الرئيسية / العدد التاسع عشر / عن شوق الدرويش

عن شوق الدرويش

صورة الغلاف

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

قبل أيام كان الإعلان عن جائزة “نجيب محفوظ” للرواية العربية, والتي فازت بها رواية “شوق الدرويش” للروائي السوداني “حمور زيادة”. و تدور أحداث الرواية في حقبة المهدية, أي بين عامي 1881 إلى 1898م وتحكي قصة “بخيت منديل” الدرويش الذي أحب أجنبية تدعى “ثيودورا” التي سموها لاحقاً “حواء” كحدث رئيسي, وعلى امتداد زمن الرواية يكون انتقام “بخيت منديل” من قتلة حبيبته هو العمود الفقري للأحداث ليتحول إلى درويشها. بالإضافة إلى أحداث أخرى, منها ما يتعلق بالمؤمنين بالمهدي, ومنها أحوال المواطنين العاديين, ومنها أخبار المصريون والأتراك والانجليز.

شعرتُ منذ البداية أنني أقرأ عملاً روائياً جيداً, فالرواية مليئة بالحركة, والاندفاع والمشاهد المختزلة. يميز لغة الرواية التكثيف و قصر الجمل لتناسب الحركة. وكل جملة لها دور محدد, لذلك لا يمكن تجاهل جملة, وإلا انتقصت من المتعة. الصوفية وشاعرية الوصف اللذان يمتدان بخيال القارئ إلى ما وراء الشعور. كما أن البداية بتلك المشاهد المفجعة, من جثث محترقة, ودخان ونار في كل مكان, وجو الدمار, في معركة أمدرمان … كل ذلك يشحذ الإنتباه, ويخرج بالأحداث من جمود التاريخ إلى انفعالات الحاضر.

المشاهد الصوفية, و هذيان بخيت منديل, أو حواراته مع ثيودورا “حواء” تبدو كقصائد, وما أكثرها, وهي بالنسبة للرواية كالملح في قدر الطعام؛ أعطتها جاذبية فوق جاذبيتها. ويتحول السرد إلى أسلوب روائي بحت بعد الفصل الرابع, لتعود في أجزاء معينة, ثم تنتظم في النهاية. ولا أدري لماذا تداخلت في ذهني بعض المشاهد مع أجزاء من رواية عزازيل.

الراوي يتمتع بقدرة عالية على نقل الإنفعالات والتصوير الحركي عبر لغة سلسة, فمثلاً في مشهد ختان “حواء” والذي تولته الخاتنة “أم الشول” بفظاظتها تلك, ويحسن بي هنا اقتباس هذا الجزء: “جسدها مثقل بالخدم المتشبثات بها. وجعها يهزها. تتشنّج. تمشي الموس على لحمها وتحس دمها يسيل تحتها. بارداً انساب بولها. رفعت أم الشول رأسها وموسها. تناولت خرقة قماش دفعتها إلى جرحها. لوّن دمها الخرقة. رائحة البول والدم والعرق والخوف في كل مكان. رائحة مختلطة كعفن السمك. تميل أم الشول ثانية وتغوص الموس. تقطع لحمها على مهل. كلما أزعجها الدم تجففه بخرقة وهي تسب النصرانية الغلفاء.” فقصر الجمل يمنع تسرب الملل إلى القارئ عكس الجمل المترهلة بحشو الكلام. والإعتماد على الجملة الفعلية في الوصف, أضفى على النص اندفاعاً وانفعالاً يجعل أنفاس القارئ تلهث خلف هذه التفاصيل. وهذه الميزة في معظم أجزاء الرواية, باستثناء الإقتباسات المترجمة والمؤرخة والمميزة بخط أسود ثخين.

كما أن الرواية من الناحية الموضوعية, وبجانب الأحداث التاريخية العامة؛ فقد عكست كثير من القناعات التي سيطرت على عقول الناس في تلك الفترة, وقد يكون للأمر علاقة دينية صوفية بالمهدية, ولكن المهم هو ما يحدث في ذهن القارئ من مقارنة تلقائية, واعية أو لا واعية, بين تلك القناعات وما هو سائد اليوم. كما إنني أرى القيمة التاريخية للرواية مقاربة من الحقيقة, لأن منطق الثورات يدعم ذلك. فالتاريخ مليء بالثورات على اختلاف أهدافها وأنواعها. لكن معظمها كان موجهاً نحو مصالح أيدلوجيات بعينها, أو إذا أردنا الدقة فإن الثورة يتم توجيهها بعد اجتياز مرحلة إسقاط نظام الحكم القائم. ثم تتغير تدريجياً كل الأهداف التي قامت من أجلها, وقد يصل الأمر لدرجة مخالفة مبادئ الثورة نفسها. وتصدق حينها مقولة “لا يقوم حكم تسلطي لصنع ثورة؛ ولكن تقوم الثورة لصنع حكم تسلطي” لذلك ليس التحدي في أن تكون هناك ثورة, بل التحدي الحقيقي –والذي فشل فيه الربيع العربي- في استمرار هذه الثورة, وتحقيق غاياتها. فالثورة إذن تحتاج إلى رقابة يتولاها مفكرون يؤمنون بأفكارهم الإصلاحية بكل حياد, ومثقفون يشعرون بأهمية وجودهم وحراكهم الإيجابي, وإعلام مستقل نزيه, وبالتالي مواطن واعٍ بحقوقه, مدركاً لحدوده, وحدود السلطة الحاكمة. وكل ذلك معدوم في المهدية باعتبارها ثورة, ومن المنطقي أن يحدث ما حدث في الرواية, كونها تتحدث عن تلك الفترة. الرواية تاريخية, ولكن هذا لا يعني جمودها وعدم صلتها بواقع اليوم. خاصة أنها تتحدث عن تاريخ هذا البلد, التاريخ الذي ألقى بصداه على كثير من أحداثنا التي نعيشها اليوم. وعلى ذلك فهي مزدحمة بالمقاربات السياسية, والدينية, والإجتماعية, وحتى الإقتصادية. بل وهي تتحدث في أجزاء منها عن أحداث تقع في يومنا هذا بخلفية تاريخية رمزية. وأعتقد أنها تجلي الخلفية التاريخية التي يستند إليها من يسمون بالأشراف في هذه الأيام.

جسم الرواية يتكون من ثمانية عشر فصلاً مقسمة إلى أجزاء تحمل أرقاماً. وفي (460) صفحة, غير أن ترتيب الفصول ليس على أساس الأسبقية الزمنية للأحداث, بل الرواية كلها بأسلوب الفلاش باك؛ حيث تبدأ بمعركة أم درمان في نهايات المهدية عام 1898 وتعود جزئياً بالأحداث إلى زمنها الحقيقي حسب ضرورة السرد. ورغم بعض المآخذ في الطباعة التي نتجت عنها بعض الأخطاء هنا وهناك, وعدم استعمال علامات الترقيم عند الحوار مما أدى إلى بعض الإلتباس وبذل بعض الجهد من القارئ لتمييز المتحدث أحياناً؛ ولكن العمل جاء جيداً شكلاً. يدخل السرور إلى النفس, ويخبر أن هناك خير في مكان ما يحتاج إلى جهد, فالأديب الذي ينتج عملاً كاملاً لم يولد بعد. ومن حق الأدب السوداني أن يكون له أسماء مبدعين مثل حمَّور زيادة, وعبدالعزيز بركة ساكن, ومنصور الصويم, وأبكر آدم إسماعيل, وعماد البليك, وغيرهم ممن لم يظهر بعد. ومن حقهم على هذا الأدب أن يثروه ويقدموا له صفوة جهدهم, وزبدة عقولهم ومواهبهم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

لا تعليقات

  1. حسين الركابي

    تشويق اكثر لقراءتها….عندنا كتاب روائيين على قدر عالي جدا من المهنيه والقدره الروائيه بس المناخ المناسب غير متوفر…محاربه و مصادره و حتى طباعه و توزيع …لاحظ في اي مكتبه…حتلقى الكتب الغير سودانيه كتييره مع انو مفروض يكون في مكتبه للكتب السودانيه بس و المكتبه الجنبها للاعمال العالميه…مم رآي انو نهتم بالطباعه وما الا تكون بمستوي عالي…طبعا و التوزيع ودا داير رعايه و امكانيات ماديه و دي مشكله جديده….غايتو وزاره الثقافه ملامه تماما…التحايا لكاتب المقال علي التقديم الجميل للروايه و التحايا لحمور ومزيدا من الاحتراق…

  2. حسين الركابي

    تشويق اكثر لقراءتها….عندنا كتاب روائيين على قدر عالي جدا من المهنيه والقدره الروائيه بس المناخ المناسب غير متوفر…محاربه و مصادره و حتى طباعه و توزيع …لاحظ في اي مكتبه…حتلقى الكتب الغير سودانيه كتييره مع انو مفروض يكون في مكتبه للكتب السودانيه بس و المكتبه الجنبها للاعمال العالميه…مم رآي انو نهتم بالطباعه وما الا تكون بمستوي عالي…طبعا و التوزيع ودا داير رعايه و امكانيات ماديه و دي مشكله جديده….غايتو وزاره الثقافه ملامه تماما…التحايا لكاتب المقال علي التقديم الجميل للروايه و التحايا لحمور ومزيدا من الاحتراق…

اترك تعليقاً