الرئيسية / العدد الواحد والعشرون / الفصحى أم العامية !

الفصحى أم العامية !

arabic

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

فضاء اللغة:

هذا الموضوع ليس جديداً على الوسط الثقافي, إنما هو قديم قدم العربية, ومتجدد ومتطور تبعاً لتجدد وتطور اللغة نفسها. ولكن في كل زمن مضى ثار لدواع مختلفة, وبأسباب متباينة عن العصر السابق له والتالي, ففي عهد طه حسين والعقاد والمازني وهيكل والرافعي, أي في الوقت الذي عاش فيه أعمدة الأدب هؤلاء, والاهتمام الذي حظيت به اللغة, كان ذات السؤال مطروحاً: الفصحى أم العامية؟ .. إذن لابد وأن يطرح الآن أيضاً. ولكنه كان موجهاً نحو الصحف وما تنشره من أدبٍ, وتقارير ومقالات باللغة العامية أو العربية الركيكة بناءً وبلاغة وتركيباً. أما اليوم فلن يثور هذا السؤال من أجل الصحف أو المجلات, فقد انسحب البساط من تحتهما أو كاد, ولكنه يثور في شأن الوسائط المستحدثة التي كانت النتيجة الطبيعية لعجلة التطور المضطربة. وأعني المدونات في الشبكة العنكبوتية, ومواقع التواصل الإجتماعي, وهذه الأخيرة هي موضوع هذا المقال.

أثر خيار المثقف:

الحقيقة الكونية, التي يعرفها الكثيرون: أن الفضاء الرقمي يحظى بجل اهتمام القراء البسيطين وحتى المثقفين أنفسهم. إذن فهو الأكثر أثراً حتى من النشر الورقي. وبالتالي لقادة الرأي في الإسفير أثر لا يمكن تجاهله, فعندما كان الناس يتابعون الإنتاج الورقي, الذي بالضرورة كان يخضع للرقابة الصارمة؛ كانت لغتهم أكثر عافية, وفي هذا الزمن انحسر تناولها وحل الإسفير محلها, وفي ظل غياب الرقابة (خارجية/ذاتية), وعن غير قصد؛ تردى المستوى اللغوي بشكل ملحوظ للحد الذي أصبح فيه الضمير “أنتِ” “أنتي”! وصارت كلمة “إطلاع” “إضطلاع”! و”إستيقظ” مُسخت لـ “استيغظ” ويمكنك سرد ما شاء الله لك من هذه اللغة التي تجري على الألسن, وتحت نقر لوحات المفاتيح. ويمكننا تخيل العكس –من باب التفاؤل- فينشر المثقفون بالفصحى, فتصبح الثقافة اللغوية من البديهيات, فلا يشكو شاكٍ, ولا يتذمر متذمر من ضعف اللغة, ومن سوء التعبير. هكذا يمكنني أن أقول بأن إيثار العامية دون الفصحى يحطم الذوق, ويورث الضعف اللغوي, ويتسبب بمشكلة, المثقفون أنفسهم في غنى عنها.

معيار الرقابة, وضمير المثقف:

حتى تستقر الصحيفة/المجلة بين يدي القارئ لابد أن تمر بمراحل كثيرة: داخل مكاتب الصحيفة نفسها ورئيس تحريرها, وجهات الدولة الرقابية, والمنافسة بين الصحف في جودة الطباعة واللغة, والقارئ نفسه حين يدفع مبلغاً لقاء نسخته فلن يشتري هذه الصحيفة مرة أخرى لو لم تعجبه, وهكذا … أما في موقع التواصل الإجتماعي فالناشر/الكاتب ليس عليه سوى كتابة رأيه أو ما يختلج في عقله, وبكبسة زر (نشر) يرى كل متابعيه ما كتب, وقد يجد انتقاداً في التعليقات ولكن هذا النقد يفتقد لعنصر الإلزام على كل حال, وبالتالي ليس نقداً جاداً ولا يمثل رقابة فعلية. ويبدو جلياً الآن أن الرقيب الوحيد هو ضمير الكاتب/الناشر نفسه, والذي يخضع بالأساس لقناعاته ونظرته للأمور. ولو لم يكتب بالعربية فلا أحد سيجبره على ذلك.

الأولوية للفهم أم الأداة (اللغة)؟:

هو سؤال يطرحه كل من يهتم بالقضايا الثقافية ونشر الوعي, والإجابة عليه من قبل طارحيه, تمثل جزء من قناعتهم بضرورة النشر بالعامية. إذ يقولون أن سرعة الأحداث, وضرورة إلمام الناس بفكرة عنها؛ يحتم صياغة الفكرة أو الإيضاح في أبسط صورة, لأن ذلك يضمن سرعة فهمها واستيعابها. ولكنني أرى الأمر من زاوية مختلفة تماماً: فالمفاضلة بين الأداة والموضوع من الأساس –حسب اعتقادي- لا تصلح ذريعة لركل الفصحى جانباً؛ إذ أنني لا أطالب باللغة العصماء, التي تحتاج إلى التأمل في ذاتها وتذوقها, وتستمهلك في القراءة, فتلك من شأن حديثنا عن الأدب, إنما أقصد اللغة العربية في أدني مراتب البيان والبلاغة بشرط الصحة في الصياغة والتركيب, أو ما يسمونها لغة المقال, أو اللغة البسيطة, أو اللغة العلمية.

ويجدر بي هنا أن أسأل: في مسلسل مثل “صلاح الدين الأيوبي”؛ ألم يكن التخاطب بالفصحى؟ ألم يفهم أكثر الناس أمية وجهلاً كلام أشخاص المسلسل؟ .. دعك من هذا, ربما كان ذاك الجيل أكثر وعياً, خذ مثلاً الأجيال الحديثة, أي لغة يسمعونها في مسلسلاتهم الكرتونية؟ ألا تراهم فاهمين مدركين لألفاظ الحديث؟! ذلك في السماع, أما في القراءة فخذ مناهج التعليم ذات المواد العلمية الصعبة والمعقدة .. أليست بالفصحى؟ هل يواجهون مشكلة في الإستيعاب من جراء اللغة؟ .. الآن كل من قرأ هذه السطور يمتلك إجابة لتلك الأسئلة, وهي ذات الأجوبة التي تراءت لي .. إذن ليس هناك مشكلة في فهم الناس للفصحى. فلماذا يتمسك المثقف بنشر آرائه القيمة والناقدة بالعامية؟. أليست هي لغة الأنس في القهوة, والجدال في السوق؟!

العادية والرقي:

حينما طُلب من الأديب يحيى حقي أن يكتب إلى الفلاحين -وهم أكثر قراء مجلة “التعاون”-, عزم أن يخاطبهم بلغتهم العامية حتى يسهل عليهم الفهم, فصده صوتُ الضمير الواعي قائلاً: ((لا يجمُل بك أن تُجلس هؤلاء القراء منك جلسة التلاميذ الصغار أمام معلم يلقي عليهم الدرس من منصة عالية بلغة هابطة يتعمد أن يفهمهم بها أنه ينزل بها إلى مستواهم. لن يفسر الفلاحون عملك هذا إلا بأنه إهانة لهم سافرة. إنهم لا يعترفون بفارق بينك وبينهم, وحتى لو اعترفوا فإنهم يريدون أن يسموا إليك لا أن تنزل أنت إليهم, بل إنه لمما يسُرُهم أن تتيح لهم الفرصة لامتحان قدرتهم على الفهم. إنهم يريدون منك أن تحدثهم كما تحدث بقية الناس لأنهم ليسوا بدعة بين الناس, إن مقالك المكتوب بالعامية وبلغة تتعمد البساطة سيقابل منهم بازدراء يمنعهم من فهمها رغم سهولتها. أما إذا حدثتهم كما تحدث بقية الناس فقد لا يفهمون كل كلمة في مقالك ولكنهم سيفهمون قطعاً غرضك وما تهدف إليه. أليس هذا قصدك؟)) ..

ولابد هنا أن أوضح نقطتين لأنني لا أتحدث عن قراء مجلة: فالناس في (فيسبوك) مثلاً يفهمون بالضبط ما يرمي إليه المثقف بمقاله المكتوب بالعامية ولا يجدون في ذلك إهانة, كما أن المثقف نفسه يدرك تماماً قول يحيى حقي هذا. إذن هناك اتفاق على أهمية الكتابة بالفصحى, وبدورها في الرقي بذوق القراء. ومن ناحية أخرى, أليس من يستطيع قراءة كلمة (شنو) قادر على قراءة وفهم كلمة مثل (حينئذ)؟ .. أم أن المثقف يخشى قلة التفاعل في صفحته تحت قيد الفصحى وخشية الناس فضح جهلهم بها؟!.

أما بعد:

قائد الرأي في الإسفير بذل جهداً وأعلى نفسه حتى صار له جمهور يهتم لرأيه, فمن حق هذا الجمهور أن يرتقي هو الآخر, وهذه مسئولية المثقف, فقد أرضوا غروره فليرضي هو طموحهم. وأما قبل: فالعربية جميلة لمن أراد الجمال, وواضحة لمن أراد الوضوح, وسهلة لمن يحب الركون إلى السهل, وقد طوعها الفلاسفة لتحمل أفكارهم العميقة بمنتهى اليسر والمرونة. والعامية حلوة في موضعها, لطالما كان لها دور لا يمكن أن تؤديه عنها الفصحى, ألا وهو ما يرتبط بتراثنا في الفن والمثل والحديث والغناء وكل أنواع الفلكلور. فلتكن العربية حاملة الفكرة والرأي, ولنعكس تراثنا العامي حين يحسن موضعاً لذلك.

وأخيراً: من الذي قرأ هذا المقال وعجز عن فهم مقصدي؟

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً