الرئيسية / العدد التاسع عشر / كي تعيش طويلاً .. اكتب للأطفال

كي تعيش طويلاً .. اكتب للأطفال

ترجمة

 

خاص جيل جديد : أزهـار أحـمد :

تكريماً لوفاة روح حرة وقلب حنون وعقل مبدع

أشياء صغيرة تنطفىء فينا، ورقص دائم يتوقف وبهجة متفردة في القلب تزول، كلما غادرَنا إلى الأبد كاتب أو رسام للأطفال. قصص الأطفال التي نمنا عليها، والرسومات المرحة التي لا ننساها تحتل في القلب مكاناً لا يتزعزع، لكن حين يموت من يزرع ذلك الحب ينطفئ بداخلنا شئ صغير لن يعود.

توفيت الكاتبة الأمريكية الجميلة المبدعة شارلوت زولوتو في الثامنة والتسعين من عمرها. فقد ولدت في 26 يونيو 1915 وتوفيت في 19 نوفمبر 2013. وشارلوت ليست الوحيدة من بين كتّاب أدب الطفل التي عاشت طويلاً، فمن الواضح أن الكتابة للأطفال تطيل العمر لأن العديد من كُتاب ورسامي كتب الأطفال يُعمرون بغض النظر عن المكان والزمان. والأمثلة على ذلك كثيرة: موريس سينداك الذي عاش 84 عاماً، و إي بي وايت الذي عاش 86 عاماً، روث كروس توفيت في الثانية والتسعين، أما أليس بروفينسن فما زالت رسوماتها رائعة وهي الآن بالتسعينات من عمرها، فيما كان عمر إريك كارل حين أصدر كتابه الأخير أربعة وثمانين عاماً.   كأن الكتابة للاطفال تغذي الروح وتملؤها دفئاً وحناناً .

بالرغم من أن شارلوت زولوتو كتبت وحررت أكثر من سبعين كتاباً إلا أنها ما تزال معروفة أكثر بقصة “السيد أرنب والهدية اللطيفة” التي نشرت عام 1962 والتي رسمها سينداك. وكانت بأورسولا نوردسترام التي أثرت كثيراً في مسيرة شارلوت، عرابة أدب الأطفال الحديث، سبباً في تعريف شارلوت زولوتو بموريس سينداك حيث عملا معاً لسنوات طويلة. وفي كتاب “عزيزي العبقري: خطابات أورسولا نوردستروم” التي جمعها وحررها ليونارد ماركوس كتبت نوردستروم تقريراً رائعاً عن بداية هذه العلاقة الإبداعية.

 

ففي أغسطس 1961 عندما أرسلت شارلوت قصة “السيد أرنب والهدية اللطيفة” لدار النشر بعثت نوردستروم لسينداك رسالة تؤكد له فيها إعجابها بالقصة في محاولة لطيفة منها للجمع بين الرسام والكاتبة العبقريين، قائلة له:

“هي سعيدة بأنك من سيرسم كتابها، ونحن كذلك، ولا شيء يمكن أن يصف فرحتنا بذلك “

بعد أشهر من ذلك، وفي 30 أكتوبر أرسلت نوردستروم رسالة لطيفة لزولوتو قالت فيها:

عزيزتي شارلوت:

إن رسومات موريس سينداك مناسبة جداً لقصتك “غير المعنونة” فهو يفكر في رسومات مختلفة تماماً عما رسمه سابقاً. وحتماً ستكونين سعيدة جداً برسوماته الراقية الجميلة. وأعتقد أن الفتاة اللطيفة والأرنب المضحك في القصة يشكلان توليفة رائعة”.

وبعد أن أثنت شارلوت على كتاب “اللغة السرية ” الذي كتبته نورستردام بادلتها الشكر والامتنان فكتبت لها:

لا يمكن أن أعبر لك عن امتناني وشكري. في الحقيقة لم أصادف يوما شخصا كريماً وطيباً.. بل أني لم ألتق ” كاتبا” في حياتي مثلك.

كل هذا يدل على الروح الطيبة والمرحة التي تتميز بها شارلوت، لذلك كان الإبداع حليفها ولم تكن يوماً غير تلك الروح الحرة التي شاء لها خيالها أن تبدع الأفضل في كل كتاب.

نشأ التعاون الطويل والصداقة المتينة بين الإثنتين حين أصبحت شارلوت مساعدة التحرير لأورسولا نوردسترام في دار هاربر اند رو. ومنذ ذلك الحين تأثرت شارلوت بالكرم الهائل الذي أغدقته عليها صديقتها وبروحها الشجاعة المبدعة، الأمر الذي كان له دور كبير في إبداع وتطور شارلوت. في الواقع، سرعان ما أصبحت شارلوت اليد اليمنى لنوردستروم، بل أنها هي الوحيدة التي تمكنت من إقناع الكاتب لويس فيتزهيو بنشر كتاب الأطفال “الجاسوسة هارييت” عام 1964 وهو الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية في أدب الطفل منذ ذلك الوقت.

قالت شارلوت زولوتو في مقابلة أجريت معها عام 2009 عن العلاقة بين الكتابة والتحرير بصفتها كاتبة ومحررة بنفس الوقت:

أن تكون كاتباً ومحرراً بنفس الوقت معناه أن تتأثر شخصيتك بتعبيرات مختلفة. فالكاتب يجب أن يغلق جميع الأبواب عليه حين يكتب وألا يسمح بأية اقتراحات أو اغراءات يمكن أن تؤثر على رأيه الخاص. بينما المحرر يجب أن يقاوم رغبته في إبداء رأيه على مسار القصة، بل يجب أن يقاوم حتى تغيير الكلمات أو تبديلها حين يكون النص الذي أمامه ضعيفا. في هذه الحالة عليه فقط تنبيه الكاتب لضعف لغته أو نصه، فإن اعترف الكاتب بذلك عليه وحده تغيير ما يريد وفق رؤيته.

حين غادرت نوردستروم دار هاربر، تخلت عن القسم الذي كانت تديره إلى شارلوت، وفي عام 1980 بعثت للكاتبة ماري ستولز رسالة قالت فيها:

أطلعت شارلوت قبل عدة أشهر على رغبتي في عدم الاستمرار بالعمل كمحررة، وبالرغم من انه كان عملاً جيدأَ إجمالاً، لكن لم تعد لديَّ الرغبة في العمل مع المؤلفين وفي كتابة العقود، لذلك فإني أرشح شارلوت لأنها ستكون مديرة رائعة، فهي مبدعة وذكية وحساسة، وستعمل جهدها في أن ينال كتابك العناية اللازمة التي اعتدت عليها معنا.

شارلوت زولوتو الكاتبة والشاعرة ومحررة كتب الأطفال أدت دورها بشكل ممتاز، فقد عملت على إحياء آلاف الكتب للقراء الصغار إضافة إلى عشرات الكتب التي ألفتها منذ أول كتاب لها الصادرعام 1944 بعنوان “كتاب الحديقة” الذي رسمه اتش أي راي، وحتى كتبها المبهجة مثل كتاب “لعبة وليام” الذي صدر عام 1972، والذي رسمه وليام بيني، وكتاب “امراة أعرفها” (1984) والذي رسمه جيمس ستيفنسون، وصولا إلى كتابها الأخير ” شجرة الميلاد الجميلة” (1999) والذي رسمه الفنان الرائع الفذ يان ناسكيمبين الذي توفي هذا العام أيضا.

قالت شارلوت دفاعاً عن الكبار والصغار جملة واحدة عبرت فيها عن علاقة الإنسان بالطفل في داخله:

” جميعنا متساوون إلا أن الكبار لديهم طرقهم الخاصة في الدفاع عن أنفسهم مقابل المشاعر الطفولية التي تجتاحهم … ونحن لا نختلف عن الطفل الذي كنّاه، فقط أصبحنا ذوي خبرة أكثر وقدرة أفضل على اخفاء مشاعرنا، إن لم يكن أنفسنا”.

حساسيتها وشاعريتها صنعت منها شاعرة متميزة أيضا ومن أجمل ما كتبت قصيدة ” ناس”:

 

بعض الناس يتكلمون ويتكلمون

لكنهم لا يقولون شيئاً

بعض الناس ينظرون إليك

فتحلق الطيور فوقك

بعض الناس يضحكون ويضحكون

فتنتابك رغبة البكاء

بعض الناس يلمسون يديك

فتنتشر الموسيقى حولك

 

عن موقع: Brain Pickings

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً