الرئيسية / العدد الثامن عشر / وهم الحب في زمن الكوليرا

وهم الحب في زمن الكوليرا

gabriel-garcia-marquez-love-in-the-time-of-cholera

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

     حينما كان فلورينتينو ارثيا في الخامسة عشر من عمره ، و في ليالٍ معينة ، كان ينتظر حتى يشتّد ظلام الليل ، و تقفر الطرقات ، فيتسلل حاملاً كَمانَهُ متجهاً صوب مقبرة الفقراء المُطلّة على المدينة .. ليعزف لَحْنَه الحزين منفرداً .. فالس “الربّة المُتوّجة” ، الذي تتجاوب معه جميع كلاب المدينة الضالّة ، فتعوي عواءاً متواصلاً حزيناً .. و تستيقظ فيرمينا داثا في حجرتها مذعورة ، و هي تعرف أن كل نوتة في اللحن تُعزف من أجلها هي فقط .. من أجلها هي تحديداً ..

       قبل عام من ذلك ، و حينما كانت “الربّة المُتوّجة” فيرمينا داثا   تجتاز الحديقة العامة أربع مرّات في اليوم في طريقها من و إلى المدرسة بصحبة عمّتها اسكولا إستيكا و هي ترتدي زيها المدرسي ذي الخطوط الزرقاء و تحتضن حقيبتها المدرسية ، كانت كل مرة تبحث بعينيها سريعاً عن الحارس الضامر الكئيب ، الذي يشبه أطياف الموتى ببزته السوداء الخانقة و هو يجلس تحت أشجار اللوز متظاهراً بقراءة كُتب الشعر مراقباً إياها من طرفٍ خفيّ .. و كانت تَجده كل مرة ..

      كان هذا العام كافياً لإصابتهما بالوباء .. وباء الحُب الذي أراد ماركيز أن يقول أنه يشبه كثيراً مرض الكوليرا ، فكلاهما فتّاك ، مُعذِّب و يجتاح بشدّة .. كلاهما يعرف كيف يسرق النوم من عينيك ، و كيف يصيبك بالحمّى و حالات الإغماء .. ففلورينتينو حينما كان يأكل الورود و يشرب الكلونيا ليجد مذاق فيرمينا ، فيدخله ذلك في نوبات هذيان و حُمّى و قيئ معطّر برائحة الكلونيا كان حينها لا يختلف كثيراً عن مرضى الكوليرا ، حتى أنهم إعتقدوا أنه مُصاب بها فعلاً و ذهبوا به للطيب العجوز المثليّ ..

       و لكن الحقيقة أن كلاهما لم يكن مصاباً بالحُب على الإطلاق ! فبالنسبة لفلورينتينو كان ما أُصيب به هو أعراض الحب و ليس الحب نفسه ، و كان ما أحبه فلورينتينو هو الحُب في فكرته و ليس فيرمينا ، فبحسه الشاعري و عُزلته و إنطوائيته كان فلورينتينو يحتاج للحب .. يحتاج لصبيّة مستحيلة _كما كان.

يحتاج لصبيّة مستحيلة _كما كان يسميها_ ليحترق شوقاً إليها ، و يظل لمدة عام كامل يراقبها فقط و يحلم بمشيتها الغزالية .. خلال هذا العام عمل فلورينتينو على رعاية نبتة الوهم التي نبتت بداخله  ، حتى كبرت و تشعبت أغصانها ، و أخذ ينسج الخيالات حول فيرمينا حتى إبتلعه الوهم بالكامل … و بالنسبة لفيرمينا فقد كان ما جذب إنتباهها لفلورينتينو هو شعور مختلط ما بين الشفقة و الفضول و الأسى ، فقد أثارتها مثابرة ذلك الشبح الرابض تحت أشجار اللوز يومياً بمنظره المخذول و هو يسترق النظر إليها كلّما مرّت بالحديقة ، و شجعتها عمّتها اسكولا إستيكا _المحرومة من الحب_ على التمادي في تلك اللعبة .. و حينما تجاسر فلورينتينو على غير المُتوقع ، و سلّمها رسالة الحب الأولى كانت تلك فرصة لا تُقاوم بالنسبة لفيرمينا لخوض تجربة مُحرّمة ، و لتحدي السلطة و الرقابة الصارمة التي كانت مفروضة عليها من قِبَل والدها و أيضاً من قٍبل المدرسة الدينية .. فقضيا عاماً كاملاً محموماً ، و هما يتبادلان الرسائل و خصل الشعر و أوراق الأزهار المجففة و الفراشات المُحنّطة .. و هما ينسجان شبكة الوهم العنكبوتية بخيوط غير مرئية ، خيوط تلتف حولهما و تخنقهما ببطء ، ببطء .. و لكن جزءاً صغيراً من فيرمينا كان على دراية بهذا الوهم ، و هو ما جعلها تمتنع عن قبول وردة الكاميليا البيضاء في كل مرة يرسلها فيها إليها ، بإعتبارها تعاهداً على الإلتزام .. و حتى عندما قبلتها في النهاية فعلت ذلك بطريقة عابثة بقدر عبث الوهم الذي يعيشانه ، إذ ردت عليه قائلة “حسناً ، أوافق على الزواج منك إن أنت وعدتني بألا تجبرني يوماً على أكل الباذنجان”!

      عندما علم والد فيرمينا بما كان يجري بين إبنته و فلورينتينو سعى إلى قطع تلك العلاقة ، لأنها تُهدد حلمه بتزويج إبنته لنبيل ميسور الحال .. فقام بإرسال فيرمينا بعيداً بعيداً في رحلة النسيان على ظهور البغال بين السلاسل الجبلية .. و لكن ذلك لم يمنع العاشقين من التواصل من جديد ، و زادت حدة الوهم الذي يعيشان فيه من باب أن الممنوع مرغوب .. و بعد عِدة أعوام ، و حينما عادت فيرمينا للمدينة مرة أخرى ، و كانت قد صارت فتاة ناضجة حينها و بينما هي تتسوق ذات ظهيرة و تشتري قطع حلوى الأنناس و الأصناف الأخرى .. إقترب منها فلورنتينو بوسائله “الخاملة” كالعادة ، و همس من ورائها قريباً جداً من أُذنها بأن “ليس هذا بالمكان الملائم لربّة متوّجة” .. و حينما إلتفتت إليه فيرمينا و رأت العينين القاستين الذابلتين ، و الوجه الضامر الكئيب ، و الشفتين المتصلبتين خوفاً ،  هناك وسط ضجيج ماسحي الأحذية  و بائعي الكُتب و العصافير ، دَهَم فيرمينا وعيّ مفاجئ بمدى فداحة الغلطة التي إرتكبتها ، و مدى هشاشة الوهم الذي ظلت تعيش فيه خلال السنوات الماضية و الورطة التي جعلتها تحتضن قلباً بهذا البؤس و الحُرْقة .. و عمدت من فورها إلى قطع أي صلة تربطها بفلورنتينو ، و أرجعت إليه كل رسائله و أزهاره المجففة و طالبته بإرجاع ضفيرة شعرها التي كانت قد قطعتها و أرستلها له قبل أن يبعثها والدها في رحلة النسيان..

تعذّب فلورينتينو كثيراً و هو يحاول تخطّي ذلك الأمر و لكنه لم يَتَخلّ عن الوهم كما فعلت فيرمينا .. و عندما تزوّجت فيرمينا من الدكتور خوفينال أوربينو تغيّر جزء كبير من شخصية فلورنتينو .. و هُنا يظهر بناء ماركيز المُحكم و الواقعي لشخصيّة فلورينتينو .. فتعلّق فلورنتينو بأمّه _ التي عاشت شبه أرملة و موصومة بوصم إنجابها لطفل غير شرعي طوال حياتها _ جعله يظهر ميلاً خاصاً نحو بنات الليل و الأرامل .. فلم يكن يجد راحته إلا في فُندق بيع الحُب الطارئ الذي يأوي عُصفورات الليل و راغبي المُتعة .. كما أنه أخذ على عاتقه مهمة إسعاد أي أرملة حزينة كانتها أُمه من قبل .. فإنغمس في حياة دونجوانية عبثيّة ، حيث لم يكن يترك فرصة للإيقاع بإمرأة تُفلت منه  .. و لكنه لم يُحب هؤلاء النسوة قط ، بل كان يعاملهن بنوع من القسوة العاطفية في الواقع .. و ذلك راجع لسببان ، سبب صغير هو رغبة لاشعورية للإنتقام من فيرمينا بالقسوة على صنف النساء عموماً .. أما السبب الأكبر فهو أن فلورنتينو كان لا يزال غارقاً في الوهم حتى أذنيه ، فأعتبر نفسه زوجاً أبديّاً لفيرمينا ، عليه أن يدين لها بالحب و الوفاء حتى تُصبح متاحة له مرة أخرى ، و ما هؤلاء النسوة إلا محاولات يائسة لردم الهوّة التي أحدثها زواج فيرمينا في قلبه.. 

      أحبت فيرمينا الدكتور أوربينو بالقدر الضروري لتسيير حياة زوجية هادئة و مستقرة فقط ، بعد أن أخبرها هو نفسه يوماً بفلسفته الباردة فيما يخص الحُب و الزواج قائلاً “تذكري دائما أن أهم شيء في زواج جيد ليس السعادة وإنما الاستقرار” .. و تعلّقت به مثلما تتعلق أي زوجة بزوجها بفعل العادة و الإلفة و طول المعاشرة .. ففيرمينا داثا لم تكن قادرة قادرة على أن تُحب يوماً ، فهي لم تُحب فلورينتينو و لم تحب زوجها الدكتور أوربينو كما يجب أيضاً ، و لم تُحب سوى حيوانتها الأليفة .. يوم أن مات الدكتور أوربينو و هو يحاول إنزال الببغاء الناطقة من على الشجرة ، و بعد أن إنصرف المعزّون ، كان شعور القرف و الدهشة الحانقة الذي أحست به فيرمينا عندما جدد لها فلورينتينو عهده بالحب و الوفاء الأبدي ، كان شعوراً مبرراً و منطقيّاً ، و لكنه بالطبع لم يبد كذلك بالنسبة لفرونتينو الغارق في الوهم .. و لم يجعله ذلك يستسلم بكل تأكيد .. فَعَمد إلى خُطّة صبورة طويلة المدى ، كَسب فيها صداقة فيرمينا أولاً ، ثم عمل على إحياء ذلك الحب الذي كان مستعرّاً حينما كان ينتظرها تحت أشجار اللوز و هو يتظاهر بقراءة كتب الشعر .. و أخيراً و بعد ثلاث و خمسون عاماً و ستة أشهر و عدة أيام ، و على ظهر السفينة “وفاء الجديدة” نجح فلورنتينو في أخذ أول قُبلة من ربته المُتوّجة .. و لا حاجة بنا للقول أن هذا لم يكن حُباً في الحقيقة ، بل كان ملامسة لوهم قديم جميل ، أطلّ من البعيد مثل حُلم باهت .. و هي ملامسة لشد ما يحتاجها عجوزان يهرولان نحو القبر بخطى واسعة ..

      إلى هذا الحدّ كانت أفكاري متماسكة بشأن وهم الحب أو اللاحب في رواية ماركيز “الحب في زمن الكوليرا” .. و لكنّي تساءلت بعد ذلك : إذا لم يكن ما نَسَجه ماركيز بين فلورينتينو و فيرمينا حُبّاً ، فكيف يكون الحُبّ إذاً ؟! و عندها إنتبهت إلى أن ذلك هو الحُب عَيْنُه ! فكيف يكون الحُب إذا لم يكن مجنوناً عبثيّاً يفتقر للمنطق والعقلانية .. كيف يكون الحُب إذا لم يُشعل النار تحت جلدك و يترسّب بدمائك و يجعلك تُصاب بالحُمّى و تهذي مثل مريض الكوليرا .. الحُب هو ما يمنح أتفه التفاصيل قيمة إنفعاليّة كثيفة و مؤلمة .. الحُب هو الذي يقوى و يتمكن كُلّما ضُعف المُصاب به .. و هو الذي يُصّر على التمسّك بالحياة كلما حاولت وأده و دفنه ، فينهض أبهى مما كان مثل فينيق أسطوري .. الحُب هو ما لا يلتزم بزمانٍ ولا بمكان ، و لا تؤثّر فيه أحداث ، بل هو ينسج زمانه و مكانه الخاصّين ، و يُطوّع الأحداث .. ففيرمينا داثا ، حينما كانت تظن أن قصة حبها القديمة المنسيّة لفلورينتو هي حدث جانبي في حياتها ، كانت مخطئة أشدّ الخطأ ، فحياتها كلها كانت أثراً جانبياً لذلك الحب .. و ماركيز يحاول تعريفنا بهذه النسخة المعذبة من الحب في رواياته ، فحب فلورينتينو لفيرمينا هو نفسه الحب الذي جعل ريبيكا في مائة عام من العزلة تأكل حُفنات تُراب الحديقة مكسّرة أضراسها بقواقع الحلزونات حينما تأخّرت رسالة بيترو كريسبي يوماً .. و هو نفسه ما جعل بيترو كريسبي _بعد أعوام من ذلك_ يقطع رسغيه بسكين في يوم جميع الموتى ، بعد أن فشل في تليين قلب آمارانتا القاسي .. و هو نفسه ما حمل ذلك العاشق الولهان على الإنتحار تحت شُرفة ريميدويس الجميلة التي تمتلك أحشاءاً و قلباً كالحجارة ..  الحب هو الجنون نفسه الذي كان يقطّر من كلمات فلورينتينو في آخر الرواية حينما سأله القبطان :

_ و إلى متى تعتقد أن بإمكاننا الإستمرار في هذا الذهاب و الإياب الملعون؟

فأجابه فلورنتينو :  مدى الحياة ..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً