الرئيسية / العدد الثامن عشر / شجرة الرمان والطائرة الورقية .. تشابه مصائر !

شجرة الرمان والطائرة الورقية .. تشابه مصائر !

10360767_359737090873679_3289980152122748356_n

راشد يسلم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لا أدري لماذا مرت بخاطري عداء الطائرة الورقية لخالد حسيني أثناء قراءتي لرواية الروائي والشاعر العراقي سنان انطون ” وحدها شجرة الرمان ” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ربما لكونه نص آخر من نصوص الحرب ، تشابهت فيه مصائر شعوب أفغانستان والعراق ، وماعانوه من سنوات الحرب وما خلفته من دمار وفتن ووحشية وجنون لم يفلح كلا البلدين في التعافي من آثارها ، ولكونها بحاجة لقدر كبير من التجلد أثناء القراءة لكثرة ما أحتوه من مشاهد قادرة على سكناك لمدة طويلة بعد فراغك من الرواية .

إستخدم الكاتب في تقنيته الكتابية بنيتين ، هما البنية الكابوسية والتي بدأ بها النص ثم وزعه كيفما أتفق داخل فصول الرواية الـ55 بواقع 13 فصلاً ، والبنية الواقعية والتي إستقرت في 42 فصلاً ، مع ملاحظة تشابهها السوريالي والفنتازي مع البنية الكابوسية ، وكأن سنان أنطون يخبرنا أن الكابوس والواقع في العراق اليوم متماهيان حد ألا نستطيع التمييز بينهما ، رغم أنه في تتالي صفحات الرواية وفي واحدة من لحظات ضعف بطله ” جواد كاظم ” إعترف أن الكابوس أفضل بكثير من الواقع ، إذ يمكن في الأول – على الأقل – الهروب منه بمجرد الإستيقاظ من النوم ، ” ثم تتداخل تداعيات الأحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ـ ماضي، حاضر، مستقبل ـ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ـ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ـ لتقطيع مسار الزمن ” .

إختار سنان أنطون جواد كاظم طالب الفنون وعاشق النحت والذي أنتهى به المآل عاملاً في ” المغيسيل ” أو محل تجهيز الموتى كما تمناه والده ليكون صوته السردي المركزي ، ثم قادنا للتعرف بعد ذلك على بقية الأصوات في الرواية .. لنعيش مقدار التناقض الكبير والهوة العظيمة التي تشكلت داخل نفس شخص يعشق الفن بخلوده وديمومته بينما يعمل على تجهيز الناس وزفهم لمرقدهم الآخير .. لكونهما شيئان متوازيان لا يجتمعان .. مثلما قرر – وهي عبقرية تحسب للكاتب – أن يكون ” المغيسل ” بؤرة الحكايا ومحرك أحداثها الرئيسي ، وعدسة مقربة لكشف أشرار بلا حصر يتوزعون بين ساسة ودخلاء وعصابات ومختطفين وانتهازيين وخونة ، كيف لا وهو ببساطة يمثل الموت المفردة ذات الحضور الأبرز في مشاهد الحياة اليومية .

سنان الذي حاك نسيج روايته من واقع أشد مأساوية من الخيال أظهر تمكناً حقيقياً في السرد ، ومنح القارئ خلفية متكاملة عن كل صوت في النص مهما كانت درجة حضوره ، مع بعض الحشو الذي لم يقلل من درجة الشد للرواية ، ترك مصائر جميع شخصيات سرده معلقة .. حمودي الذي إختفى .. وريم التي إنقطعت أخبارها .. عمه صبري المشطور بين الغربة والبلد .. الفرطوسي تاجر الأعضاء البشرية .. ستّار زوج شقيقته المتلون حسب مايتطلب الموقف ، وجعل من شجرة الرمان الثيمة المميزة والمليئة بالرموز ، إذ تتفتح أزهارها الحمراء وتنضج ثمارها اليانعة على الرغم من شربها من ماء الموت القادم لها من ” المغيسيل ” وكأنها تقول لنا أن الموت والحياة ليسا إلا فصولاً تتعاقب على شجرة العمر كما تتعاقب عليها هي فصول السنة ، وحين يحاول جواد بدء حياة جديدة خارج العراق ويفشل في الخروج ثم يعود خائباً إلى بغداد ، يكون حواره معها تعريفاً بمايعتمل داخل صدره وبما يشعره به الكثيرون من أمثاله في بلاد سرقت منهم الحروب فيها أجمل سنين العمر :

«أنا مثل شجرة الرمان، لكن كل أغصاني قُطعت وكُسرت ودُفنت مع جثث الموتى. أما قلبي فقد صار رمانة يابسة تنبض بالموت وتسقط منيّ كل لحظة في هاوية بلا قرار. لكن لا أحد يعرف. لا أحد. وحدها شجرة الرمان… تعرف».

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

اترك تعليقاً