الرئيسية / العدد الثامن عشر / عيد ميلاد الامبراطور

عيد ميلاد الامبراطور

indiacrown

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

 سمعته يقول:

الحلم هو مزيجٌ من الواقعِ، الخيال، المشاعر وما تناولتهُ على العشاءِ.

أما “الواقع” فكئيبٌ جداً، مذيعاتٌ جميلاتٌ تملأن الشاشات البلوريةِ بابتسامات بلهاء مصطنعة بينما أخبار الموتُ والإنفجارات تتواردُ من كل فجةٍ بالوطن، رائحةِ الدماء تُشتمٌ من كل الأرجاءِ، القبور تُحفر ليُدفن الأبرياء ويتركُ بعضهم للطيورِ في العراءِ.

ما نراهُ في “الخيال” هو السلام، فالسلامُ جسرٌ يربطُ بين ضفةٍ بائسة وضفةٍ حزينة، السلامُ “عماري” يُقال إنهُ مسببٌ السرطان – ولو ما فاطر ما تخاطر،السلامُ مدرسة، السلام جامعة، السلام اتفاقاتٌ لا تسمنُ ولا تغني عن حربِ، لافتاتٍ تُعلقُ …..والسلام، أما القلوب فتخلوا من السلام …!!

وفي “المشاعر”، رغمُ إن البوح مكملٌ لما نشعرُ بهِ إلا أن اللحظات الأجملُ في الحب هي تلك التي تكون فيها مشاعرنا في غياهب الكتمان، اللحظات التي تسبقُ القول، أو كما تقول مستغانمي في الأسود يليق بك :

“أجمل لحظة في الحب هي قبل الاعتراف بهُ، كيف تجعل ذلك الإرتباك الأول يطول، تلك الحالةِ من الدوران التي يتغير فيها نبضك وعمرك أكثر من مرّة في لحظةٍ واحدةٍ وأنت على مشارف كلمةٍ واحدةٍ.

تأخيرنا للبوح بمشاعرنا ما هو إلا تماطل نطيل به عمر تلك اللحظات الجميلة كما أن إمساكنا بكلمة “أحبك” تعطينا فرصة أن نعيش حالة الإرتباك تلك عدة مرات أو فان الكلمةِ ربما لن تجدي نفعاً لو استخدمت مرة واحدة وكما يقول هوغو :

“بعد الإعتراف الأول لا تعودُ كلمة احبُك تعني شيئاً، لذا دافع كبار العشاق عن شرف الكلمات البكر التي خلقت لتلفظ مرة واحدة، فبالنسبةِ لهؤلاء احبُك حدث لغوي جلل”.

لن أقول أني من كبار العشاق ولا تظنوا أبدا أني على مشارف كلمة واحدة أو حتى كلمتين، كل ما في الأمر هو أني اكتبُ.

ستقولون هل تناولت “العشاء”؟

سأقول لا أتذكر أني تناولت شيئاً منذ صباح ذاك اليوم، بالأحرى لا اذكر آخر مرة تعشيت فيه فانا لست بهذا الغنى.

وصلتُ إلى المنزل بعد يومِ عملٍ شاق، كنتُ مرهقاً جداً كأنما كلُ أثقال العالم قد ربطت في حزمةً ووضعت على ظهري، جلستُ على سريري الخشبي قديم الصنع، كان النعاس قد استبد بي لدرجة إن حل ربطتي الحذاء كانت بصعوبةِ فك التفافُ شبكة صيد يدوية الصنع، ألقيت بالحذاء بعيداً ثم غرقت في نومٍ عميق دون حتى أن اخلعُ جواربي، خلال دقائقٌ كان التفاعل قد بدأ، تفاعل الواقع والخيال والمشاعر وربما ما تناولتهُ في الأمس، وكان أن غرقت في حلم عميق.

رأيت أني أعيش في مكانٍ غريب، إمبراطوريةٌ يحكمها إمبراطورٌ جبار، ووجدتني المّ بكل تفاصيل الإمبراطوريةِ كأني ولدتُ فيها، وكأنما اُدخل إلى رأسي قرص يحملُ كلُ تفاصيل المملكةِ الجبارة. صحوتُ فيها ذاتِ يومٍ على مزيج أصوات مختلطةٍ، نداءات مساجدٌ وأجراسُ كنائسٍ وهتافاتُ أطفال ونباحُ كلاب بوليسية وزقزقاتُ عصافيرٌ ملونة وببغاواتٍ وصقورٍ وصفيرٍ صادرٍ من محطاتِ القطارات وأصوات أبواق السيارات، قلتُ في نفسي ما الذي يجري؟، سحبتٌ الريموت وفتحت جهاز التلفزيون فظهرت مذيعةٌ كانت ستبدو أجملَ لو إنها لم تكن تضع كل تلك الألوان على وجهها، ترتدي بدلة أنيقة أظنها ايطالية الصنع- لا ادري إن كانت ايطاليا موجودةٌ في الأحلام أم لا، فلو وجدت فلا اعتقد أن البدلة تلك صنعت في مكان غيرُها- علت ابتسامةٌ جميلةٌ وجهها، أعلنتْ أن اليوم هو يوم الاحتفال بالعيدِ المئة وواحدٍ لميلادُ الإمبراطور الجبار قائدُ الأمة، ثم طفقت تشرحُ للمشاهدين تفاصيل البرنامج المكون لكرنفال الاحتفال ودورِ كلِ مواطنٍ في الاحتفال، وانتقلت الكاميرا الى شوارعِ الامبراطوريةِ المزينةِ بالالوان وصور للإمبراطور وبأوضاع و تعابير وجه مختلفة حيث انتظمت جموع الأمة في الشوارع تحتفلُ بمولدِ إمبراطورها، إصطفت الجموع في مجموعاتٍ حسب برنامج الاحتفال، كل مجموعة تتكون من مئة شخص كل منهم يحمل شمعة صغيرة بيضاء بالإضافة لشخص آخر يحمل شمعة كبيرةٌ ملونةٌ، كانت المشاركة في الكرنفال ملزمةٌ لكل مواطنٍ حيث تمّ إجبارهم على الخروج بطريقةٍ عفويةٍ، ترجلتُ من سريري فوجدتُ على المنضدة قميصٌ ابيضِ اللون مطبوعةٌ عليهِ صورة الإمبراطور الجبار، أظنها التقطت له قبل خمسون عاماً أو أكثر – فهو لم يكن بتلك النضارةِ والحيوية بحسب الصور المباشرة التي تبثُ من قصر الإمبراطورية- وجدت شمعةٌ صغيرةٌ بيضاء مكتوب عليها الرقم ٧٥ بقربِ القميص ابيض اللون، ارتديتُ القميص الذي بدأ ملائمٌ لي وأشعلت شمعتي بعود ثقاب أخذتهُ من علبهٌ مطبوعةٌ عليها صورة للإمبراطور ثم خرجتٌ بسرعة لألحق بالجمع حتى لا يقبض علي متلبساً بتهمةِ الإرهاب وإثارة الكراهيةِ والفتنةِ والمساس بمكتسبات الأمة وعدم الخروج في احتفالٍ رسمي – اكتشاف عدم خروجُ احد المواطنين للكرنفال كان سهلاٌ جداً بسبب تطبيق مشروع “رجلي امن لكل مواطن”- وجدت مجموعتي تنتظرني عند باب منزلي، فقد كنت المتأخر الوحيد عن الخروج، انضممتٌ إليهم ثم توجهنا رافعين شموعنا المشتعلة ناحية “الساحة الصفراء” حيث اعتاد الإمبراطور مخاطبةِ كل الأمة عند كل احتفال أو إعلان لحربٍ من حروبه العبثيةِ، امتلأت مدرجاتُ الساحةِ بكبار الوزراء في الحكومة، كانوا كباراً بحق فأصغرهم كان يبلغُ من العمرِ خمسِ وسبعونَ عاما، فاضت الساحة بجموع المواطنين الذين تدفقوا من أطراف الإمبراطورية وكانت الهتافات تهز أركان الساحةِ..

ليحيا الإمبراطور

ليحيا الإمبراطور.

اُطلقت رصاصةٌ من مدفعِ كبير ليعم الصمتُ إعلاناً عن بدءِ وصول وفد الإمبراطور، توقف الجميع لاستقبال الإمبراطور الجبار والذي وصل في موكبٍ مهيب وبجانبهِ السيدةِ الأولى الجميلةُ ذاتِ الواحد وعشرون ربيعاً-الأكثر تعبيراً هو قول إن عمرها كان يساوي مجموع عمر الإمبراطور مقسوماً على خمسة – والأمر لم يكن ليدعو لأي عجبِ، فقد كانت هي السيدة الأولى الخامسة والثلاثون في حياة الإمبراطور حيث درج أن يتزوج ملكةِ جمال الإمبراطورية كل عام، إصطف كبار الوزراء على طرفي بساط أحمر أظن أن استيراده كان من تركيا خصيصاً للاحتفال- من المؤكد أن تركيا ستوجد في الأحلام لو وجدت ايطاليا- تأهبوا لتحيةِ الإمبراطور الجبار ووضع قبلةٍ على راس الإمبراطور المغطى بشعيراتٍ مصبوغةٍ ووضع قبلتين على خديه، خديهُ التي بدا أن كل عطاري المملكةِ لم يستطيعوا إصلاح ما فعله الدهر بهما، مرّ الإمبراطور الجبار بصف الوزراء ثم اعتلى مقعداً صمم ليشبه عرش ملك من ملوك مملكة آشور الضاربة في القدم، رفع يدا واحدة لتحيةِ جموعِ الشعب، بدت يده حين التحيةِ مهتزةٌ وضعيفة دلالةٌ على عدم تمتعهُ بتمام الصحةِ رغم أن وسائل الإعلام كانت قد تسابقت على نفي الأخبار التي راجت مؤخراً عن مرض الإمبراطور الجبار كما عادتها، فالإمبراطور منذُ أن استولى على الحكم قبل خمس وثمانون عاماً لم يمرض يوماً، كان دائماً بصحة وعافية بل كانت وسائل الإعلام تروج لأنه لن يمرض يوماً وربما لن يموتُ فهو وحدهُ الإمبراطور الجبار، جلس على عرشهِ الذي بدأ أضخم منهُ رغم ارتدائه معطفاً فضفاضاً يدوي الصنع، ورغم محاولته فرد يداهُ جانبا بحيث تناسبان اتساع كرسي العرش، أظنهُ تمنى لو كان ديكاً كبيراً ليفرد ريشهِ بزهو على كرسي العرش، بالأحرى أظنه تمنى أن يكون ذكر طاووس ملون، فالإمبراطور مهما كان متواضعاً فهو لن يرضى أن يكون مجرد ديكٌ يصحو مبكراً ليصيح عالياً ويوقظ النائمين، أعلن المذيع الثرثار متورد الوجه عن بداية الكرنفال بقراءة اسطرٍ من الكتاب الأحمر الذي ألفه الإمبراطور، تقدم وزيرُ الإعلام ليفتح كتاباً ذو غلافٍ أحمر اللون مرصعُ بالذهب الخالص وصفحات سوداء – تماماً كصفحات تاريخ الإمبراطور – وخطوط ذهبية ليقرأ بعد أن يضعُ قبلة على الكتاب:

“راسُ الحكمةِ مخافةُ الإمبراطور الجبار القهار،له وحده الحكم ولا شريك لهُ “

ثم طوى الكتاب ووضع عليه قبلة أخرى وعاد لمكانهِ بين الوزراء .

ثم أعلن على أن اللحظةِ القادمةِ هي لحظةِ إطفاء الشموع،أطفئت كل الأنوار- اعتقد أن خلطاً ما حدث بين الليل والنهار في أثناء الحلم، لا يهم فمثل هذا الخلط كثير ما يحدث في الأحلام- بدأت الفرقة الموسيقية تردد أغنية الميلاد مصحوبةِ بموسيقى جميلة..

سنة حلوة يا إمبراطور

سنة حلوة يا إمبراطور.

ثم في لحظة توقفت الموسيقى وبدأ العد التنازلي لإطفاء الشموع..

تلاتة…

اثنان..

واحد.

أطفئت الشموع وتعالت أدخنة الألعاب الناريةِ في سماء الساحةِ لتتحول لحمراء تماما كإحدى ساحات معارك الإمبراطور الدمويةِ، ظهرت طائراتٌ حربيةٌ مزينة بأنوار ساطعة لتغطي السماء راسمةٌ لوحاتٍ يظهرُ فيها اسم الإمبراطور والرقم مئة وواحدٍ، حلقت لعدة دقائق استعرض فيها الطيارون مهاراتهم في استخدام آلاتُ القتلِ ببراعةٍ نالت إعجاب الحضور ليصفقوا ويصفقوا ويزداد غرور وزهو الإمبراطور بنفسه فيبتسم حتى يبين آخر ضرس في فمهِ، بالأحرى هو ضرسهِ الوحيد المتبقي في وسطِ مجموعةٍ من الأسنان المصنعة المركبة.

أعلن المذيع الانتقال أهم فقرة وهي خطبة الإمبراطور العظيم داعياً الجموع للتوقف وترديد النشيد الإمبراطوري:

إمبراطورنا العظيم كلنا فداك

إمبراطورنا العظيم دمنا فداك

اضرب العدو ونحن من وراك

اقتل كل خارج ونحن من وراك

وبعدها توقف الإمبراطور مسنوداً بعصاةٍ معقوفةٍ من الأمام وبقربهِ ووزيرين كانا يمليانهُ ما يقول لان عيناه لم تكونا من القوة بحيثُ تقرآن ما في الورقةِ كما إن ذاكرتهُ لم تكن بالمقدرة التي تمكنهُ من حفظ خطبة كاملة بل حتى سطرٍ واحد في الخطبة.

خاطب الإمبراطور الأمة الأبية العظيمةِ سارداً نضالاته التي بدأها منذُ أن كان جنيناً في رحم أمه معدداً مآثره على الشعب وحجم الأضرار التي كانت ستحيط بالأمة لو أنه لم يكن الإمبراطور، ثم سكت قليلاً ليصفق الجمهور ثم يعود ويقول انه سيعلن عن مفاجأة للأمة بمناسبة هذه الاحتفاليةِ وان المفاجأة ستكون في قرار سيتلوه كبير الوزراء والذي تقدم حاملاً فرماناً كبيراً وتوقف في منصة بقرب منصة الإمبراطور وقرأ قرار الإمبراطور الجبار.

بسم إمبراطوريتنا العظيمة القوية أتلو عليكم القرار الإمبراطوري رقم خ ط 991234 الصادر بتاريخ يوم الاحتفال رقم مئة وواحد لمولد الإمبراطور العظيم الجبار.

“ايماناً منا بمبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وتحقيقاً للعدل بين جموع الأمة أعلن تنازلي عن عشرون دقيقة كاملة من سنوات حكمي لصالح الشعب العظيم بحيث تقسم إلى عشرة أفراد يحكم كل واحد منهم الإمبراطورية لمدة دقيقتين يصدر فيهما قرار واحد يكون بمثابة قرار إمبراطوري غير قابل للرجعة، ويطبق القرار مباشرة بعد قراءته حيث تتولى لجنة إجراء القرعات بالإمبراطورية أمر اختيار العشرة أفراد فوراً”

صدر تحت توقيعي الإمبراطور العظيم الجبار.

بدأ الملل يتسربُ إلي رويدا- كما في الواقع كنتُ في حلمي متمرداً املُ خطب السلطات المتعاليةِ الجافةِ الخاليةِ من المعاني_ بدأ ذهنًي يبتعد قليلاً رغم أني كنتُ أجاهد للحفاظ على تركيزي عند مستوى الحدث، فتهمةُ السرحان عند خطاب الإمبراطور كان تصنفُ ضمن الجرائم الموجهةِ ضد سيادة الإمبراطور، اول ما ذهب إليه عقلي حين شرودهِ هي فتاةُ أحلامي، بالأحرى هي فتاة أحلام أحلامي_ اعتقدُ أنها لعوبة جداً ومراوغة فتاة أحلامي، فهي عند الواقع تختبئ بين الأحلام وعندما أبحث عنها حين حلمٍ أجدها تهرب مرة أخرى لتختبئ في أحلام أخرى وتجعلُ رحلة بحثي عنها تبدو مثلُ متواليةٍ من الأحلام لا نهاية لها ربما، او…. لماذا لا أتفاءل قليلاً وانظر للأمر من ناحيةٍ أخرى، فالتي تزور خيالي في الواقع هي فتاة أحلامي فلماذا لا تكون تلك التي تزور خيالي وأنا احلمُ هي فتاة واقعي؟ يبدو الأمر منطقياً أليس كذلك؟ !!، فلو أن فتاة أحلامك لا تتواجد إلا في أحلامك فربما لن تجد فتاةُ الواقع التي تأتيك في أحلامك إلا في الواقع، الواقع الذي لن يحتاجُ إلا استيقاظا وفركاً للعينين بأصابع اليدين، أميل أكثر ناحيةِ التفسير الأخير ربما لان فتاة أحلام أحلامي كانت جميلة عندما تخيلتها، تحملُ بشرة ندية بلون حبات القهوة غير المقلية جيدا،ً كانت من الطول بحيثُ أستطيع أن اتكئ بكلتا يداي على كتفيها دون أن اضطرُ لان أميل ناحيتها ولو بقليل، دائمة الابتسامة كأنها صنعت من عجينة سعادة ونفخت فيها نسمة ملاك، تجمع في كلامها بين لكنةٍ ولثغةٍ تجعلان الأحرف تخرج بطريقةٍ لا تجيدها إلا هي، لطالما أحببت أن تناديني إحداهما “ثانديوث” فما بالكم ب”ثاندي”، الفتاة تلك تسرقني بعيداً بينما مراسم تنفيذ القرار الإمبراطوري تبدأ، تعتلي لجنة القرعة بالإمبراطورية المنبر وتظهرُ من خلفهما شاشة ضخمة ستجرى عليها القرعة عن طريق الاختيار العشوائي اعتمادا على الرقم الإمبراطوري الذي يملكهُ كل مواطن من مواطني الإمبراطورية العظيمة، يضغط رئيس اللجنة على زر ليعمل جهاز القرعة بحيث تتحرك أرقام على الشاشة والرقم الذي سيتوقف عند الضغطة الثانية هو رقم المواطن المختار ليحكمُ في أول دقيقتين من دقائق منحة الإمبراطور، يضغط رئيس اللجنة على الزر مرة أخرى لتتوقف الأرقام عن الدوران عند الرقم ٩٩٩٦٦٦، الرقم بدأ من الأرقام المألوفة، نعم إنه رقمُ رئيس البرلمان الإمبراطوري، يا لهما من مصادفةٌ عجيبةٌ، هي لم تكن مصادفة ولا يحزنون فالأمر لم يعدو كونهِ إحدى مسرحيات الإمبراطورية المملة، فكيف تختارُ قرعة غير موجهة رئيس البرلمان؟ لماذا لا تختار أي شخص من بين جمع المحتفلين؟، توقعت أين سيصبُ قرار الرئيس الأول وحتى الأخير لذا لم اهتم كثيراً بأمر التمثيلية البائنةِ تلك، كنتُ أفكر في أن اصطحبُ فتاتي إلى شاطئ النيل حيثُ نلعبُ سوياً بالرمل نتقاذفُ بها حتى يتحول وجهها إلى لوحةٍ رملية – توقعتها لوحة جميلة طالما أن حبات الرمل ستنطبعُ على تقاسيم وجه فتاتي- فكرتُ في أن نغوص سوياً في الماء، ترشني وارشها بالماء يبتلُ وجهها وبدنها وتتزين خصلات شعرها القصيرةِ داكنةِ السواد بحباتٍ لامعةٍ من قطرات ماء النيل، كان مجرد حلم أو حلم داخل حلم، ففي الأحلام تباح كل الأشياء فما بالكم بحلم داخل حلم.

رئيسُ البرلمان الإمبراطوري المختار- وهو رجل أعمال وشاعر وملحن ويملك عدة صحف وقناتين تلفزيونيتين ويدير نادي لكرة التنس والجولف ورجلُ خيرٍ وبر- كان يلقى خطبةِ عصماء يحددُ فيها أفضال الإمبراطور على الأمة، الخطبةِ استغرقت حوالي دقيقة ونصف الدقيقة من زمن حكمهِ، ثم ليعلن في النصف الدقيقة الاخيرةِ قرارهِ الإمبراطوري الأول

” تكوين اللجنة القومية لبرنامج الاحتفال باليوبيل الذهبي لميلاد الإمبراطور الجبار”

يصفق الجمهور، اضطر مجبراً لأن اصفقُ معهم_ حتى لا يتمُ القبض علىّ متلبساً بعدم التصفيق مع سبق الإصرار والترصد – اصفقُ صفقةٌ لا تحمل أي معنى، فالبلاد كانت قد احتفلت قبل عام بالعيد المئوي لميلاد الإمبراطور، الاحتفال الذي تم الاستعداد لهُ منذُ عشرون عاماً سابقاً، وللسخريةِ كان نفس الشخص هو رئيس اللجنةِ المنظمةِ، قررتُ من تلك الوهلةِ أن لا أكون عضواً في تلك المهزلةِ وان لا أشارك في المسرحيةِ الإمبراطورية المكررة تلك، سرحتُ بعيداً أنا وفتاتي و ليحدثُ ما يحدث، ركبنا مركبٍ صغير لنعبر النهر إلى الضفةِ الأخرى، جلست هي في ناحية وأنا في أخرى نتبادل دفع المجداف والابتسامات وكلمات الحب والتراشقُ برذاذ الماء، وصلنا الضفة الأخرى ثم جلسنا على مقهى بالشاطئ مطلٌ على النيل ، طلبت هي قهوةٍ بلا سكر وقالت أني “ثكرها” في الحياة، فهي لا تحتاجُ سكراً في وجودي، وطلبتُ أنا شايٍ سادة بسكر زائد – في الواقع أنا اشربها بسكر خفيف – قلت لها في حضورك يصبحُ السكر بلا طعم فأنتي كل ما أملك من حلاوة في الدنيا، كنت قد ذهبتُ بعيداً معها لم انتبه لما يدور من حولي من صخبٍ وتصفيق للقرارات المتلوةِ، خلال الثواني القليلةِ التي كنت أعود فيها لواقع الحلمُ كنتُ أجد احدهم يتحدثُ عن الإمبراطور لم اعرف كم عدد الذين نالوا فرصتهم في الحكم لكني كنتُ اعرفُ أن كل قراراتهم كانت بلا معنى، أظن أن احدهم أصدر قرار بان يتم عمل تمثالٌ كبير للإمبراطور في منتصف المدينة – ربما يقصد تمثالاً يشبهٌ تمثال الحرية بنيويورك او تمثال المسيح الفادي بريو دي جانيرو- ربما، واحدهم أصدر قرار بان يتمُ تحويل العطلةِ الأسبوعية إلى يوم الثلاثاء – لم يسعُ خيالي فكرة أن تكون عطلة نهاية الأسبوع يوم الثلاثاء – وهو يوم ميلاد الإمبراطور قبل مئةِ وواحد سنة، أرأيتم؟ لم يكن من المفيد تركُ حبيبةٍ جميلةٍ على شاطئ نهرٍ من اجل ترهات مملة، قررت أن لا أعود مرة أخرى، سافرتُ بعيداً معها ذهبنا إلى السينما ثم مشينا تحت المطر، ثم … في لحظةِ عم السكون أرجاء الساحةِ، شدني الصمت المفاجئ فعدتُ مجبراً بخيالي ومفزوعاً، لم اعرفُ ما يحدثُ إلا عندما دفعني الشخص المجاور لي بكوعهِ بعد أن نظر إلى رقمي الإمبراطوري المكتوب على كف قميصي الأبيض، أشار إلى الشاشة حيث الرقم ٣٣٦٤٢٧ نعم، انه المستحيل بذاتهِ ، لم اصدق، أعدت قراءة الرقم ببطء، انهُ رقمي بذاتهِ الذي احفظهُ عن ظهر قلب، قفزت مخلوعاً من مكاني متوجهاً بارتباك ناحيةِ المنصةِ أربكتني أكثر كل تلك النظرات التي كانت مصوبة نحوي، وخلال ثواني وخطوات قليلة تبلل جسمي بالعرق، وارتفعت دقاتُ قلبي بحيث كان بإمكاني أن أحس بها عند أقصى مكان بأي من أطرافي، تمنيتُ لحظتها لو كنت احلم – الحقيقة أني لم أكن أعرفُ باني احلم فلو علمت لما ترددت في الاستيقاظ أبدا لحظتها- اعتليتُ المنصةِ ونظرت ناحية الأمة المحتشدة، حيثُ كل الأعين متوجهة نحوي، تنافست الأحرف في الابتعاد والهروب عن لساني فأحسست بالعجز عن الكلام، ألقيت السلام متلعثماً ومرتبكاً ثم تلوتُ أول ما جاء في بالي من قرار، دون حتى أن احيي الإمبراطور بتحيتهِ الخاصة،

” أقرر إيقاف الحرب في البلاد وإعلان الإمبراطورية بلادٌ للسلامِ والأمن والأخوة”

ثم أضفت

” المجدُ للهِ في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناسِ المسرة”

عم السكون أرجاء الساحةِ لدرجةٍ لم اسمعُ بها إلا أصوات تنفسُ رئتاي ودقاتُ قلب الإمبراطور، الإمبراطور الذي قفز من مكانهِ مفزوعاً غير آبهاً بضعفهِ ومرضهِ ليخطفُ المايكروفون من فمي، خلال ثواني وجدتُ نفسي محاطاً بحراس الإمبراطور ومقيداً بسلاسلٍ معدنيةٍ قويةٍ، ألغى الإمبراطور قرار تنازلهُ عن العشرون دقيقة المستقطعة من سلطتهُ طالما أدى القرار إلى المساس بثوابتِ ومكتسباتِ الإمبراطورية العظيمةِ، وأبطل كل القرارات المتخذةِ حتى قرارُ تكوين لجنةِ الاحتفال بيوبيلهِ ميلادهِ الذهبي، ثم أعلن حالة الطوارئ في الإمبراطورية وألغى كرنفال الاحتفال بمولدهِ، أما أنا فقد تم اقتيادي إلى مكانٍ لم أعرفه والقي بي في هاويةِ عميقةٍ، كان الظلام يزدادُ قتامة كلما غصتُ أعمق فيها إلى أن انعدمت الرؤيةِ ،

غصتُ عميقاً في ظلام هالك إلى أن …..

إلى أن استيقظتُ !!!!ِ

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

  1. Savor those moments, Karen. A successful parent is you!

أضف تعليقاً