الرئيسية / العدد العشرون / الفَتاةُ السّرابيَّة

الفَتاةُ السّرابيَّة

يس

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

(1)

هذا الصباح لطيف, نسيمه ناعم, يُلامِس شعوراً غامضاً من نفسي. يضعُ لمسَته في كلِ مكان. أقلِّب بصري فيما حولي بشئٍ من الجوع, الجوع لشئ لا أستطيع تحديده, نهمٌ غريب. أُبصر سِرباً من الطيور, يحلِّق عالياً, يصنع مثلثاتٍ ودوائرَ. أرى سحابات خجولة, تتهادى مع الريح, وتتبعثر قِطَعاً. يُمكنها دخول الأبنية لو كانت نوافذها مفتوحة. أهبط ببصري نحو الأرض, أشجار موزعة بانتظام على جانبي الطريق المزدحم. أستعيد بصري إلى داخل الغرفة. أغلق النافذة. أدير التلفاز ثم أغلقه. مشغل الموسيقى. الراديو, أعبث بهاتفي. أشغل فيديو. أنغمس فيه. أتخيلني البطل مع فتاة عارية, تتلوى بدلال وغنج, عينيها؛ كأن الشمس إنقسمت فيهما نصفين. يشعر الرجل بالحرارة تغمر جسده إنطلاقاً من بين فخذيه. يستدبرها. ينتصب ويتحجَّر. أمدّ يدي. يقترب منها. تستعر قوة هائلة. أفقد السيطرة على يدي, وتتحرك بعنف. أرفع رأسي. أرتعش. ألهث. تتأوه الفتاة. فتنبع آهة من أعماقي. ويقذف البطل السائل الشهير, لينتشر على ملاءتي البيضاء … تباً للفراغ! ليس الفراغ, ماذا إذن؟ لا أدري.

(2)

 هل تسمعني بوضوح الآن؟! هذا كل ما في استطاعتي, لقد بحّ صوتي وأنا أشكو إليك. إرتخت حبال صوتي منادياً شيئاً ما. هذا الشئ يتشبث بأطراف روحي. ويحبس آمالي. لابد أنك تسمع دقات قلبي. أنت بقلبك النقي, وكفاك المخضرتان, ونفسك الشفافة, ولا أدري أين هما أذناك في جسدك هذا الطويل ذو المنحنيات, ولكن أينما تكونان فهما تسمعانني, وأنت تفهمني .. بل يجب أن تفهمني, أيها المطمئن على هذه الأرض المذعورة.

قاطعتني الفتاة السرابية: (تخيل أنك نحلة, تعيش حيث يقطن قومك, فإنك لن تجد حقلا من الزهور حتى تعيش كما يجب, بل لن تجد زهرة واحدة صالحة لصنع رحيق يمكنك رشفه. ولا أبالغ لو قلت أن الطيور ربما لن تجد هواءً لتحلق فيه).

إنك تحزن للفراق, أشعر بذلك عندما أتخيلك تنقسم إلى نصفين في دلتا المصب, تكون ضعيفاً وهيناً, وبإمكان طفل أن يسبح في مياهك, أي هوان بعد عز هذا ؟ أنا أيضاً أحزن للفراق أو لنقل الإنشقاق. أحزن عندما يعبروا ظهر أخيك الأحمر إلى الضفة الأخرى. هناك؛ حيث تقف تلك الفتاة السرابية الملامح, إنها لا تكف عن التلويح بيدها. وباستمرار الأمواج البشرية تنحدر نحوها, كل الناس سواء: الذي يطبِّب, والذي يعمّر, والذي يرعى معاملات الناس, والخبير, والصانع, وكل عامل. إنهم هنا يشعرون الحياة تتسرب من بين ساعاتهم وأيامهم, كأنهم مسجونين في الماضي, وكأنّ الزمن يمضي للوراء فقط.

وانساب صوتها (أنت تسرف وتشق على ذاكرتك). أتجاهلها.

صديقي لا يكُفّ عن الهدير, وضرب أعمدة الجسر. قد تكون صلبة؛ لكنها ستنهار. لا أخشى على نفسي أو على الجسر, أخشى عليه من الحطام. سيتألم ويبكي, كما بكى عندما طلبت منه أن يأخذني إلى قلبه الطيب, ونطق, نعم نطق حينها أول وآخر كلمة سمعها آدمي(لا).. ذلك اليوم الفظيع, إني أذكره كما أذكرك تماماً يا صديقي, وكما يذكر أنفي الدُعاش, يوم تحققت أمنيتي بإيجاد عمل, كعامل تنظيف في أحد المكاتب, كنتُ مسروراً مبتهجاً, وقادراً على توفير قدر من المال كل شهر, صحيح أنه لا يساوي ثمن وجبة في أحد المطاعم الفاخرة, ولكن يوفر ما يحتاجه إنسان مثلي. إلى أن صاحت الفتاة السرابية بصوتٍ حاد ورقيق فيّ آن واحد: (أجُننت؟ كيف تقبل بأجرٍ كهذا؟ هذا عمل شاق ويستحق مائة ضعف هذا المبلغ, أتركه فوراً, وتعال) فتركتُ العمل, وكعادتي لجأتُ إليك ببعض إنسانيتي. لا تغضب من ثرثرتي, ولكن هنا بذرة الحياة قد صارعت للبقاء لأكثر من ربع قرن بلا فائدة, لم تنجُ! الرجل الأسمر مريضٌ ومغبون, والسمراء حزينة. لماذا أجتر ذلك الآن؟

 

(3)

آهٍ يا عزيزي, تقول اصبر .. إنني بشر, ولا أقوى على تحمل الإحتضار, إما الموت أو الحياة, لا أحتمل خياراً وسطاً, الخيارات الوسطى تغري بالنفاق. عندما كنت صغيراً, وكان هذا البلد كبيراً, أحببت الحياة, آتي إلى هذا المكان كل صباح ومساء. النخل عن يميني, وأحواض البرسيم عن شمالي, وألحان الطيور في الهواء, في الماء, وفي قلبي, وزرقة السماء ببعض سحبها تنعكس على ظهرك, وأنت مستلقٍ أمامي تمتد, وتطول, وتعلو, وتهبط, وتسكن, وتفيض, بكل بهائك وصمودك وريحك الرطبة الطيبة, عريق أنت وكريم كما السماء, وعميق كأمنياتي. يومها قلت لك: (إلم تكن هذه هي الحياة, فلا أظن أن هناك شئ بهذا الإسم) أتذكر؟ ولكن الفتاة السرابية قالت: (لقد كذبتَ, ما قيمة الجمال بلا مال؟), ربما كانت محقة, إنما لو قلت أياً من ذلك الآن سأكون بالتأكيد كذاباً أشر.

(4)

تهيأتُ كعادتي حينما أنوي زيارتك. ارتديت بنطال الشارلستون الذي ورثته عن أبي الذي اشتراه في شبابه, وأهداني إياه حينما بلغ السبعين. أبي الذي مات قبل عامين. وقميصي الأبيض, هو في الحقيقة ليس أبيضاً, ولكني لا أذكر لونه (الأبيض لون السلام, الأبيض لون جميل). ومن حيث لا أدري, قفز صوت الفتاة السرابية إلى أذني موبخاً: (نعم الأبيض جميل, ولكنك لا تستطيع شراء ثوب أبيض جديد!) خرجتُ إلى الشارع. رأيتُ الناس ورأوني. كالعادة, لقد أمِنتُ نظراتهم. لا أحد ينتبه لحالتي البائسة. أمرُّ بالكلاب والقطط المشردة. القمامة في كل مكان و بلا حاويات. وهمَستِ الفتاة السرابية (أنظر يا عزيزي؛ هذه البيئة ليست صالحة للحياة, أنت لا تستحق هذاَ) أقفُ عند الطريق المسفلت. أنتظر أن تخف حركة العربات. البعض سعداء (ما الذي يميز هؤلاء البعض؟).. أقطع الطريق. أدخل الجنائن. أرى النخل الطويل, السِعدة, البرسيم, وأعنز جواثم تجترُّ ما جمعته من حشاش الأرض, وبقرات سمان موثقة عند أحواض البرسيم القديم. خرير ماء على الجداول, وبعض غيمات في الأفق. أبتسم, ثم أضحك. أدندن بأغنية لمحمد النصري: “يا بلدي في الخاطر قريب .. أنا عشت في ضلك زمن .. عشقك يوديني ويجيب” بلدنا جميل, ولكن … أوه .. إنني لا أستطيع وقف هذا المدّ.

(5)

أنت لم تسمع الصوت, صوت الفتاة السرابية؛ لأنك لن ترحل, لذلك ليس إسمك مع المنادى عليهم. أنا أسمع وأقاوم رغم سحر الصوت وعذوبته, أقاوم لأنني أحبك أنت, وهذه السمراء التي ستنجب لي إبناً قوياً متعلماً, وفتاة ترهق الرجال, وبلحاً, وعلماً, ونفط. ستنجب لي خيراً كثيراً وأسلحة. ستنجب بعد زمن طويل, لابد لها ذلك. وأتى صوت الفتاة كأنه نابع من بئر سحيق: (أنتَ تحلم يا عزيزي, ما نيل المطالب بالتمني, ألم تقرأ هذا الشعر؟) كنتُ مرهقاً, وقد سرى صوت الفتاة في أوردتي, الصوت وحده ملأ الفراغ, لا كما أن أذني لا تسمع غيرها؛ بل كأن الله لم يخلق غير هذا الصوت, والصمت.

أنتَ تذكر بالتأكيد؛ ذلك اليوم حين جاءت الفتاة السرابية فجأة, وجلست قبالتي. تخيلتُ حينها أن لك عينان ذاهلتان, وحنك متدلٍّ كالأبله, ولسان مرتخٍ يكاد يسقط. وما كنتُ أنا بأحسن حالٍ منك. يا لها من فتاة! كأنني كنت منفياً لقرن, وخرجتُ لأرى هذه الفتاة بهيأتها تلك: بدت بهية الطلعة, ترتدي الأناقة نفسها, تتدلى من ساعدها حقيبة بها بطاقات, الواحدة منها تجعلك غنياً بمجرد إدخالها في صندوق؛ تخرج الكثير من النقود. الشئ الوحيد الذي منعني من الجنون, والذي ما كنت لأرفضه؛ قولها: “هيا معي”. وذهبتُ معها. تركتُك سيلاً من الدموع, وكان بعدها أكبر فيضاناتك. كأنك تحتجُّ وتعتِب. وكأنك تقول في نفسك (لا أحد يستحقني هنا) لكنك لن ترحل!

***

أما الآن يا عزيزي؛ فأنا أُشبع هذا الجوع بالذكريات, الذكريات هي أجمل منتجع لمن ضاقت به الحياة. وعرفتُ لماذا أغلق التلفاز بعد فتحه, عرفتُ لمَ أنا قلق ومتوتر. فليتني مثلك! تلك المروج الخضراء على الضفة الأخرى في الحقيقة مصنوعة, هذه الأرض لا تشبه أرضي, مطلية باللون الأخضر كقطعة قماش كبيرة مفروشة على أحد الميادين, وكأن الطلاء يجعل الأرض خصبة! . أنا بخير, أظن ذلك: أعمل, عندي نقود, أذهب حيث أريد, أملك هاتفاً متطوراً, وأرتدي ثياباً جميلة. ولكن لا حياة. ويفتك بي إحساس مخزٍ كأن قلبي ساعة, شوكاتها خناجر لامعة الأنصال, كلما تحركت واحدة؛ تقطّع ونَزَف.. تلك الفتاة السرابية تزورني من حين لآخر, وأشعر بالخيانة كلما قابلتها .. خيانة السمراء. إنها لن تغفر لي .. إنها الجمال نفسه .. ولكنني تبِعتُ مسخاً.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً