الرئيسية / العدد التاسع عشر / الموت وبسعادة..

الموت وبسعادة..

70-Photos-That-Will-Take-Your-Breath-Away58

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

وأخيراً مت وأنا في الثانية والعشرون من عمري , وجدوني ميتاً وتحت وسادتي ديوان (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي) لمحمود درويش .!

بما أني فارقت روحي في الساعة الثامنة مساءاً ظنني أهل البيت نائماً وأدركوا أني مت في الصباح .!

هذه ليست القصة , القصة أنني ولدت مرة أخرى كائناً مختلفاً وجدت بأنني عنكبوت , صغير جداً مثل حبة رمل , أحتمي بأمي الجديدة وكانت لي ذاكرة تجعلني إنساناً عالقاً في جسد عنكبوت .

كان مثيراً أن أرى العالم رأساً على عقب , ولم أهتم بالعالم ما دمت أراه من بعيد وأحتمي بسقف الحمام عن الشمس والرياح والبشر . كنت أرى باب الحمام يفتح أرى الضوء لثواني , أسمع صوت الماء وأراها تتدفق من دائرة معدنية , إذا كان من يستحم رجلا لا أهتم كثيراً بما يسمى عملية إستحمامه .!

إلا إن دخلت هي , كنت أعرفها وكنت من الذين يحلمون برؤيتها لم أحلم قط بأن أراها عارية , التي يتمنى الرجل رؤيتها عارية هي التي لا يحترمها , كنت أحلم بفرصة للحديث .

أن أخبرها على الأقل بأني أهتم بها , حتى تكتبني في قائمة عشاقها هذا لو كانت تهتم بعشاقها أصلا .

رأيت إخوتي العناكب يمارسون طقساً عنكبوتياً قديماً وهو إلتهام أمهم , نعم كنت جائعاً مثلهم ولكني الآن أفكر في شيء آخر .!

مشيت ملتصقاً على الحائط الإسمنتي الذي تفوح منه رائحة الصابون بحثاً عن زاوية جيدة للرؤية , كنت كعنكبوت جائع يرى فراشة وكنت كرجل يرى إمراة جميلة .

أخذت تغسل شعرها الأسود الملحمي مثل شعر هوميروس ,وبعدها إلتفتت إلي , جفلت قليلاً . لكنها لم تأبه : كنت مجرد عنكبوت عادي !

كان الماء يتدفق من الدائرة المعدنية وهي في العتمة البسيطة تستحم وكأنها ترقص , شعرها يقطر ماء , أذنيها تقطر ماء , صدرها يلمع مثل الذهب , وجهها يمكن أن يثير إعجاب الفراشات .!

وأخذت أنظر إليها ترتدي ملابسها واحدة وراء الأخرى , وخرجت وهي تصفف شعرها بيد من نور . شعرت بأني إنتصرت على الجدران العالية و الأسلاك الشائكة وكل حراسها !

في ذلك اليوم وجودني ميتاً وتحت وسادتي كتاب لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي !

ولا أريد لهذا اليوم أن ينتهي , جريت على الجدار بأرجلي الثمانية , وغمرني النور وكادت الريح أن تطيح بي .

كيف أشرح الرؤية وفقا لعيون العنكبوت ؟ تستطيع أن ترى أكثر ؛تلقائياً تنتبه لصوت الطيور , تشعر بالرعب منها , وتفهم قانون الجاذبية وتعرف كيف تؤثر حركة الرياح على قفزتك ؟

قفزت من الحائط على ظهرها في قميصها الأزرق القطني واختبأت في زهرة منقوشة فيه .!

وقفت أمام المرايا لا لتعرف مدى جمالها ولكنها العادة , أخرجت ما سوف ترتديه من ملابس , نظرت لقارورة العطر وأرجعتها بسرعة , ارتدت عباءتها السوداء .!

نظرت للمرايا مرة أخرى .تبدين جميلة جدا لا بأس رغم أنك لم تضع ولو قليلا من الكحل .!

وأخذت تساعد أخواتها وإخوانها الصغار في ارتداء ملابسهم وأحذيتهم , حيرني صمتها وصمت الأطفال وإختبأت في شعرها وكأني أهرب من الحزن الذي أحس به .!

صوت وقع أقدام , صوت أبوها الشرس الذي لطالما أفزعني بهيئته المخيفة . كان يعلم بأني أحب إبنته , ضبطني وأنا أنظر إليها عشرات المرات وهددني بالذبح لو إقتربت منها .

صوت محرك السيارة .. صوت تلاوة للقرآن الكريم .. صوت صمتها هي .. بعد مسافة من الزمن , أسمع صوت الرجال .

الفاتحة , الفاتحة ..

هي تقترب بي إلى العويل والبكاء . يا الله شعرت بأني عار أمام الجميع , وضحكت وأنا أشعر بالخجل : أنا حي أيها الناس .

رأيت أمي تبكي على كتفها وهي تبكي على كتف أمي , ما أغرب لقاء الحبيبات !

أمي دائما تسخر من البنات اللائي أحبهن وتقول : أغار منهن .!

بهدوء إبتعدت بي عن أصوات الحزن , جلست على فراشي الذي مت فيه , سمعت صوت الورق تحت وسادتي أخذته . كان كتاب لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي لمحمود درويش .

قرأت :

“لو أخبرتها بأني أحبها حينها يمكنني أن أموت سعيدا !”

على حواشي الكتاب شرحت محبتي كلها , كنت أكتب وكأنها لن تقرأ كلماتي أبدا ولكن هي تقرأها .

وها أنا ذا أنسحب بهدوء ..

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

2 تعليقان

  1. Wow, what a video it is! In fact nice quality video, the lesson Le “Dalligate”, un piège tendu par l’industrie du tabac? – Le blog de Gilles Pargneaux given in this video is truly informative.

  2. Appreciate these betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/is-betterscooter.com-a-fake-site.html, incredibly stylish!! I feel they’re true in your regular measurement and that is what I ordered.

اترك تعليقاً