الرئيسية / العدد التاسع عشر / هواجس الكتابة

هواجس الكتابة

8067796892_dde388d56b_z

مأمون الجاك :    

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لطالما تساءلت وبحثت عن الشئ الذي يجعل عملا فنياً ” قصيدة ، قصة ، رواية أو مقطوعة موسيقية ” خالدا ، الشئ الذي يمنح قصص تشيخوف هبة الأبدية ويجعل قصائد المتنبي تبدو وكأنها كُتِبت البارحة ، ما الذي يجعل قصيدة تنبعث من أزمنة سحيقة ، عابرة لكل تلك الصحارى ، رغم ذلك تصلنا طازجة ، جديدة كل الجدة لا يبدو عليها أثر السفر – اذا تغاضينا عن كتب التفسير والشرح – بينما تموت مئات القصائد هذه الأيام في لحظة ولادتها ؟ هل هي اللغة ؟ – روايات تشارلز ديكنز خالدة رغم ان مقاطعها أحادية الصوت ، وروايات أخرى نُسيت كأنها لم تكن رغم زخرفتها وبهرجتها اللغوية –

الفكرة ؟ ” ان أفضل القصص بل وأفضل الروايات ترتكز على وقائع مبتذلة ، أو على أفعال يومية لا تحمل في الظاهر أي قيمة . العبرة كلها في الأسلوب ، تلك المهارة في إضفاء قيمة على التفاصيل ، ان العمل الفني يتفوق على مادته ، ولا شك في أن أكبر الكُتاب هم أولئك الذين يصنعون من موضوع لا معنى له رائعة فنية ، عملا خالداً كما قال ليوبولدو الكاتب العظيم الذي لم يكن كذلك أبدا . هل هي عوامل أخرى : الصدق ، العمق ، الرمز ، الروح والنبض الذي خُلقت به تلك الأعمال ؟ ربما كان الخلود مزيجاً من كل تلك الأشياء .

أُبعثر أمامي عدة مجموعات قصصية : دومة ود حامد ، قصص فائزة بجائزة الطيب صالح ، امرأة الساعة السادسة لماركيز … أبدأ في الغوص داخل تلك القصص لأجد سر الخلود وأُلامس روح الأزل … ربما كان اسم الكاتب ، مكانته التي وصل اليها تجعلنا نمنحه جزءا من ذاكرتنا ، القصص الفائزة بجائزة الطيب صالح خالدة لكن خلودها عابر / مؤقت ، جمالها لحظي ثم بعدها تنطفئ وتذبل ، أتذكر بورخيس الذي قال في مقدمة ” مديح الظل ” : أرجو أن يكتشف القارئ في صفحاتي شيئاً جديراً بذاكرته ، وأما الجمال فشائع في هذا العالم ” جميع الكُتاب رغبوا في الخلود فهم يعرفون أن كتابة سطر واحد في نشيد الأبدية أفضل من إضافة عشرات المجلدات لهوة النسيان . هذه الهواجس : الخلود ، الموسوعية ، الرقيب الذاتي ووساوس أخرى أصابت كل العُظماء ومثلت موضوعات وأفكارا لعدة أعمال ، ففي قصته ” رجل شهير ” يحكي ماشادو دا أسيس مأساة وهاجساً يلازم أغلب المبدعين ” الفنانين والأدباء ” وهو التأرجح والتفاوت بين الموهبة والطموح ، بيسانتا مؤلف موسيقي ذو اطلاع عميق في الموسيقى الكلاسيكية ، يقضي الليالي الطويلة محدقا في بورتريهات عظماء الموسيقيين : باخ ، بيتهوفن ، موتزارت ، عازفا على البيانو مقطوعاتهم الموسيقية ، باحثاً عن الإلهام لكن كل ما يخرج به وينتجه موسيقى بوليكا تعزف في الحفلات الراقصة ، تلك الموسيقى التي أكسبته شهرة كبيرة لكنها لم تشبع رغباته وتطلعاته ، انه يريد أن يؤلف شيئاً خالداً كالأعمال الكلاسيكية ولو حتى صفحة واحدة فقط .. الحماس الذي يؤلف به كل مقطوعة جديدة سرعان ما يتلاشى مُخلفاً وراءه الأسى والندم ، لقد صار يكره موسيقاه ، ينزعج عندما يسمعها وهو يتسكع في الطرقات ، بعد أسبوع يمل مقطوعاته الجديدة التي كان يتحمس لها ويدندن بها في بداياتها … لكن كل مرة تعاوده حمى تأليفها ، وبينما كانت ألحانه تمنح البهجة للجميع وتدفعهم للرقص كان هو بائساً ، منزعجاً ومحبطاً . كل ما يريد أن يقوله قد قيل قبلاً فاذا ظهرت بالصدفة فكرة واضحة كل الوضوح وجميلة ، اكتشف أنها ليست سوى صدى من قطعة لمؤلف آخر يتردد في ذاكرته ” ، فكر في أن وحدته هي بلا شك السبب في عقمه الابداعي لذلك قرر أن يتزوج من مغنية جيدة ” ماريا ” ، لقد ظن أنه بعد الزواج يستطيع أن ” ينجب عائلة من الأعمال الجادة ، العميقة والملهمة والمُعدة بعناية ” يقول لها في عشية زفافهما ” ماريا ، امنحيني ما لم يكن بوسعي أن أجده في وحدة ليالي ، وهرج ومرج أيامي ” ويبدأ في العمل على مقطوعة تخليداً لذكرى زواجهما ، عندما يدعوها لتستمع – هي لا تعرف أنه هو من ألفها – تقول له : انه شوبان ، اليس كذلك ؟ يا لأزقة الذاكرة وخدعها ، حينما ظن أنه قد أتى بشئ جديد ومبتكر وجد نفسه يقع في فخ التكرار … يعود الى البوليكا مرة أخرى فعلى الأقل مقطوعاته هناك تتمتع بالأصالة والتفرد ، يفكر في الانتحار وهجران الموسيقى ، يدخل في دوامات الكآبة والأسى بعد وفاة زوجته ويبدأ في تأليف قداس لذكراها السنوية ، لكن تمر السنة دون ان ينتهي منه ، تنقضي اثنا عشر شهرا آخراً دون أن يخلق موسيقى جديدة .

دائماً ما كان يترك مهمة اختيار عناوين مقطوعاته للناشر فرغم اعتراضه في البدء على عناوين مبتذلة كـ ” الحبيبات لسن للتدليل ” ، ” من فضلك استبقي السلة لنفسك يا سيدتي ” و ” مرحى للانتخابات في وقتها ” عندما تسلم الليبراليون الحكم – لكن شهوة النشر تغلبت عليه فرضخ لمقترحات ناشره – في لحظاته الأخيرة في الحياة يزوره الناشر طالبا منه مقطوعة بمناسبة صعود المحافظين الى الحكم فرد عليه بيسانتا في سخرية ومرارة : ” حيث انه من المتوقع تماماً أن أموت في أي يوم في هذه الفترة ، سأعد لك قطعتين من البولكا على الفور ، يمكن استخدام الأخرى عندما يأتي الليبراليون للحكم مرة أخرى ” كانت تلك النكتة الوحيدة التي أطلقها طوال حياته لان الزمن لم يمنحه حياة أخرى فقد مات في صباح اليوم التالي .

يمكن للكاتب أن يتخلص من ضميره وحتى من ظله لكنه لا يقدر على الفكاك من أسر رقيبه الذاتي ، لذا إذا أردت أن تصير كاتباً فاحذر رقيبك الذاتي ، راوغه عندما تكتب ان استطعت ، اعقد معه هدنة ، لا تقتله – لأنك ستحتاجه عند مراجعتك لنصوصك لا عند كتابتها – … ” الكاتب الجيد يُعرف بما مزقه لا بما نشره ” هذا ما قاله ماركيز ، لكن من سيعرفك عندئذ ؟ السلة التي ترمي فيها أوراقك ؟ انه الرجل الذي اغتال الكثير من الأُدباء كـ ” ليوبولدو ” من قصة أوغستو مونتيرسو ” ليوبولدو وأعماله ” ، انه وهم الاكتمال : اكتمال النص أو كمال كاتبه – وهو ما لا يتحقق أبداً – الذي خنق أعمالاً عديدة في مهدها : كحُلم ماركيز بحضوره لمأتمه والذي قال انه لم ينجح في تحويله لقصة لأنه فشل في جعل تلك الجنازة حفلة صاخبة كما كانت في الحُلم . هذا الوهم يقابله وهم آخر هو إنكار الذات ، فها هو عنترة بن شداد يقول في بدء معلقته : هل غادر الشعراء من متردم … أم هل عرفت الدار بعد توهم . أي هل ترك لنا الأولون شيئا لنقوله رغم أنه لم يسبقه الى قرض الشعر سوى العصافير والأشجار وشاعر هنا أو هناك … ليأتي محمود درويش الذي خُتمت به القصيدة العربية – كما أظن ، لا كما أتمنى – بعده بقرون ليُنكر ذاته لا كلماته عندما أنشد : من أنا لأقول لكم ما أقول لكم ؟ وسواء كانت تلك الحيلة التي استخدمها بورخيس كثيرا حقيقة أو تصنع وادعاء فان هذا لا يهم ، لأن الشاعر الحقيقي لا يؤمن بنفسه ولا بالآخرين ولأن الشعر يمنحنا الأوهام لا الحقائق … الأوهام اللذيذة . انها هواجس مُتجددة ولانهائية ، الهواجس التي تمنحنا الاطمئنان والهوامش التي تمنحنا الأدب

 

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

لا تعليقات

  1. تجعلك لا تفارق السطور ابدا مستمتعا بهواجس العظماء

  2. تجعلك لا تفارق السطور ابدا مستمتعا بهواجس العظماء

اترك تعليقاً