الرئيسية / العدد التاسع عشر / إلى قدر _رسائل من بلاد غاندي _ “٤”

إلى قدر _رسائل من بلاد غاندي _ “٤”

10393715_369378916576163_8026469367696143435_n

حفيظ الحاج :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كيرلا ” خيرٌ من الله ” أو ” خيرُ الله ”  هكذا يقول عنها أهلوها وبنوها يا قدر ؛ وللحق في   ذلك هم صادقون .

أكتبُ إليك والدهشة ما تزالُ تملأُ جنباتي مذ أن ترجلت قدماي من القِطار .

 يا للهول ! ؛  هكذا وجدتني أقول حين رأيتُ مدينةً محفورة بطرقاتها داخل غابة ؛ كما أقول لك تماماً فالسيارة التي تنقلني من محطة القطار إلى داخل المدينة ما تزال تتصعد الطرقات وتهبط مذ ساعة والأشجار والسحب تطوقنا من كل جانب ؛ دكتور أسامة الذي إستقبلني عند المحطة تبدو له دهشتي بائنة كلما حدّق إليّ من خلال مرآة سيارته  ؛ فيردد بإبتسام  : هذه كيرلا _ خيرُ اللهِ ” فمرحباً بك ضيفاً عزيزاً بيننا .

أعرفُ بأنه بعد قليل عليّ أن ألقي محاضرة عن لغتنا العربية وجمالها يا قدر ؛ ولكن الريبةُ دائماً ما تجتاحنا في ساعات الصفر ؛ ولكن إيماني بأن الدعوات والصلوات التي يبعثها إلينا الأحبة  دائماً  ما تكون هي زادُ تلك اللحظات .

أن تتحدث اللغة مع ناطق بها أو متعلم لها ؛ الأمرُ يحِدُ من سجيتك وفطرتك في التحدث ؛ يجعل منك رقيبَ كل مفردة تتحدثُ بها ؛ الشيء الذي يجعل منك وكأنك مبتدئ أيضاً .

عند مدخل الجامعة استقبلني رجل سبعيني وضئ الوجه ؛ هادئ القسمات ؛ روحه المطمئنة تعلو بائنة على سطح جسده ؛ صافحني بمحبةِ والد،وتواضع عالم؛ تحدث معي بالعربية بجلال مطلق ؛ مما زاد من ريبتي وخشيتي أيضاً .

أكرموني بالتمرِ يا قدر ؛ هم يعدّون لكل شيء بحسبان دقيق ؛ همس لي السبعيني قائلاً عرفنا بأنك من السودان فأردنا أن نكرمك بثمار أهلك وبلادك ؛ فشاغبته بمحبه قائلاً له : نعم يا أبتي فهذه بِضاعتنا قد رُدَت إلينا .

سارت المحاضرة بسلاسة ساحرة ؛ وجدتني أقول حديثاً ما حضّرتُ له من قبل ؛ و إستدليت بمفرداتٍ ما خطر ببالي مطلقاً أن أقولها ؛ تحدثتُ بأناقةٍ مفرطة وبرّاقة ؛ كانت الابتسامات تتلغفني ريثما وحيثما وقعت عيني ؛ كنتِ أنتِ حاضرة ؛ وكان خيالُ والدي يحيني بابتسام ومحبة ؛ وتوفيقُ الله في الحقيقةِ  هو الذي كان يقف أمام الملأ ويتحدث ؛ لا أنا ؛ فيقيني نحنُ مجرد أدوات يا قدر يستخدمنا الله وِفق نياتنا ؛ فإن أخلصنا النوايا يا قدر وفقنا الله وكنا في أنظارِ الآخرين خيراً ؛ وإن خالطت نوايانا الشوائب فارقنا توفيقُ الله وسقطنا في شرِ أعمالنا .

الهنود يا قدر متواضعون جدا لطلبِ العلم والتعلم لحد الريبة ؛ دكاترة يكن لهم في حصيلتهم المعرفية  عشرات الكتب التي كتبوها وعشرات السنين التي في مجال العلم أفنوها ؛ ومع ذلك تجدهم يسألونك بلطف عن معنى مفردة في لغتكِ العربية ؛أدركتُ ساعتها لماذا نحن نتأخر دائماً بينما هم في المقدمة سائرون.

جميعُ الحضور غمرني بالمحبة طلاباً كانوا أو دكاترة ؛ هندوساً ومسلمين وأبناء المسيح؛ تبادلنا القفشاتِ والأمنيات والصور؛ ” والسِلفي” أيضاً كان لها النصيب الأوفر بيننا ! .

لم يتوقف الأمر هنا؛ بل أمطروني بجولاتٍ سياحية على امتداد مقاطعة كيرلا ؛ فزرنا الساحل وتسلقنا الجبال وتناولنا الدوسة وجبتهم المحلية المفضلة ؛ وكانت المحبة المطلقة هي ” الحلأ ” في آخرِ المطاف.

تناقشتُ  معهم وغصتُ في دواخلهم بقدر المستطاع ؛ عرفتُ كم هم طيبون وبسيطون لحد الدهشة ؛ متسامحون ؛ مدركون لمعنى الحياة بكمال لا زيف فيه ؛ أخبرني أحدهم أنه كان يريد الزواج من إحداهن ولكنها لأنها من طبقة أخرى ؛ غير التي هو فيها ؛ قصمت ظهر بعير أمانيهما هذه الطبقية المقيتة .

دعَوني إلى ديارهم لتناولِ الوجبات ؛ وأن تأتيك دعوة كهذه يا قدر في الهند فذلك لسببين لا ثالث لهما إما أنت محظوظ وإما أنت محظوظ ؛ فوجدتني أقول بسري ياااه لقد هرمت من أجل لحظة كتلك ! .

أمطروني بالهدايا والأمنيات ؛ بادلتهم بالدعوات والمحبة ؛ تمنيتُ لو تطول ساعاتي بينهم ؛ توجهتُ صوب محطة القطار تحسست رواية تشيخوف التي سترافقني على امتداد الطريق فتبسّمت  .

قبل أن اختم عليّ أن أزف إليك البشرى ؛ تعرفين ربطة العنق التي لطالما أرهقتني في ربطها  ؛ اليوم أضحيتُ أربطها وأنا مغمض العينين ؛ فربما كانت هذه من فوائد الأسفار أيضاً ؛ حينما لا تجد أمك وإخوتك بينك لمساعدتك في ربطها ؛ فتحاول وتجتهد فحتماً تتعلم ! .

                      إلى حين رسالة أخرى:

           كوني بعافيةٍ ومحبة كأهلِ خير الله .

                          حفيظ الحاج

                      القطار العائد من كيرلا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

لا تعليقات

  1. وففك الله وجعلك دخرا وفخرا لنا
    والحمدلله الذى أتم مانقص فينا بك

  2. وففك الله وجعلك دخرا وفخرا لنا
    والحمدلله الذى أتم مانقص فينا بك

أضف تعليقاً