الرئيسية / العدد الثامن عشر / الفراشة ورحيق الزنزانة

الفراشة ورحيق الزنزانة

www-St-Takla-org___Freedom-Hand-Butterfly-01 (1)

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

حاولت أن أكتب ما حدث لي , ولكن الكلمات كانت هادئة كعادتها , وأنا في داخلي عاصفة تريد أن تزمجر وأن تصرخ , وهناك جروح كثيرة تريد أن تتنفس !

رئتي أخذتها روحي المسكينة , وليس للجسد إلا ضغط الهواء .!

أشعر بالمرارة في جسدي وكأن حاسة اللمس أصبحت للذوق !

 أتذوق حتى الكرسي الذي أجلس عليه , أتذوق طعم ملابسي , وحجابي الأبيض هذا , أتذوق طعم دموعي التي خبأتها في ثوبي .!

لم أستطع أن أكتب ما أريد أن أقوله الآن , لهذا قررت أن أستخدم الكاميرا لتسمعوا مني صورة وصوت !

أولا

أنا بنت عادية مثل أي بنت تراها في بيتك , أبدأ صباحي بالاستيقاظ من النوم , يتعبني تصفيف شعري , ولا أضيع وقتا كثيرا في ارتدائي لملابسي والوقوف أمام المرايا وأخذ دفاتري ومصروفي اليومي من أبي وقتها يكون شبه نائم ؛ لأني أستيقظ مبكرا بسبب المشكلة الأزلية وهي المواصلات !

وأذهب إلى الجامعة !

كنت أظن بان الرجال مخلوقات فضولية تحب دائما النظر إلى المرأة أفهم أنهم يسرهم أن يروننا نبتسم ونضحك ,أفهم هذا السلوك الذكوري !

لكني لم أتخيل أنه سوف يحدث لي ما حصل لي الآن , كنت عندما أسمع عن مثلها أكذب ما أسمعه وأقول إنما هي وسيلة لمعارضي الحكومة لابتزاز السلطة !

من أين أبدأ حديثي ؟

ليس هناك ما يسمى بإنسان عادي فكل منا في داخله عوالم كثيرة من خيال وأمال , وأنا مثل الكثيرين منكم أحلم بوطن يسعنا جميعا , وطن يحاسب اللصوص والقتلة حسابا عسيرا , وكنت أحلم بثورة مثل يوم القيامة يفرح بها الأخيار وتحزن الأشرار .!

أعلم بأنكم ترون الآن دموعي , إنها باردة مثل الثلج , إنها تخفف عني قليلا , الساعة الآن الرابعة فجرا , المكان هادئ لدرجة أنني أكاد أسمع صوت الله وهو يسأل العالم هل من عبد يدعونني فأستجيب له ؟

لا تأبهوا لهذه الدموع , فهي لم تنزل إلا لتشفيني , سوف أقرب هذا المصباح إلي لتروا وجهي بوضوح أريد أن أقول لكم : أنني تعرضت للإغتصاب !

لا أعلم لماذا نصحني بعضهم أن لا أعترف بذلك وكأني ارتكبت جرما علي أن أسكت عنه و لا أعترف به !

أنا أخبركم لأني سوف أشعر بالذل إن لم أدلكم على الجاني , على المجرم لينال العقاب الذي يستحقه , فهم فعلوا ما فعلوا ظنا بأني سوف أسكت . والساكت عن الحق شيطان أخرس . الشيطان يريدني أن أسكت على الضيم وأن أحزن كلما تذكرت المصيبة التي ابتليت بها وأن المجرمين أحرار لم يحاسبهم أحد .!

كانت تظاهرة مليئة بالشباب الطيب , كنا صادقين ونحن نعبر عن أحلامنا بوطن من غير أبنائه الأوغاد , وبلد يكون فيها المبدعون أحرارا و اللصوص في السجون .

لكن قوات مكافحة الحرية تصدت لنا بالرصاص وبالقنابل المسيلة للدموع , لم نتراجع واعتبرنا الغاز الأبيض عطرا نتعطر به , وغضبنا أكثر لرؤية دم زملائنا .

كنا نرى رجال أمن الدولة مجموعة من الزومبي لا ينشدون نشيدا ولا يذكرون الله , كانوا مجرد كلاب حراسة ليس لديهم دافع للصراع كنا نحلم بالشهادة , أن تأخذ الملائكة أرواحنا بدلا من أن نعيش في بلد يحكم فيها الطاغوت .!

الغاز المسيل للدموع أصبح ضبابا كثيفا تتحرك فيه جثث الزومبي كنا نختفي واحدا بعد الأخر كانوا يرتدون أقنعة تحميهم من الغاز السام !

ذراع غليظة مثل ذراع غوريلا تطوقني , ويد زومبي تافهة تغلق فمي , ما كنت سوف أستغيث بأحد غير الله لهذا إستغثت به , بصوتي الداخلي . أنقذني يا رب , قوني يا رب !

رميت بعنف في الشاحنة الحديدية , سقطت فوق زميل جريح , كان يئن من الألم , فلما رآني كتم أنينه .!

كنت أريد أن أخبره لا بأس أن يئن ألما لو كان الأنين يريحه .!

لكنه مات , فوضعت يدي على عيونه أغمضها , كنت أعرفه لكنه في تلك اللحظة كان جميلا جدا فبكيت!

بكيت وأنا أضع وجهي على صدره , كانت فان قميصه مبللا بالدم !

حتى أن وجهي تخضب بدمه , كنت أبكي وأنين الجرحى من حولي , كانت أصوات مؤلمة وحزينة .!

رميت في الزنزانة وحدي , بعد ساعات غابت الشمس وقد عرفت بان الوقت ليل باختفاء الذباب الذي كان يحوم حول وجهي ويدي وملابسي . كانوا ثلاثة ومع كل واحد منهم دلو ماء .

صبوا علي الماء بعنف وكأني تمثال من برونز يجب تنظيفه !

بعد ذلك تقدم أشقاهم خلع حجابي من رأسي , واقترب أوسطهم لف يده بشعري , يشدني به واستطاعوا تقيد حركتي !

صعقت أول مرة وأخيرا تكلمت :أخبرتهم أن وظيفتهم أصلا حماية الشعب , أخبرتهم بأني مسلمة فلم يكترثوا لقضية إسلامي وأخبرتهم باني مواطنة ولم يهتموا بصفة المواطنة أيضا .!

فحدث ما حدث . بعدها تركوني أبحث عن ما تبقى من ملابسي الممزقة أستر بها نفسي , ورأيت على النافذة التي إتخذ فيها العنبكوت بيتا فراشة تحاول أن تتحرر من الفخ الذي وقعت فيه , فحررتها وأخذت بحذر أنظف أجنحتها الرقيقة من دنس خيوط العنكبوت فحامت حول وجهي حتى ابتسمت ثم خرجت من الزنزانة في تلك اللحظة علمت بأني أستطيع أن أبتسم !

خرجت بعد أيام وأنا في حضن أمي وغمرت روحي في عطرها وبكيت على كتفها .

أمي حزنت كما لم تحزن من قبل وأبي غضب وبكى وإلى الله المشتكى !

أحلم بأن تتحطم تلك السجون وأن تتكسر تلك القيود والزنازين وأن نزرع مكانها أشجارا وورودا لتكون حدائق تعيش فيها الفراشات .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

7 تعليقات

  1. I like the valuable information you provide in your articles. I will bookmark your blog and check again here frequently. I am quite sure I’ll learn many new stuff right here! Best of luck for the next!

  2. Wat een mooi haar heb je en wat ziet het er mooi uit met de slag! Klinkt als een goede en fijne budget stijltang.

  3. Vendeur en tenant peruvian virgin hair https://www.youtube.com/watch?v=k1oaz7n0ILk entendu impeccable chaleureusement

  4. betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/check-website/betterscooter.com Vraiment très gracieux marchandise. Rien à redire. rempli levant très convenablement

  5. You can very easily add a YouTube video to your site or your Facebook
    account, and the end user does not need any specific viewer like Windows Media Player or Swift Time to view it.

  6. The seller carrier that is used depends on business version of the organisation.

  7. We have put together lots of information concerning owning a Campers Vacation House or a
    High-end Holiday Lodge so you can learn whatever you need to understand.

اترك تعليقاً