الرئيسية / العدد الثامن عشر / الموؤود | إختلالُ الطبيعة

الموؤود | إختلالُ الطبيعة

جنين

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

مدخل:

في هذا الزمن كل ما مكث زمناً في قائمة المستحيلات أضحى ممكناً, وصار الأعوج مستقيماً, وتماهى العيب في الجائز, واهترأت حنجرة الحق.

” ثم صاح القضاء: كوني, فكانت *** طينة البؤس شاعراً مثالا  “ إدريس جماع

**

نص:

منذ أن صرتُ أشبه الآدميين أصبحتُ أشعر بالعالم من حولي .. لكنَّه لا يأبه بي كثيراً, ولا حتى صاحب هذا السجن الضيق ! .. أعتقد أنني جزء من هذا الجسد الكبير .. أشعر به ويشعر بي .. يأتيني الطعام عبر حبل مجوف متصل بأحد جدران الغرفة .. أتصل به بطريقةٍ ما, فعندما يغضب أغضب .. يفرح فأركل أنا الجدار المقابل .. أرى كل من يتحدث إليه وأسمعه؛ وكأنني أنظر إليه من خلف جدار شفاف .. أهمّ بالرد عليه؛ تمنعني الجدران فأركلها. لماذا أُوضع في مكان ضيق كهذا؟!

 لا أملك أي وسيلة للتعبير سوى الركل بأرجلي, فصوتي لا يمكن سماعه, هل يعلم هؤلاء أنني هنا بالداخل؟!

ينفرد جسمي الكبير مع جسد آخر .. أسمعه يقول: “اهدئي يا امرأة” وترد هي: “لا أقوى يا رجل” ما الفرق بين الرجل والمرأة؟! يتداعبان ويضحكان.. ينطفئ الضوء بالخارج وأصبح أنا في ظلمتين .. يسكن كل شئ؛ حتى تلك التي تدور بالسقف .. يعلو الهمس والتنفس .. يلتصقا بشدَّة .. أرى في نهاية غرفتي الضيقة عصبة طويلة مستديرة, تقترب مني فتتسع فتحة النفق, وتبتعد لتنغلق .. لابد أنني دخلت هذا العالم نتيجة إتحاد مثل هذا في يوم ما .. تضيق بي الغرفة وتتسع لتضيق في حركة مضطربة .. يتداخل الجسدان حتى يصعب فرزهما .. يزداد التوتر واللهاث .. يصرخ بصوت غليظ, وتصرخ بصوت رقيق .. ثم ترتخي عضلات غرفتي لأتنفس الصعداء, ولكن ينغص عليَّ راحتي هذا السائل الأغبش اللزج, إن رائحته كريهة, كما أن الحرارة مرتفعة …

الآن لدي يدين ورأس به عينين وأنف وأذنين, ورجلين هما أكبر أطرافي بينهما عضو ما, يشبه تلك العصبة المستديرة لكنه أصغر. كيف نبتت هذه الأشياء؟ لا أدري .. أنا فقط أريد عالماً أوسع لأركض برجلي .. لألوح بيدي في الهواء .. أهناك غيري في غرفة كهذه؟, لأرى من يشبهني, أظن أن شكلي سيصبح مثل ذاك الرجل! .. سأخرج في يوم ما .. أعيش الحياة كما ينبغي, سمعتها تقول: (أن بعض الناس طيبين)؛ أهم طيبون مثل ذاك الرجل .. يجعلونها تضحك وتصرخ؟!, وتقول أيضاً: (أنهم يتبادلون الحب, ويفتقدون بعضهم, وهناك شمس تضيئ عالمهم, و قمر يرسل شعاعه الفضي في ليالي سمرهم, و ليلٌ ونهار, و ثمرات ومأكولات طيبة, و ملابس أيضاً!) .. أنا متلهف لحياتهم تلك …

أنام معظم الوقت لتكبر أحلامي, لكن في هذا اليوم استيقظت مبكراً .. فالحبل الذي يصلني بالغرفة لم يمتلئ منذ أمس .. أرى سيدتي مستلقية على فراش أبيض, تتصل بها أسلاك موصولة بجهاز يصدر صافرات متتابعة .. يأتي شخص يرتدي الأبيض .. يتحسس صدرها بشئ معلق في أذنيه.. يدون شيئاً في مفكرته .. يتحدث مع شخص آخر .. ثم يدير هذا الأخير أزراراً مستديرة في الجهاز يمنة ويسرة .. ويحقن تلك القربة المعلقة والموصولة مع منتصف يدها بسائل شفاف .. يضع يده على جبهتها.. يبحلق بنظره نحو سقف الغرفة ثم يذهب …

إستيقظت سيدتي.. تناولت بعض الماء .. تمنيت لو تستجيب لصاحب الزي الأبيض وتأكل شيئاً؛ فهي كلما تفعل ذلك أشبع أنا .. لكنها لم تفعل, و قالت: “أريد إنزاله” .. انقبضت عليّ جدران الغرفة .. فقد كانت تحاول أن تجلس, “ربما نسِيَت أنني هنا بالداخل, لا لا, أقسم أنها تتعمَّد مضايقتي” .. تفاجأ صاحب السماعة ورفض طلبها حتى قبل أن يفكر لثانية واحدة.. أخرج مذكرته وكتب عليها شيئاً .. لحظات وكانت خارج ذاك المكان .. سمعتها تردد في نفسها ذات العبارة مرات ومرات, وفي كل مرة يزيد إصرارها وتنطقها بحرقة أكبر .. وعندما يطفح كيل ضجرها تشتم أحدهم بعبارات غريبة, ثم أخذتها نوبة تفكير … كنتُ أنا أيضاً أفكر, فهذا هو الشئ الوحيد الذي لم تمنعني منه هذه الجدران الطرية.

طاقات جديدة بدت تنبعث من صدري .. سمعتهم يتحدثون عن الشوق, لكنهم بالتأكيد لا يعنون ما أشعر به تجاه هذه السيدة؛ إذ يمكنني الإمتناع عن الأكل ليومين مقابل أن أرى وجهها, هل يعنون ذلك؟ .. في هذه الأثناء قالت: “إنه الأصيل ولم تأتِ تلك الحمقاء بعد!” ..

أحدهم طرق الباب .. تدخل سيدة نحيفة .. يتدلى من يمينها مربع أسود .. تضعه على طاولة بالقرب من السرير الذي تستلقي عليه سيدتي, تفتحه, فأرى أدوات لامعة وحادة, وأكياس بشكل يدي إنسان .. سمعتهم ينادونها “داية” .. تقترب من أذنيها .. تهمس: “سنقوم بذلك” .. شعرتُ أن الحديث يخصني .. أصغيتُ جيداً .. “سنخرجه حياً أو ميتاً” .. ماذا فعلت أنا؟! هل لأنني أركل كثيراً؟! ألا أستحق أن أصبح مثلهم: حُر؟! .. لا أعرف ما هو الموت بالضبط, أظنه شعور قاسي, عندما يحدث يمنع حدوث غيره ويرغمك السكون .. وربما أن يتولى الآخرون أمرك؛ يعني أنك ميت بشكل أو بآخر .. حينما أخرج سأخبرهم بفعلتهم .

أنا قلقٌ جداً .. فقدتُ رغبتي في الخروج شيئاً فشيئاً.. سبعة أشهر ليست كافية.. بدت أحلامي تتبخر؛ فأن تعجز عن الحلم لهو إحساس أقسى من الموت نفسه.. أصابني أرقٌ شديد, لم أنم منذ سمعت ذاك الحديث.. شعرتُ أنني لست محظوظاً. كان من الأفضل لي لو لم أركل تلك الجدران!

الوقت يزحف نحو الظلام .. الغرفة الكبيرة بالخارج تسع أكثر من واحد, عليها طاولات مختلفة الأحجام مربعة السطح, على إحداها الكثير من القطن وقطع القماش, تشمِّر السيدة الغريبة أكمام قميصها الضيّق .. ترفع سيدتي رجليها وتحنيهما من عند الركبة مباعدةً بينهما؛ فبدا مجدداً ذاك الضوءاً في آخر الغرفة, لكن الفتحة أكبر الآن وثابتة .. كنت متلهَّفاً لتلك الأشياء التي سمعت عنها ولم أختبرها .. أحلامي بالحب, اللهو, الأكل, الجري, الكلام, الشمس … بدأت السيدة الغريبة تضغط عليَّ من الخارج حيث اضع رأسي .. تأخذ سيدتي نفساً عميقاً وتكتمه لتشد الجدران من قبضتها عليَّ وتدفعني نحو الضوء .. تزداد حرارة جسدي .. أنزلق نحو الفتحة التي بدأت تتسع كلما ضغطت أرجلي على الجدران لينساب باقي جسدي بسلاسة .. بدأتُ بالإنزلاق نحو الضوء .. ذاك الشئ الأبيض الذي طالما تمنيت أن أراه! أحاول التشبث بأي شئ؛ كالغريق الذي يمسك بقشة “كما قالت سيدتي ذات ورطة!” .. أصبح صراخها عالياً حتى أحسست بأوردتها ستنفجر .. لامس الهواء أرجلي ثم غمر كامل جسدي.. أغميَ علي فوراً.

الآن أصبحت جسداً لوحدي .. كانت هي متعرقة ولاهثة .. سيزول عنها الألم وستفرح حينما تراني, ثم وعيتُ شيئاً فشيئاً .. لن أزعجها بصراخي لأني أيضاً مرهق جداً .. لكن بطني فارغة وهذا يؤلمني, فصرخت .. إندهشت السيدة الغريبة .. واندهشت سيدتي! .. وبدت حزينة ومحبطة؛ مثلي تماماً ! تقول لي فِطرتي أن الضحك يسحر الأمهات؛ لذلك حاولت الضحك لكن زاد صراخي, ولم أكن اتقن الضحك بعد, هل حقاً أرغب في الضحك؟ لا أدري.

أشعر بحنين إلى كرتين كبيرتين في أعلى صدرها .. يدفعني إليهما إحساس بشهية مفرطة وجوع يومين .. حملتني .. فاقتربتُ من هدفي .. يجب أن تُقرِّبني أكثر حتى أمتصهما, بدَت وكأنها تُبعِدي عنها عمداً, فبدأتُ أفقد القدرة على الحركة .. لكنها سارت بي في تلك الليلة الشتوية نحو منزلٍ مهجور, ليس به غرف, فقط أسوار كلها من الطين.

البرد ألزم الناس سرائرهم الدافئة .. وضعتني على الأرض و بدأت بالحفر .. إحدى عينيها تتابع الحفر والأخرى تتابع محيط المنزل الخالي .. آخر أحلامي ودعني حينها وصعد نحو السماء .. الشوق إلى تلك الغرفة الضيقة يعتصر قلبي الآن .. تذكرتُ الأمن و السلام, الهدوء, الطعام سهل الهضم, همس لي خاطرٌ يائس: (الذكريات هي الكائن الوحيد الذي يستعيد حياته ذاتياً, ونشعر بها كما لو أنها تحدث الآن)!

إنها تتألم ومجهدة .. تمنيت لو أساعدها؛ لكنني جائع .. ولا أستطيع حتى الصراخ, لأن فمي ملفوف بذات القطعة التي تلف بها جسدي .. جعَلَت الحُفرةَ بِمقَاسي تماماً .. ثم أَنزَلَتني .. أهالَت عليَّ التُراب .. امتلأ أنفي وفمي فاختَنَقْت .. شعَرتُ أن الكون يَصرُخ عنّي .. مندَلَت التُراب فوقي بأرجُلِها ليتساوى مع الأرض .. هبَّت ريحٌ غاضِبَة؛ ساعَدَتْها في تسوية التراب! .. نفَضَت أياديها .. تلَثَّمَت بطرفِ ثوبها .. استَطلَعَت الشارع .. هرَعَتْ نحو البيت تترنَّح من الإرهاق .. حينها أدركتُ أن الجحيم تحت أقدام بعض الأمهات !

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً