الرئيسية / العدد التاسع عشر / همبريب (الغَرِب)

همبريب (الغَرِب)

تسنيم

تسنيم محمد حسن :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

مدخل (1) :

ورحلتَ وحدَكَ

مُتعَبَ الخطواتِ

مكسوراً

تُفتِّشُ عن ملامِحِه

ولكِنْ ما اهتديتْ

أَوَ كلَّمَا استبشرتُ بالسُقيا

مَضَتْ

وتبِعتَهَا جَزِعَاً

مضيتْ !!

الصبرُ لَكْ

وليَ التَحسُّرُ وادَّعاءُ السَعدِ

والسلوى ولَيتْ

” روضة الحاج

مدخل (2):

ما تزال هناك أشياء تنتظرك لتختبرها لأول مرة، ما زالت هناك مشاعر جديدة لم تمر عليك بعد، ما زالت الحياة أمامك؛ لحظات كهذه هي ما تجعل الحياة تستحق عيشها. فما فائدة الاستيقاظ على يوم جديد إن لم يكن هناك أمل أو ترقب؟ بطريقة أو بأخرى، المجهول هو ما يبقيك حياً، منتظراً، متحمساً، متفائلاً.

” سعود الشعلان

نص :

ترادف الحنين والشجن على طول طريق مُعبأ بأصوات صَماء، يقذفني سريعاً باتجه الريف، بعيداً عن زَخم المدينةِ الكثيفِ في كل شيء. لا أثر لأشعة الشمس بل ضوءِها فقط يتناثر هنا وهناك، الأمطار المتهاوية من السماء الرمادية تداعب النباتات المكتظة على ضفتي الإسفلت، الريح تُقود رائحة الطين إلى داخل العلبة الحديدية، إلى داخل صمتي برفق؛ كلما انتهت مقطوعة حافظ عبد الرحمن أعادوا تشغيلها، لم يعترض أحد، فالألحان الكردفانية تلائم لوحة المكان.

أغمضتُ عَينَيَّ قليلاً، أعادت الذاكرة تشغيل ذاتها، سمعتُ صوتها يُردد: “حَاذِر من محاولة المشي وحيداً في هذه المدينة المزعجة، فقد تصاب بالغثيان. لا شيء فيها يستثير في نفسِه الشفقة عليك، لا كائن يستعطفه صوت حزنك المنبعث كذبذبات حينما يتزاحم حول غصة، لا شاعر تستوقفه بقايا الطفولة الجهنمية المطبوعة على أطراف أصابع يدك. فقط إتركها وارحل، لستَ تنتمي إليها”. هي على حق، كَانتْ كل تلك الأشياء تتكاتف مع بعضها حتى تنتزع مني الهدوء، كل ما فيها يتحرك مُسرعاً نحو شيء ما؛ الشمس منذ شروقها تطارد الغيوم -حقداً ربما على سكانها-، الطرقات تختنق كلما انتصف النهار، والناس يتضجرون من كل شيء، بالرغم من أن الضجيج بات يسكن مسام أيامهم كالوسخ.

وحدها هناك، ستكون مثلما كانت من قبل: القَطَاطِي بيوت الطِين أسقفُ القَش أعمدة الشِعب المنتصبة في منتصف الرواكيب، والمطر يَخِرُّ فيها -كعادته الخَرِيفِية- من كل (فَرَقَة) باتجاه الجاذبية. قبورها ستستقبلني من منتصف الطريق، فتشرع لي نوافذ رِثاء على أرواح ترجلت عن الحياة منذ زمن، وآجال أخرى ستحاذي المقابر وتتجه نحو المزراع خارج القرية.

قالت عمتي: خلينا البيت زي ما هو، ما غيرنا حاجة، حتى الأزيار التلاتة خليناها تحت ضل النيمة الكبيرة. أما زقاق بيت حبوبتي نِعمة، فموسى ود التاج عَلق فيهو لمبة كبيرة، جزو منها ضوا ليهو الطريق قدام دُكانه والجزو التاني في الزقاق.

اشتعلت بداخلي الحسرة حتى أحرَقَت غضباً كاد ينصَب عليها. هي لم تكن تعلم أنه بـ (لمبته الكبيرة) تلك سيطمس آثار احتضان جسدي لكل هضبة و(حُفرة) كانت اليوم سبباً في اكتسابي التوازن.

“ارحل عن هذه المدينة المزعجة، ستصيبك بالغثيان”.

أغمضت عَينيَّ مجدداً، صوت الفلوت يتكرر، رائحة الدعاش تنتفض، تختلط بطين آخر؟! ربما لكن يظل بها نفس العبق، وهي من جديد تعاود الصعود إلى ذاكرتي خطوة خطوة رغم ابتعادي عن هذيانها عدد دوران عجلات (الباص).

*****

كثافة الذكريات اللزجة كانت تلتصق بمباني الخرطوم وتصيب (ترس) النسيان بالقصور، أدركت ذلك عندما تهاوت صفقات النيم على جسدي المتهالك، كأنها تحاول ترميمه. تقف مكابرة كملكة عجوز، تعاند شموخ المنازل، تحاورها الريح من كل اتجاه، فتتساقط الأوراق مجدداً كاشفة في كل ورقة ذكرى ما: البنابر الملتفة حول (حبوبة) وشاي الصباح.. دفاتر المدرسة الملقاة بإهمال عند الظهيرة.. عربات الطين التي كنا نصنعها أنا ومرزوق وأزهري. كل يوم حتى الغروب كانت هذه الشجرة تظلل ألعابنا.. تخبئ ملابسنا المتسخة عن توبيخ أمهاتنا.. وتستمع باهتمام لحواراتنا الصغيرة، ثم تفصلنا الجدران في المساء لينزوي كل واحد منا إلى فرشه.

تحركت الحياة فقادتني -إلى المدينة- نفس الظرف التي عاكست دراستهما.. متشبثاً بما حصدته وما أنا ذاهب لجمعِهِ؛ فعادت بي حاملاً على ظهري عدة سنوات من الخيبة، وبضع انكسارات، وذاكرة متخمة بالغائبين والموتى.

تبددت ثرثرة عقلي بصيحات جاءت من خارج المنزل كانت لمشجعين -يراقبون جلوساً على الطريق- مباراة كرة قدم، قطعها بالدراجات مراهقون بدوا سعداء لإيقاف اللعب بضع ثوانِ ثم الهروب بسرعة.

لم أستطع التعرف على أحد من الراكضين خلف الكرة، أو المحدقين فيها على الأرض أو حتى المارين. عشر سنوات كفيلة بتغير القلوب وما بداخل النفوس، ترد غائبين وتغيِّب موجودين، وتخرج إلى العالم قطعاً صغيرة سريعة النمو والتطور، قادرة على تلوين هذه الرقعة من الكون بالبهجة. فما بال الملامح تأبى أن توالفني!

عشر سنوات سلبت مني متعة الحياة وملأت ذاكرتي بمدينة يسكنها أشباه بشر لهم أنصاف ملامح لا تشبه في شيء بساطة هؤلاء وامتلاءهم بالحياة البسيطة والذكريات الجميلة..

“هذه المدينة لا تشبهك.. ستصيبك بالغثيان”.

مطروداً بعد ارتكابه مخالفة لم ألحظها خرج أحدهم، حاملاً بيده الكرة، مشيراً إلى مئذنة الجامع التي صدح مؤذنها بصلاة المغرب؛ فانتهت المباراة، وسلك كل منهم طريقه.

***** الزقاق المضاء كان ينتظر مني المرور به مساءً حتى يشي لي بما فعله موسى ود التاج ولمبته التي كشفته للمارين، وحرمته من متعة احتضان من يدحرجهم عليه. ومنزل (حبوبة) نعمة الذي كان يصدر رائحة اللبن المقنن والسمن البلدي أصبح لا رائحة له بعد رحيلنا، حتى حشائش الخريف التي كانت تزين حواف الطريق تخلت عن عادتها الموسمية رغماً عن المطر الذي يغازلها بكثافته.

كنت أنوي المتابعة نحو دكان ود التاج لاقتلاع ضوئه، لكن باب منزلها هاجم أفكاري المبعثرة بسبب ذاك الضوء؛ كانت تجلس داخل راكوبتها تَغزِل الليل بالسهر، بالرغم من كَفافِ عينيها، رفعت رأسها تقابلني ثم قالت: -عُدتَ إذن؟ -نعم، ها أنا ذا قد عدت. وما إن جلست بمحاذاة قدميها حتى سكبت على كتِفي رمالاً ناعمة تفوح منها رائحة الطين..

-ألم أقل لك يا صغيري أن تلك المدينة لا تشبهك؟ أنت لا تنتمي لها.

-كنت أبحث عن ذاتي.

-تركتها هنا ورحلت.

-وما خسرته؟

-بقدر ما كَسِبتهُ الأرض. حفنة التراب هذه هي ما فَقدتَهُ بإرادتك؛ تنازلت لراحتك عن سعادتك، ولقوتك عن إنسانيتك، أنت لا تفقد إلا لتكسب، وكل ما يخرج منك يعود إلى الأرض.

-والراحلون؟

-يقايضون الحزن في أعماقك بالنسيان. الخير ما زال بداخلك، الفرح حتماً ما زال يسكنك، تلك الجراحات الصغيرة التي اختارت قلبك كانت تنوي تطهيرك، طاوعها بالنسيان. تسللت نسمة طايرت ذرات التراب، سَكنتْ.. فساد الصمت. وقفت هِي، توكأت على عصاتها وتلاشت في الظلام.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقان

  1. Someone necessarily assist to make significantly articles I would state. This is the first time I frequented your web page and so far? I amazed with the research you made to make this actual submit incredible. Wonderful job!

  2. Richard Falk is an outright Jewish “anti-Semite”.

اترك تعليقاً