الحـــــدأة

uaepigeon-b50bf0915d

كوثر عبد الله :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لم تَكُفّ “الحمامة” عن عادتها الرومانتكية اليومية، وهي جمع شَعْثِ منزلها المُتناثر أرضاً إثر فِعل “الحَدأة” التي مزقته غَضَباً بينما كانت تبحث عن صِغارها لتستمتع بشهية إلتهامهم, أو إفساد مخزونهم الغذائي -إن وُجد- حالَ عدم وجودِهم .

ثم تقوم ببنائه وترميمه بجسدٍ منهكٍ وقلب واجف، مترقب، حزين وعقل يوجِب عليها فعل ذلك .

كانت تخرُج قُبيلَ إكتمال أشعةِ الشمس في الفضاء ليسبح الضوء معرياً وفاضحاً لكل شيء, مزهواً بعقلية متوهم الخلود، تخرج بعد أن تجد مخبأً آمن تضعُ فيه صغارها وتُلقي عليهم تراتيلَ الحَيطة والحذر والخطط الأمنية البديلة، تتركهم لتبدأ رحلة البحث المُضنية عن قوتٍ يَسُدُ رمَقَهم, وسعيرُ حُلُمها الضاري يسندُ ظهرها ويُحفِّزها لمواصلة كفاحها بين رحلتي البحث عن الأمن والإستقرار لصغارها, والبحث عن غذاءٍ يُقيهم عَرَصاتَ الجوع والعوز والتشرُّد وإنفراط الأخلاق والقيم التي زرعتها في بويضة تكوينهم الأولى .

منذ أمد تباعد عن بدء الحساب مافتِئت “الحدأة” تَفتِك بصغارِها مُمعنةً في سحقِ سَليلها, طاعنةً في قهرها في مرح ساخر وتخلُّع وحشي لم تصاب بتخمةِ الإنتصار ولم تتخلَ عن جشع الإعتداء . وكانت تجد تشجيعا من كافة قبائل الطيور من أكبرهم إلى أصغرهم, تشجيعاً خفياً ومُعلن -عدا الغراب- حيث كان يتلفَّع بسِماتٍ مغايرة جِلْوُها عدمَ الرِضا عن فعل الحدأة ومناصريها, ولكنه آثر الإنزواء والسكوت على إكتشاف لذة الإعتراض والتمرد, وإكتفى بدور المتفرج المتعلل بالحيادية.

وقد كان حُلم “الحمامة” الصغير الكبير أن يظل نسلُها ليظل نوعها، فاطمئنانها الذي يتبخر وينصهر مع أشعة الشمس يتكاثف مع حميمية الليل.

وما أجمل الليل! ..

يستر عيوب النهار، ويحمي قاطنيه، مع سكونه تترتبُ الأفكار ويطول فيه الإسترسال في الأحلام بغدٍ أفضل.

وذاتَ غارةٍ من غارات “الحدأة” العدائية وقد أعيت “الحمامة” من فرط التنقل والإختباء وخسرت معظم أبنائها وما تبقى لها سوى واحد فقط، قررت هذه الأخيرة أن تغير دورها من المدافع المستسلم, فعزمت على التفاوض مع “الحدأة” علّها تُراجِعُها أو تُهادنها, ولكن هالها رد فعلها فقد حدثتها بلسان من لم يعرف الإستحياء إليه سبيلاً

فقالت لها : إن تصرفك هذا لا يشي إلا بضعفك القديم وإنهزامك الوخيم، ولا تجادليني في قضيةٍ دورك فيها الخاسر الذليل, وبما أنكِ عجزتِ عن صون ما هو لك، فحُقَّ لي إهراقه وفعل ما يحلو لي به أبداً ما قدرت على ذلك، ثم لا تأملي في أن يُناصرك أحداً من القوم, فأكثر ما يُؤيدونه الظلم, وأكثر ما يدعمونه ظالم تَقوَّى على ضعيفٍ خالي الوفاض من الخبث و المكر والدهاء, أكبرُ همِهِ العيشَ بسلام, وكأنهم يرون في هزيمته نصراً لضعفهم، ثم لا يغرنك شكلهم وأحاديثهم ووضعهم “الخير لا ينتصر دائماً على الشر مثلما ورد عن المعتقدات الموروثة”

ثم نهضت بتكاسل مصطنع, وتغنج ماجن, منهية للمقابلة بقولها : في المرة القادمة إجلبي لي “وحيدك” طائعة وسأهديك حبل إنتحارك!

مذ خرجت “الحمامة” لم تسكت ثورة غضبها الطافح، لسعاتُ كلماتِ “الحدأة” جعلتها تُوغل في جلدِ ذاتها ولم تكف عن التفكير لحظة، حتى طرق لها خاطر صُعق له ذهنها، فانتظرت صباح الخوف لتثأر منه، ثم ذهبت على أقدام التحدي والشجاعة إلى مجلس “الحدأة” بين عُصبتها ومناصريها، قالت الأخيرة : أجلبتي لي وحيدك؟!

– لا بل موتك….

فضحكت ضحكةً ساخرة لم تكملها حينما إنغرس خنجر الثأر والكرامة في صدرها  فأردتها “الحمامة” ميتة.

قالت الحمامة:

ما أذهلني حقاً هو موقف مناصريها، لم يصفقوا لي وما عاتبوني أو قاتلوني لفعلتي بل انصرفوا وكأن شيئاً لم يحدث!

غير أن الغراب تصرف بسليقته الأولى ووارى سوءة “الحدأة” وهو ما كان سيفعله إذا كنت أنا من مات.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً