الرئيسية / العدد الثامن عشر / الغياب أو شخصٌ يبحثُ عَنْهُ

الغياب أو شخصٌ يبحثُ عَنْهُ

n500c7fc69aea0

مجاهد علي الدومة:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

خليطُ من الأصوات يتسرب ناعماً  إلى أُذُنَيّ ، أحسّ بقطرات العَرَقِ  المتناثرة على وجهي، افتح  عينَيّ ببطء، تلتقيان بعينيّ طفل  يقفُ أمامي مباشرة و  يرقبني بشيءٍ من  الفضول. اشعر بدوار خفيف، أُغمض عينيّ مرةً أخرى، افتحهما مجدداً  بعد برهة من الزمن، أجدني ممدداً علي ارضِ صالة طويلة، مطلية جدرانها باللون الأبيض، ومن إحدى نوافذها  تنبعث حزم صغيرة من الهواء ،  تبرد قطراتِ العرق المتناثرة لتمنحني شعوراً منعشاً.

 يأتي إلي احد الأطباء، يعتذر مني  لعدم وجود أَسرّة كافية ، يطمئنني بأنني أعاني هبوطاً عادياً  في مستوى السكر، تبدأ حيرتي حين يسألني  عن اسمي ، أحاول  أن استدعيه من  ذاكرتي، لا أجده، أتعمق فيها أكثر ، لا أجده ، افتح فمي فربما انطقه فمن يحتاج لذاكرته حتى يَنْطقَ اسمه؟ لكن لا شيء سوى فقاعات من الصمت تخرج من فمي لترسم في الفراغ تساؤلاتٍ عني أنا الكائن الممد على  الأرض،  فقاعات على شاكلة، من أنا؟ ومن أحضرني إلى هنا؟ لماذا لا أستطيع تذكر أي شيء؟ لا اسم، لا أصدقاء، لا بيت، لا دين، ولا حتى حبيبة !

قبل أن اخرج سألتُ الطبيب عن من أحضرني إلى هنا، اخبرني انه هو من فعل ذلك، فبينما هو يدخن سيجارته خارج المشفى كنتُ  أنا أسير على مقربةٍ منه،  و أمارات التعب بادية في وجهي بعد ذلك سقطت و أغمي علي، حملني هو و احد الممرضين إلى الداخل. شكرتُهُ ثم خرجتُ بعد أن أرشدني إلى الباب، نظرتُ إلى نفسي في البوابة  الزجاجية، تَحَسّستُنِي، أبدو وسيماً مع بعض الشعيرات البيضاء التي تُزيّن رأسي، ارتدي بنطلون من الجينز و قميصٌ افريقاني مُزركش عند فتحة الصدر، ولأول مرةٍ انتبه للحقيبة  المعلقة على عُنُقِي إلى أسفل ظهري.

جلستُ على الرصيف المقابل للمستشفى، فتحتُ الحقيبةَ بلهفة و خوف كبيرين، عسى أن أجد شيئاً يَدُلّنِي إلي، لا تحتوي الحقيبة على أشياء كثيرة فقط كتابين، دفتر متوسط الحجم و قلم بيج، احد الكتابين هو حلم رجل مضحك لديستوفيسكي، و الآخر الجدارية لمحمود درويش، تصفحتُ الدفتر ورقة تلو أخرى لكنه كان خاويا من أي كتابة، لم يَمْسُسه قلمٌ بعد.

“تش تش.. اش اش”

 يُقلّب احد عاملي الكافيتريا بعض اللحم على نارٍ الفحمِ الحجري، يتكاثفُ الدخان على شكلِ سحب بيضاء، تنفذ الرائحة الشهية إلى داخلي، تثير بعض المراهقين يستمنون هرمون ما لأشعر أنا  بالجوع. في تلك اللحظة كنتُ أفكر وأنا أُحَرّكُ انفيَ كفأرٍ صغير، في المصدر  الحقيقي للرائحة، اهو الصوت، السحب الدخانية، ام شيء خاص بتكوين اللحم، أم امتزاج تلك العناصر الثلاثة كلها. قطع عليّ احدهم حبل تفكيري  بدعوتي  لمشاركته الطعام، وقال لامرأة تجلسُ بالقربِ منا:”كبايتين شاي لو سمحتي”.

بعد الأكل احتسيتُ الشايَ  بتمهلٍ و متعةٍ،ثم غفوتُ على الكرسي،  لمّا استيقظتُ كانتْ الشمسُ تُجرجرُ خيوطَ فستانها الذهبية بعد انتهاء حفلة النهار، ثمّ  ودعتِ المكانَ بقُبلةٍ علي خده، لتفسحَ المجال لليل. قمتُ من مكانيَ ذاك، تبولتُ عند ناصيةِ المشفى، وبعد ذلك تجولتُ في الشوارعِ بدون هدف معين، بدأ التعب ينال مني، وهناك عند سور ذاك الجامع الكبير، رأيتُ مجموعة من الأشخاص يستعدّونَ للنوم، صنعتُ ليَ مكاناً بينهم ببعض الكرتون، توسدتُ شنطتيَ القماشية، حملقتُ في ذلك النجم البعيد وأنا أفكر في الصباح، كيف سيكون و ماذا سأفعل انا الذي لا يعرف عن ماضيه شيئاً ترى كيفَ ستكونُ الحياة، حينها أخرجت الدفترَ و القلم من الحقيبة و كتبتُ الأتي: ” سأجدُنيَ في سُكونِ الليلِ، في صوتِ جناحِ بعوضة، في ضياعيَ، فيك أنت، في أُغنيةٍ تَنبعثُ بلا صوتٍ من رُوحي، سأجدُنيَ في طعمِ الألوانِ، في همسِ الريحِ لأشجارِ الغابةِ :أحبُّك، في اندهاشيَ بكلِّ شيء، في احتفائيَ بالوُجودِ، سأجدُنِيَ في إحياءِ وردةٍ ذابلة،  في اللحظةِ الحاسمة بين الليلِ و النهار، في قصيدةٍ لم تكتمل بعد لشاعرٍ ما، في عناقِ صديقٍ أُحبُّه ، سأجدني في سِفْرِ التكوين، في روايةٍ لماركيز، في قبلةٍ أُوْدِعُها خدَّ طفلةٍ تسألنيَ المال في السوقِ العَرَبي، سأجدُنيَ في آية من القُرآن، في قصيدةٍ للصادقِ الرضي، سأجدُنيَ في روايةِ الطريقِ إلى المدنِ المُستحيلة، في قولٍ لبوذا، سأجدُنيَ يوماً ما.” و بعدها  عُدتُ و رقدتُ في سريريَ، احتضنت الحقيبةَ و نمت.

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً