتهم الطويلة المملة ، خلصوا إلى أن للجميع مصلحة في قتله ، حتى أنه في آخر أيامه اُفتعلت معه عدة شجارات بلا داعٍ ، وتعرض للضرب المبرح والتهديد الصريح مرتين ، الأولى على يد حبيبة ضبطته يغازل جارتها .. والأخرى تأديبية ، من رجال الأمن ، لنشاطاته الثورية..

لكن ، وبقليل من التمعن ، ستعرف أن ليس من المعقول أن يكون لـ “فطيمة” ضلع في الجريمة ، أو في أي جريمة أخرى .. ففطيمة العانس ، وهي حبيبته رقم (٣) ، و التي فاتها القطار ، وتجاوز عمرها الأربعين خريفاً ، كيف يمكنها بتر الفارس الوحيد الذي طرق باب أحلامها وراود اﻷماني .. لأجل أنه غازل جارتها أمامها ، أو لأنه لا يحتشم ؟! تقول: (الله محلل لي “تانكي” أربعة) وتبكي.!

وكذا بالنسبة لـ “عاصم كوز” ، “الأمنجي” ، و مجموعته الصغيرة من “الرباطة”. على الرغم من أنه تم ترقيتهم ومنحهم امتيازات وحوافز جراء التخلص من تانك ، إلا أنها محض مصادفات .. نعم ، هم هددوه بالقتل ، وضربوه بالهاراوات والسيخ ، وعيدان الخشب الغليظة. لكنهم ، ويشهد الجميع بذلك ، لم يستخدموا السكاكين في تأديبه ، بل على العكس ، فمصلحتهم تكمن في تأجيل تصفية الدكتور إلى حين موعد الانتخابات ليرهبوا به القرية… حقاً قد يكون تانك دائم التحريض للمواطنين على الخروج للشارع وإثارة البلبلة ، لكن ذلك يندرج تحت المطالبة بالحقوق الأساسية ، من ماء وكهرباء وتعليم . وحتى “عاصم كوز” ، نفسه ، تكتم في تقاريره اليومية عن رفع اسم الدكتور ، لأنه يرى عدالة هذه المطالب دام أنها لا تمس النظام .. وأن “العلقة” التي أكلها ، قبل مقتله ، كانت لأجل تنبيهه فقط وأخذ الحيطة..!

  • حسناً ، من تراه القاتل ؟!

يروي الأصدقاء والجيران الفضوليون ، بفخر واعتزاز ، عن أن للدكتور بعض النزوات والفلتات ، التي يتعاطى فيها الخمر والعرقي ، وحتى أنه من حين ﻵخر .. يزور بيوت القرية “الفوق” ، أنداية ميري ، أو تل “أبو دوبة” القريب ، حسب المزاج. لكنهم يتفهمون جيداً أن لهذا مفعول السحر عليه ، يجعل الحياة تدب في عروق جسده الناحل ، ويحوله إلى فراشة زاهية نشطة لا تستكين.!

يقولون أنه استفاد من فترة عمله كممرض في مستشفى الخرطوم ، على مدار ثلاثين عاماً ، احتك خلالها بالأطباء من مختلف التخصصات ، وصاحب الصيادلة وتقنيي المعامل .. ليمنح الله ، قرية الفتح واحد ، أخيراً ، هذا العجوز العازب ، الهبة ، الذي يعالجهم فعلاً بالمجان .. فمن ذا الذي يأبه لسلوكياته الشخصية. لذا فالناس غضت طرفها عنه … وفيما عدا الحاج “بكري” إمام الجامع ، و “السنوسي” أنصار السنة ، لم يهتم أحد لهذه المهاترات.!

  • إذن؟!

حاج بكري ، الصوفي على الطريقة “الطيبية” ، المنبثقة من طريقة ما .. لا ينكر أبداً فضائل الدكتور ، فتانك بخبرة أمهر طبيب أعاد إليه الحياة بعد أن تنازعه الموت وأرهقته علاجات الملاريا والتايفويد ومئات المضادات الحيوية .. وفقط ، وبوصفة حبوب خضراء صغيرة ، صباح ومساء ، وجد نفسه يؤم الناس ويخطب الجمعة… يقول : (صحي دكتور تانك دا فاجر وفاسق ، بس وحياة سيدي الشيخ الزول دا مبروك ، وأنا دحين لو كان عندي قوة للقتل ، كان بشعت ليك بالسنوسي الوهابي دا جنس تبشع!)

وهذا أكيد ، فالعداوة بين بكري والسنوسي معقدة ومتداخلة ، ولم تقتصر فقط على حكم الموسيقى ، مصافحة المرأة ، حلق اللحية ، القباب والأضرحة ، ومسائل الذات والصفات .. بل تعدته لتشمل نزاعات يصل مداها للاشتباك بالأيدي ، وفي أمور حياتية سامجة ، كعراكهما مثلا في تحديد موقع مكب النفايات.!

 

يقول السنوسي: (دكتور تانك ربنا يرحمه ، ضال وعاصي ، بس لا أنا ولا حاج بكري “البدعي العاطل” كفرناهو .. وكان هسي دخل الجنة ولا النار فدي علمها عند الرحمن … لكين آناس ، النفايات دي ما تتكب جنب بيتي ، حلة غجر!).

  • هل انتحر الدكتور؟!

طبعاً لتانك تصرفات غريبة وشاذة ، لا يمكن أبداً أن تصدر إلا من رجل عازب حزين .. ففي كل ليلة ، عند الساعة الثالثة – وهو ذات التوقيت الذي وجد فيه ميتاً – يمكن لك أن تسمع صوت نحيبه الكئيب يهدّ الظلام ، تماماً كالأطفال إلى ما لا نهاية من العذاب .. يهمس باسماء أُناس مجهولين ، ربما أهله ، وربما اسماء بلا معنى سقطت من الذاكرة .. ينادي ويخطب فيهم كخطيب مفوه ، مترنماً بشجوٍ أليم حتى انفلاق الصباح .. عندها يركض متسلقاً تل “أبو دوبة” ، ومعه قارورة خمر ، يشرب ليغيب عن الوعي ..!

صحيح أن عينين واسعتين ، يملكهما تانك ، تخبران علناً بأنه سينتحر ، لكن ليس بتسع عشرة طعنة ، ثلاث منها منتصف الظهر .. ومهما كانت رغبته في الموت أكيدة ، فلن يستطيع قتل نفسه بتلك الطريقة.!

  • وصف علاقة تانك مع جيرانه ..

منزل تانك يبدو غريباً ، فليس له باب مطل على الشارع ، وإنما زقاق ضيق مفضي إلى المركز الصحي الذي يتحول إلى صالون لاستقبال الضيوف أوقات الراحة … ويتكون البيت – إن جاز بتسميته بيتا ً- من غرفة واحدة فقط ، ملحقة معها “مزيرة” للشرب وحفظ الأطعمة … وبالتالي فإن الدكتور لم يكن يملك عملياً سوى جار واحد من الجهة الشمالية ، هو بيت الأرملة “ست البنات” .. وعلاقته بها مضطربة وفي تقلب مستمر ، فست البنات تدعي مراراً أنها ضبطته يتلصص عليها بلا خجل عبر شقوق الحائط في الليل ، كما أن تانك سبق له وأن طلب يدها للزواج على سنة الله ورسوله ، مما خلق له أيضاً توتراً حاداً مع ابنها الوحيد ، “الزين” … لكن من جانب آخر ، فقد عالج تانكُ الزينَ من آلام الشقيقة ، وحينما سافر الأخير إلى الذهب ، تفاجأ الجميع بأن الدكتور هو أول من أنقذ أمه من الحريق الذي نشب في “التكل” ، واعتنى بحروقها دون أن يأخذ منهم قرشاً ً.. مما دفع أم الزين في رمضان التالي ، والكل يعلم أن تانك لا يصوم ، أن تعد له العصيدة بأديم الملوحة ، وتقدمه له مع جك الآبري المثلج أو الرقاق باللبن .. ولم يكن هذا ليعجب الزين ، إلا أنه انتهى في الأخير إلى قناعة مفادها أن تانك مراهق مخنث لا خوف منه ، وكف بالتالي عن أذيته .. وفي ليلة وقوع الحادث ، شهد أولاد “بكري” بأن الزين كان ساهراً معهم في نادي “الفتوح” لمشاهدة فيلم هندي راقص…

  • ما على تانك ..

بلغت ديون الدكتور خمسمائة وخمسين جنيهاً حتى لحظة مقتله ، نصفها مقيد في دفتر دكان ود التوم ، والنصف الآخر لميري من سكان “ناس فوق” .. كما يوجد ضده بلاغ مفتوح لسرقته غنماية حاجة مدينة وآخر للاعتداء على عبد الرسول الشايقي ، وكل هذه الأشياء سقطت بموته ..

وفي التحقيقات ، أكد ود التوم ، صاحب دكان الحلة ، أنه في الأساس لا يتعامل بالدين إلا مع الدكتور ، لأنه الشخص الوحيد الذي يحرص على حل متأخراته .. كما أن تانك بالمقابل يتابع له ارتفاع ضغط الدم والسكر إسبوعياً ، موفراً له احتياجاته من الحبوب .. هذا بالإضافة لأن مشتريات الدكتور اليومية لم تكن تتخطى إطلاقاً علبتي سجائر ، طحنية أو زبادي ، نصف رطل سكر -يكفي أسبوعا ، زيت فول ، صابون غسيل ، ظهرة ، بيضة مسلوقة ، وأحياناً نادرة لبانة شكلت وبسكويت بركة .. وهو حقاً يتمكن من سدادها كل خمسة عشر يوماً ، لهذا فود التوم عفا عن مستحقاته لله.

أما ميري ست الأنداية ، فقد أنكرت معرفتها بتانك ، واصفة إياه فقط بالزبون حسن الخلق .. رغم أن كل أهل الحارة يدركون عمق علاقتهما ، حتى أنها لبست على فراقه الحداد أسبوعا كاملاً … لقد اعتاد الدكتور الذهاب إلى “الكار” لشراء جركانة “سرّاقي” ، وكان يقول بإعجاب أن “مريستها” ، المُرّة الحرّاقة ، هي الشيء الوحيد الذي يبقيه حيّاً . وكانت ميري تحبه بطريقة ما ، معاملة إياه معاملة خاصة .. فتانك ساعدها على مقاومة تليف الكبد واليرقان ، وأجبرها على الإقلاع عن السُكر ، تقول : (يا حليلو راجل الرجال ، المات بدون عيال .. كان بقول لي يا “حاجة مِيرا” سويهو لينا ما تضوقيهو ، شديهو ما تشربيهو … وبيعيهو نجيض وأوعك تغشيهو ، نحنا كبدتنا حجر ، بس إنت يالأميرة الجميلة كان هلكتِ عاد نلقاهو وين؟!) … ولا أحد يدري إن ما كانت هذه العلاقة جسدية أيضاً .. لكن ما يزال الناس ، حتى يومنا هذا ، حين تجيء سيرة دكتور تانك ومقتله البشع ، يتذكرون بحنين غناءه المخمور أنصاف الليالي ، وإنشاده لقصائد إليا أبو ماضي ، والتي حفظها عنه الأطفال …

  • المشاغبات ..

تحلف حاجة مدينة ، أن “المسخوت” الذي سرق غنمايتها ، هو دكتور تانك ولا أحد غيره ، واتهمته بذلك علانية فاتحة ضده بلاغاً في قسم الشرطة .. فهي تحسب أنه باعها لكي يوفر ثمن المريسة ، وشهد لها بذلك بعض أولاد الحلة المسلطين ، وعلى الرغم من تدخل الأجاويد وعقلاء الحيّ ، إلا أنها تمسكت برأيها قاذفة السباب واللعان على الدكتور ، متوعدة إياه بالقتل – مؤكد ليس بهكذا ميتة بشعة : (المنعول سِبْ فوقو ، الله أخدو وريحنا ، أنا من ما اتكل حتن ضوقت العافية ، كل يوم جدادة رايحة جدادة رايحة ، بالله عامل زي المرفعين مباري لي الجدادات والغنم..!)

لكن ، ظل عبد الرسول الشايقي ، رئيس اللجنة الشعبية ، هو أكثر من حمل في دواخله حقداً دفيناً للدكتور ، فبينهما مئات الملاسنات والمعارك التي وصل مداها إلى أقسام الشرطة ، وكتابة التعهدات المُلزِمة بعدم تعرض أحدهما للآخر… ويعرف القاصي والداني في قرية الفتح ، أن السبب الرئيسي خلف هذه المشاحنات ، هو التأمين الصحي الذي يشرف عليه الشايقي ، حيث اتهمه تانك بأنه يقوم بتمرير أسماء غير مستحقة وأخرى وهمية ليتمكن من الحصول على أدوية ومن ثم بيعها بصورة غير شرعية .. مما دفع باستدعاء ضابط التأمين وسحب الإشراف من اللجنة الشعبية وجعل إدارته في يد المركز الصحي. كانت وجهة نظر الشايقي أنه لكي يستمر عمل المركز لابد من بعض التجاوزات الطفيفة ، لأن العائدات لم تكن تغطي ، بأي حال ، الاحتياجات اليومية وأجور العاملين. صحيح أنه خيري وبرعاية من منظمة الإحسان والإيمان ، إلا أن هذا لم يكن يوفر سوى بعض الفتات الذي لا يسد عوز …

ووصل عداؤهما هذا سقفه إبان فصل الخريف ، حينما ضربت الفيضانات المنطقة متسببة في دمار شبه كامل لقُرى الفتح كلها والإسكان … كان تانك من أوائل المتطوعين الذين ساندوا منظمات المجتمع المدني في حصر الأضرار وتقديم المساعدات العينية ، وكانت له بالفعل علاقات جيدة مع مجموعة “نفير” ، مكنته بقدر المتاح من دحر جزء يسير من آثار الخراب .. للحق كانت كل بيوت الحلة مسواه على الأرض ، وكانت الأمراض والإسهالات تضرب الأطفال وكبار السن بأعداد لم يكن مستوصفه الصحي ليتحملها … وعندما قدّمت اللجنة الشعبية عبر رئيسها الشايقي اِلتماساً للحكومة لتوفير خيام وبطانيات ، رُفض الطلب تماماً بحجة وجود أماكن أكثر تضرراً ، لكنها بالمقابل قدمتْ المواد التموينية الأساسية من سكر ودقيق ورز وعدس وفحم … وبالطبع كل هذه المواد انتهت عند أيدي اللجنة الشعبية. حينها ، ولأول مرة ، شوهد تانك وهو يحمل في يده سكيناً أمام منزل الشايقي ، عيناه المحمرتان تبرقان ، وطوله الفارع يسد الأفق ، وصوته الجهور الخطابي يثقب الجدران .. حكى الناس بتندر كيف أن الشايقي خاف وادعى سوء الفهم ، وقام مفزوعاً بإعادة توزيع المواد على المتضررين ، يقول : (الكافر السكران الما بخاف الله دا كان داير يشقني ، الشي شوية رز وعدس ، وذاتها ما بتسد ليها جوع ، والله لو ما الأجاويد كان يومها أدبتو ليك أدبة ، بس فوق شنو ، أبعد عن الشر وغنيلو)

من هذا الرد فقط ، نعلم أن عبدالرسول الشايقي ، رجل جبان أكثر من كونه حقوداً .. ولن يقدر مهما فعل على جز عنق حمامة .. لقد ظل يتحاشى تانك في المجالس والطرقات ، وبالرغم من طغاينه الظاهر ، لم يكن ليتخذ قراراً متعلقاً بالقرية إلا باستشارة الدكتور … وحينما تحرّت معه الشرطة ، لكونه المتهم الأول ، لم تتجاوز التحقيقات أسبوعاً واحداً ، وسرعان ما أخلت سبيله كاشفة عن بؤس الرجل ، ولأن القرية لم تسقط من ذاكرتها ما فعله به تانك ، فقد لاحقه العار …

 

  • متعلقات الدكتور ..

 

خلّف تانك وراءه مكتبة فلسفية ، أكلت الأرضة جزءاً كبيراً من كتبها بسبب الإهمال ، وأيضا عشرات الروايات ودواوين الشعر التي كان وجودها في ذلك المكان يبعث في رجال التحري وأهل الحي الضحك ، لكن الأكثر إدهاشاً هو هاتفه المحمول ، الصيني ذو الذاكرة الخارجية. فقد كان مملوءاً بأغاني إنجليزية قديمة وأخرى هابطة لا تتوافق مع رجل عجوز ، وكذلك بعشرات الرسائل التي بدت لأول وهلة ، مرمزة ، ثم تبين لاحقاً بعد إضاعة زمن مقدر في حلّها ، أنها مجرد رسائل غرام مقلوبة بسبب عطب في نظام الجهاز ، وآخر رسالة كانت :

《كبحب اي ةميطف ، ينيحماس تطلغ يف كقح!》

ثم الرد من فطيمة :

《كاحماسم اي يتكوتنت》 .!

  • سرد وقائع يوم الجريمة على حسب ما رواه الناس..

لم يكن آخر يوم عاشه تانك مختلفاً ، فكعادته استيقظ عند قدوم “العوض” سيد الكارو ، واشترى منه نصف برميل ماء ، ودخل معه في حوار هزلي عن ما يمكن أن يفعله رجل عازب بنصف برميل كامل ، ثم بعد أن استحم وملأ الأزيار ، لزم المركز الصحي حتى الساعة الواحدة ظهراً ، رأى خلالها عدداً متوسطاً من المرضى ، وبعدها توجه راجلاً إلى السوق وهنالك صادف عند “ست الجبنة” بعض رجال الحي يتناقشون عن الحل الجذري لتوفير الكهرباء ، حيث أن المولدات التي تعمل بالجاز ، والتي تشترك فيها عدة منازل ، لم تعد عملية بسبب ارتفاع سعر البترول .. بالطبع في مثل هذه الحالات ينسى تانك نفسه ويبدأ في التحريض ضد الحكومة والمطالبة بالحقوق ، وحينما أسهب في ذلك انفضت الجلسة ، ووجد أنه قد حوصر فقط بالمرضى الذين تأخروا عن اللحاق بالمركز. بعدها توجه تانك ليشتري مكعب ثلج ، ثم قام بتحويل رصيد أريبا واتصل على فطيمة لكنها لم ترد ، فأرسل لها رسالة اعتذار ، وفي طريق عودته للمنزل صادف بعض الأطفال الذين يدرسهم اللغة الإنجليزية يهزرون مع “فضل المكسح” ، فهزر معهم بدل زجرهم ، لكنه قال لفضل بعد أن تملكه الغضب أن هنالك كرسي بعجلة تم توفيره له من منظمه خيرية … بعدها مر تانك بدكان ود التوم واستلف بعض السلع ، ومن ثم لم يخرج من منزله حتى موعد مناوبته المسائية التي انتهت عند منتصف الليل ، بعدها ذهب إلى أنداية ميري ، قضى معها ساعتين ليعود مخموراً ، وقبل أن يلج إلى البيت ، ويحق لك أن تتخيل مدى البشاعة ، قُتل.

  • هامش ما بعد تانك ..

الآن حينما تأتي سيرة دكتور تانك في مجالس القرية ، تبدو بعيدة جداً عن الإدراك ، كأنها سيرة متخيلة لشخص آخر ، عاش في قرية “فتح واحد” أخرى .. إنها ببساطة تشعل فيهم نيران الخيبة ، وتذكرهم بمقدار الضعف والوهن . فهو إطلاقاً لم يكن مجرد طبيب يداوي عللهم ، بل كان كل شيء يمكن أن يكونه إنسان ، فهو النور الذي يضيء لهم العتمة ، والظل الذي دسوا وراءه العجز … إن السنوات التي قضاها إلى جانبهم تشبه إلى حد ما الحلم الجميل الذي استقيظوا ذات صباح ووجدوا أنه انتهى ، ووجدوا من بعده واقعاً كئيباً يحيط بهم .. فالذي قتل الدكتور ، أيا كان الفاعل ، قتل أيضاً أمل دخول الكهرباء إلى القرية ، بتر أمنية توصيل شبكة المياه للمنازل بدل شراءها من كوارو السقيا … وها هي المدرسة ما تزال بدائية يجلس طلبتها فوق الرمال ، يفقتدون إلى معلم اللغة الإنجلزية وإلى حصصه المسائية المضحكة ، ويضيعون واحداً تلو الآخر في نادي الفتوح ، بين لعب البليستيشن والبلياردو ، وبين الأفلام الأجنبية … إن من قتل الدكتور قتل في نفوس الناس رغبة الحديث عن التطلع ، قتل الإلحاح للحصول على أبسط الحقوق ، قتل الاجتماعات الدورية والمظاهرات ، وها هي الدولة مجدداً تسقطهم من ذاكرتها ، ها هي وعودها المعسولة تتبخر أدراج الريح … فالخريف مازال يدمر البيوت لكن بلا مساعدات ، والأمراض تضرب الناس لكن بوجود مراكز طبية خاصة بلا قيمة ، إن من قتل تانك ، لا بد وأنه قتل قرية الفتح .!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً