الرئيسية / العدد السادس عشر / نخلة عبدالرحيم..

نخلة عبدالرحيم..

8156792628_9851a0710e

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أنت يا ولد، تعلم أني خرفت، وتعلم أني الآن بت كهلا عجوزا ينسى ويشطح بفعل ما أثقله الزمان.. لكنك تظهر الامتعاض، وتسأل: من عبد الرحيم هذا الذي تؤرقنا به جل الليل؟!

الله يرحمك يا الإمام.. لكني سأقص لك مما هدته الأيام، ولا أطلب سوى الكف عن عتابي، ولك المشيئة في أن تكذب…

كنا يا ولد في قريتنا عام “الصاقعة”، سنة احترق كل دوم و نخيل “ود الفكي”، ونجت نخلات “عمسيب” الملاصقه بكرامة ضريح سيدي “الأغبش”.. وهي ذاتها السنة التي ولد لي فيها أبوك “الناير” وعمتك “الرقية”.

كانت البلد وقتها تخلو من أي شيء يعجب، تقطعها بحمارك “المكادي” عدة مرات دون حاجة تدعو للكز بطنه، تمتد من جهة “البحر” من ناحية ساقية “ود الفضيل”، إلى غاية بيت “العمدة”، وحسبك، وما تلاه كان صحراء و”دباس”.

وسكانها يا بني هم ذاتهم مذ أن عرفتهم في أشكالهم وتعدادهم، كمثل النخل لا يموتون إلا لمرض عضال. أما أنا، فلا يغرنك أني لا أملك في فاهي غير ضرسين نخرين، بل كنت خيرة أهل “الفريق” شبابا وجمالا ورجاحة عقل .. وكنت بعد متزوجا من جدتيك أميمة وفاطمة رحمهما الله، وعلى ذمتي “حبوبتك” عائشة التي مهرتها الفاتحة، وزفوني بها بأغاني أمي البتول، من النيل إلى عريشتها.. مرورا بضريح الأغبش، عرسا دام شهرا تاما موصل ليله بنهاره ، لم تسكن فيه “الدلوكة” لحظة .. حتى أن نساء البلد بتن مبحوحات من كثرة الزغاريد ، ورجالها باتوا مترنحين من وفرة “عرقي السكسك” !

كنا نحن الأربعة ، أنا والعمدة الطاهر وشيخ عبد الرحيم و ودعوضين “أبوالبنات” ، نحكم البلد بقبضة حجر .. لا شيء هنا أو هناك إلا ونعرفه ولنا فيه ناقة ، تجدنا نعلن متى يحرث فلان أرضه ، ومتى يبيع لنا تمره ، متى يتزوج ومتى يطلق ومتى يأخذ بثأره .. تجدنا نمسك على كل ذلة نرهقه بها ، وعلى كل صغيرة ترضخه لنا ، فلا أحد يجرؤ ويحدثنا بلا .. نحكم بما نراه نحن أولى ، ونعدل ونجور كيفما إتفق .. والحق لنا ، فنحن الأربعة نحمل كل القرية فوق ظهورنا ، نطحن الدقيق لمن شاء بثيراني وطواحيني ، نهديهم اللبن وقت الأعراس من بهائمي.. ونحرث لهم الأرض وقت النفير. نعالج من يمرض بحجامة أبو البنات وأعشابه ، نطببهم ونقدم لأهاليهم المعونة.. ونمنع عنهم عدوان الحكومة بعمدتنا وشدة بأسه ، ووسع معارفه ، وما من أرض أو نخلة اقتطعوها إلا ورددناها …

– (وعم عبد الرحيم؟!)

الله يرحمك يا شيخي الصالح… كان هو المشهود له بالطهر والعفة ، إمام المسجد وخطيب العيدين ومأذون البلد ؛ فما من عقد نكاح وإلا على يديه ، وما من أحد يموت إلا و غسله و كفنه وصلى عليه ، كنت لتراه وضيئا نايرا فتحسبه ملاكا يمشي بجلباب و “سروال” ، وكنت لتجده يجلس معنا جلسات السمر -حينما يكون القمر بدرا- لا يخوض في ما نخوض ، ولا “يضوق” الخمر قط ..!

يومها يا وليد الناير ، يوم وقعت “الصاقعة” ، واشتعل نصف نخيل البلد.. ونجى تمر عمسيب بضريح الأغبش ، وبينما نحن نتفقد ما أكلته النيران وما تلف ، وجدنا عبدالرحيم في “العصرية” مرميا على سريره ، هامدا معدوم التعابير ، شاحبا متصلبا ، نهرته باسمه فما ازدجر ، هززته فسايرني ولم يعاند .. فعرفنا أنه اختنق في أوضته ، وأنه قد بلغ مبلغه ، وأتم أجله .. فبكت البلد على نخلاتها وبهيمها وبكيت أنا على شيخنا عبدالرحيم ..

– (ثم ماذا؟!)

.. وقفنا يا ولدي أمام جسده تائهين ، ونواح القرية من حولنا يعلو ويحتدم ، وعويل نساءها لا يحده شيء ، لا ندري ماذا نفعل… ففي البلد كلها ما من أحد يعرف كيف نغسل ونكفن عبدالرحيم إلا هو ، وأقرب قرية حيث الشيخ حميدان ؛ تبعد زهاء اليومين ، ناهيك عن أننا في فصل الخريف..

نظرت في عينيه .. حنوت أخاطب جسده المتناسق فارع الطول ، دعوت قدر ما أعرف وما لا أعرف من دعاء ، والعمدة وأبو البنات ينظران بدموعهما إلي.. يدركان بأن لا أحد سواي سيغسله ، فوحدي من سولت له نفسه ذات مرة ، أن يساعده في تكفين “ود بابكر” ..!

انتهرتهما : وليكن ، وضعته على “العنقريب” ، وفعلت مثلما فعلنا بود بابكر ؛ عصرت بطنه برفق ومسحت ماخرج بخرقة قماش ، ثم وضئته ، رغيت السدر وغسلته ، وطحنت الطيب وعطرت بدنه ، ولففته بثلاث قطع أحاكتها أم الحسن.. حملناه على أكتافنا ونحن نهلل .. و صلينا عليه وقد دخل بنا العشاء ، ورائحة البلد لاتزال تفوح روح الحريق ، وسحابات الخريف تقدم لنا حمراء كالجمر ، توشوش عن مطر قريب .. أخذناه و فوانيس الزيت والمعاول ، وشققنا له قبرا يناسب ذاك الشموخ ، فما من أحد رأى جسده إلا وعده أطول أهل البسيطة ، حفرناه قبرا يفوق جدك بزراع وشبرين ، ومع ذلك وضح قصره للعيان..! كان المطر قد بدأ يبكي .. حتى أنه انطفأت مصابيح الزيت ، وأصبح الرجل منا لا يعرف ما أمامه ، فأسكناه القبر ولا ندري كيف استوى بداخله ، ردمناه التراب وركض كل إلى بعيره إتقاء المطر ، صيب سال حتى غمر الأرض وأغرقها .. قالوا أن السماء تنوح عبدالرحيم ، وقالوا لعلها بكت “الغنماية” المباركة “لست البنات” ، وقالوا بل نخيل ود الفكي ، لكنها بكتهم كلهم معا …

حين غفوت في تلك الليلة ، رأيت سيدي الأغبش في المنام ، تماما كما وصفته “يُما” في أحاجيها ؛ رجل أثر الجريد ظاهر على تقاسيم كفيه ، نائر الوجه غميم الطل ، شليخ الخد ووجينه ، باسم الثغر وبهيه ، أتى نحوي رافعا يديه: (الفاتحة على روح المبروك .. الفاتحة على المبروك ) ، صحوت من فوري مخضوضا مع “الفجير” ، فعزمت ركب حماري والأرض بعد لينه وطين ، وقصدت إلى حيث وارينا مثوى عبدالرحيم.. فما فقهت ما رأيت ؛ القبر منبوش دون القبور ، وآثار أرجل عريضة ، آثار بحجم ما تخطه قدم رجل فارع ، تجول وتخطو بثبات إلى جهة البساتين ، قصصتها فإذا بها تنتهي عند ضريح سيدي الأغبش.. وإذا بنخلة سامقة ، بطول المرحوم ، قرب الضريح.!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً