الرئيسية / العدد العشرون / الواقعية السحرية فى ” مئة عام من العزلة “

الواقعية السحرية فى ” مئة عام من العزلة “

الواقعية السحرية فى مئة عام من العزلة  

 حسونة المصباحي : 

قال غابرييل غارسيا ماركيز ذات مرة بما معناه أن مساره كروائى قد يكون تحدّد قبل أن يبلغ العاشرة من عمره. لذا يجدر بى قبل أن أقدّم بعض الأفكار والآراء حول الواقعية السحريّة فى رائعته “مئة عام من العزلة” التى كانت سببا أساسيا فى حصوله على الشهرة العالمية الواسعة التى يتمتع بها منذ السبعينات من الفترة القرن الماضى وحتى هذه الساعة، أن أعود إلى طفولته، وأيضا إلى سنوات شبابه الأولى التى اكتشف فيها آداب العالم، والمبدعين الكبار الذى كان لهم تأثير حاسم فى نحت شخصيته الأدبية، وفى تشكيل وتعميق رؤيته للوجود وللحياة بصفة عامة.

مؤثرات عائلية
ولد غابرييل غارسيا ماركيز عام 1928 فى بلدة كولومبية صغيرة تدعى “اراكا تاكا” شبيهة إلى حدّ كبير بـ”ماكاندو”، تلك القرية المغبرة التى تدور فيها أهم أحداث “مئة عام من العزلة”. وباستثناء الشركة المختصة فى تجارة الموز التى أنشأها الأمريكيون الشماليون، لم يكن هناك فى تلك البلدة الصغيرة التى تكاد تكون مقطوعة عن العالم، غير بيوت بائسة، وشوارع حزينة تحرقها الشمس طول النهار بين وقت وآخر كان يأتى مغامرون وبغايا وسخات بائسات. وقد أمضى غابرييل غارسيا ماركيز سنوات طفولته الأولى مع جده وجدته وخالاته. لذا سيكون لهم تأثير كبير عليه فى ما بعد، بل أن البعض منهم سيتحولون إلى شخصيات رئيسية فى رواياته وقصصه القصيرة. كان الجدّ الذى يدعى نيكولا ماركيز ليبيراليا متحرّرا لذا شارك بصفته العسكرية كعقيد فى العديد من الحروب الأهلية التى خاضها الليبيراليون ضد الأنظمة المحافظة والرجعية والتى كان ضحاياها يعدّون بمئات الآلاف. وكان شديد الاعجاب بالايطالى غاريبالدى “1807 ـ 1882” موحد ايطاليا، وبفلاسفة الأنوار الفرنسيين، فولتير، وديدور وروسو وأيضا بالجنرال رافائيل أوريبا أوريب الزعيم الكولمبى الذى قاد جل المعارك والحروب التى خاضها الليبراليون ضد الرجعيين والمحافظين وفى العديد من الحوارات التى أجريت معه، اعترف غابرييل غارسيا ماركيز بأن شخصية أورليانو بونيسا فى “مئة عام من العزلة” تشبه إلى حدّ كبير شخصية الجنرال رافائيل أوريبا أوريب. وفى واحد من هذه الحوارات هو يقول: إن العقيد أورليانو بويندا لا يشبه جدى فى شيء بل أقدر أن أقول إنه نقيضه تماما، فجدى كان متوسط القامة، أكولا، وزير نساء كما أنا علمت فى ما بعد، أما العقيد بويندا فهو طويل ونحيل ومتقشف فى حياته مثل الجنرال رافائيل أوريبا أوريب. وأنا لم أر هذا الأخير غير أن جدتى روت لى أكثر من مرة وأنا طفل بأنه مرّ باراكاتاكا واجتمع بأنصاره فى مكتب جدّى وشرب معهم البيرة .

وسيظل غابرييل غارسيا ماركيز يحتفظ فى ذاكرته بصور جدّه وهو جالس فى باحة البيت الكبير أواخر النهار، أو هو يطوف معه فى البلدة الصغيرة أو فى ضواحيها وصوته الحزين وهو يقول له بعد أن يطلق زفرة طويلة: أنت لا تعرف يا ولدى الصغير كم هى ثقيلة جثة الميت . وسوف يظل يتذكره طويلا عندما كان يأخذه إلى الشلالات التى تنزل من أعالى الجبال والمياه الصافية، المتدفقة بسرعة هائلة بين الصخور الكبيرة البيضاء كما لو أنها بيض ما قبل التاريخ كما يقول فى مطلع “مئة عام من العزلة”. وخلال تلك الجولات فى الغابات كان الجد يتحدث لحفيده عن الحرب الأهلية وعن المدافع التى تجرها البغال وعن الجرحى الذين يحتضرون تحت الشمس الحارقة وعن رجال يعدمون رميا بالرصاص وظهورهم إلى أسوار المقابر وكان الجد يستمع بانتباه شديد إلى كل ما كان يقوله حفيده وكان يجيب على جميع الأسئلة التى كان يطرحها، حتى ولو كانت محرجة وبين وقت وآخر كان يفتح القاموس الكبير المغبّر ليبحث معه عن معانى الكلمات. وعندما يأتى السيرك إلى البلدة الصغيرة كان يأخذه ليتفرج على البوهيميين المتنقلين، وعلى البهلوانات. وفى أواخر المساءات كان يمسك بيده ويمضى به إلى مقهى “أنطونيو داسكونتيش” الذى سيصبح “بياترو كريسي” فى “مئة عام من العزلة” وهناك يلتقى بأصدقائه القدامى الذين قاتلوا معه فى الحروب الأهلية ومعهم يتذكر سنوات الرعب والموت والنضال من أجل ترسيخ الأفكار التحررية والليبرالية فى كولومبيا وكان الطفل غابرييل يجد متعة كبيرة فى الاستماع إلى حكايات الشيوخ عن الماضى البعيد، وعن السنوات العسيرة التى عاشوها فى الجبال والغابات وهم فى مواجهة يومية مع الموت.

أما الشخصية الثانية التى سيكون لها تأثير كبير على شخصية غابرييل غارسيا ماركيز فى سنوات طفولته فهى جدته “دونا ترانكيلينا” التى كان لها نفوذ كبير فى تسيير شؤون العائلة وهى تنتمى إلى منطقة “غواجيرا” التى يسكنها الهنود والسحّرة والمهربون و ليس فيها حدود بين الأموات والأحياء كما سيكتب غابرييل غارسيا ماركيز فى ما بعد. وكانت هذه الجدة القصيرة القامة، الزرقاء العينين والتى تتمتع بحيوية خارقة تحب أن تروى قصصا وحكايات عجيبة، محوّلة الواقع العادى إلى شيء غرائبى يفوق ما يمكن أن يتصوره الخيال. وعندما تقدم بها العمر أخذت تتحدث إلى الأموات، وهى هائمة فى البيت الكبير شبحا قاتما وحزينا وعندما يهبّ الليل الحارّ، المفعم بروائح الناردين والياسمين، كانت تسكن عن الحركة وتجلس على الكرسى لتواصل حديثها المهم مع الأموات خصوصا مع مارغريتا ماركيز التى كانت فائقة الجمال، والتى اختطفها الموت، وهى فى ريعان الشباب. وكان الطفل غابرييل يذهب إلى فراشه وبه شعور بأنه محاط بالأموات من كل جانب. وستظل مشاعر الرهبة والخوف تعذب روحه حتى بعد أن أصبح كاتبا عالميا ومتحدثا عن تأثيرات جدته، قال غابرييل غارسيا ماركيز: لقد قلت أكثر من مرة بأن طريقة جدتى فى رواية القصص والحكايات فتحت أمامى الطريق وغذتنى بأشياء مهمة استفدت منها كثيرا لما أصبحت كاتبا. فبالنسبة لها كانت الأساطير والخرافات ومعتقدات الناس الخفية عناصر أساسية فى حياتها اليومية. وعندما أفكر فيها الآن، أشعر أنها لم تخلق شيئا، ولم تكن تفعل غير التقاط أشياء من عالم السحر والمعتقدات والخرافات المنتشرة عند الناس فى أغلب بلدان أمريكا اللاتينية. مثلا، أنا أفكر فى أولئك الرجال الذين كانوا يتوصلون إلى استخراج الدود من أذن البقرة بتلاوة الصلوات. كل حياتنا فى أمريكا اللاتينية مليئة بأشياء كهذه. والشيء الذى سمح لى بكتابة “مئة عام فى العزلة” هو اكتشافى لهذا الواقع الذى هو واقعنا من دون تلك الحدود التى أراد ويريد العقلانيون والستالينيون “نسبة إلى ستالين” فرضها علينا .

وكان والد غابرييل غارسيا ماركيز ساعى برق، وقد اختار هذه المهنة بعد أن فشل فى دراسة الطب وفى البداية رفض العقيد نيكولا ماركيز تزويج ابنته الجميلة إلى هذا الموظف البسيط، غير أنه انصاع فى النهاية للأمر الواقع ويقول غابرييل غارسيا ماركيز بأن حبه المبكر للأدب قد يكون ناتجا عن الاقبال النهم على القراءة الذى تميّز به والده. فقد كان هذا الرجل الذى لم يكن يدخّن ولم يكن يشرب الكحول، يقرأ كل ما كان يقع بين يديه من كتب ومجلات وجرائد. وفى شبابه قرض الشعر وعزف على الكمنجة.

حياة البحر الكاريبي
إلى كل هذه التأثيرات التى فعلت بقوة فى تكون غابرييل غارسيا ماركيز كاتبا، تنضاف تأثيرات الحياة فى منطقة البحر الكاراييبى وهو يقول عن ذلك: أعتقد أن العالم الكاراييبى علمنى كيف ألقى نظرة أخرى على الواقع، وأن أتقبّل العناصر الخارقة والعجيبة كما لو أنها أشياء تنتمى إلى حياتنا اليومية إنه عالم خاص. وأول عمل أدبى سحرى هو بنظرى “يوميات” كريستوف كولومبس. إنه كاتب يتحدث عن نباتات أسطورية، وعن عوالم سحرية. نعم، إن تاريخ منطقة الكاراييبى مليء بالسحر الذى أتى به الزنوج الأفارقة وأيضا القراصنة السويديون والهولنديون والبريطانيون الذين كانوا قادرين على أن يبنوا أوبرا وأن يزينوا بالجواهر أسنان نسائهم. والتناقضات التى توجد فى المنطقة المذكورة لا توجد فى أى مكان آخر من العالم. وأنا أعرف كل الجزر، وأعرف الخلاسيين الذين لهم لون العسل، وعيون خضراء والذين يغطون رؤوسهم بأغطية مدورة وصينيين لهم جذور هندية يغسلون الملابس ويبيعون التعاويذ، وهندوسا خضرا يخرجون من محلاتهم المليئة بالعاج لكى يتبرزوا فى الشارع أمام الناس، وقرى مغبرة تخرقها الشمس وعندما تندلع العواصف تتطاير البيوت فتاتا فى السماء. وأخيرا أقول بأننى عندما أشرع فى الحديث عن العالم الكارييبي، فإنى أجد نفسى عاجزا عن التوقف. فقط أقول بأنه العالم الذى علمنى كيف أكتب، ثم إنه المنطقة الوحيدة فى العالم التى أشعر فيها بأننى لست غريبا .

قراءات الشباب
بعد أن توفى الجد، وهو فى الثامنة من عمره، شعر الطفل غابرييل غارسيا ماركيز بفراغ هائل وبدا له أنه لن يحدث شيء مهم بعد ذلك أبدا غير أن حياته سوف تشهد وهو على عتبات سن الشباب تغيرات وتحوّلات هائلة تقوده إلى الكتابة. ففى البداية كان يريد أن يدرس القانون ليصبح محاميا، غير أنه سرعان ما انقطع عن الدراسة ليعيش حياة الصعلكة والتبطل فى العاصمة بوغوتا وفى العديد من المدن الكولومبية الأخري. وخلال تلك السنوات الصعبة بدأ يقبل على القراءة إقبالا نهما وجنونيا، وبدأ يلتهم كل ما كان يقع بين يديه من روايات وأشعار وكتب فلسفية وتاريخية وغيرها وهكذا اكتشف شعراء وكتابا كبارا من أمثال الفرنسى فيكتور هوغو، والألمانى توماس مان، والاسبانى خوان رامون خيمينيث، والشيلى بابلو نيرودا. كما عشق أفكار مجموعة أدبية أسّسها كتاب وشعراء شبان، وأطلقوا عليها إسم “حجر وسماء” ومن خلالها راحوا يدعون إلى ضرورة بعث أدب جديد يقطع مع الماضي، ومع الأفكار الرجعية والمحافظة. وعن هؤلاء كتب غابرييل غارسيا ماركيز يقول: لقد كانوا ارهابيين تلك الفترة. من دونهم، ربما لم يكن باستطاعتى أن أصبح كاتبا وهو يضيف قائلا عن تلك الحقبة من حياته: لقد كانت فترة رائعة بالمعنى الحقيقى للكلمة. وكانت أيضا فترة ثرية بالاكتشافات. ليس فقط فى المجال الأدبى وإنما فى الحياة أيضا. كنا نمضى الليالى فى السهر حتى الصباح، ونحن نتحدث عن الأدب. وفى كل ليلة كنت أكتشف عنوانا أو عنوانين جديدين لم يسبق لى أن عرفتهما . وكان هناك إسبانى يدعى رامون فينيس له معرفة واسعة بأداب العالم. وهو الذى ساعد غابرييل غارسيا ماركيز على اكتشاف الأمريكى ويليام فوكنر، والايرلندى جويس، والبريطانية فيرجينا وولف، واليهودى التشيكى فرانز كافكا، وآخرين كثيرين مثل ارنست همنغواي، وغراهام غرين، وارتور رامبو، وبول فاليرى وكونراد.

رواية “مئة عام من العزلة
ولضمان قوته اليومي، شرع غابرييل غارسيا ماركيز يعمل فى الصحافة وفى أوقات الفراغ كان يكتب قصصا قصيرة وروايات لن تلبث أن أثارت انتباه أصدقائه غير أنه لم يتمكن من فرض وجوده ككاتب كبير إلا بعد سنوات من العذاب والجوع والتشرد خصوصا فى العاصمة الفرنسية باريس حيث سكن فى فندق **** كانت ترتاده بائعات الهوي. وكان عليه أن يرهن أحيانا مخطوطات القصص والروايات التى كان يكتبها، لكى يتمكن من الحصول على ما يسدّ الرمق. ولأن الحرب كانت تحرق الأخضر واليابس فى الجزائر آنذاك، فإن الشرطة كانت توقفه يوميا للشبه الكبير بينه وبين العمال الجزائريين. لكن ذات يوم وهو يقود سيارته فى المكسيك شعر أن فكرة الرواية التى شغلته على مدى خمسة عشر عاما، قد تشكلت تماما. وعندئذ انعزل عن الناس بهدف انهائها وعندما أكملها لم يكن يعرف أن تلك الرواية التى ستحمل عنوان “مئة عام من العزلة” ستضمن له شهرة عالمية واسعة، وستفتح له الطريق لجائزة نوبل للآداب التى حصل عليها عام 1982، ولكن ماذا أراد غابرييل غارسيا ماركيز أن يقول من خلال هذه الرواية الضخمة التى أحدثت ثورة فى عالم الكتابة الروائية ليس فى أمريكا اللاتينية وحدها، بل فى العالم بأسره وباتت مرجعا أساسيا لكل من يطرق باب هذا الفن، أى فن الرواية؟ هل أراد أن يروى تاريخ الإنسانية كما ظن البعض؟” أم هل أراد أن يروى بطريقته الموغلة فى العجائبية تاريخ أمريكا اللاتينية أو بالأحرى بلده كولومبيا كما حاول أن يثبت ذلك بعض النقاد؟ وجواب غابرييل غارسيا ماركيز على هذين السؤالين هو أنه لم يرد لا هذا ولا ذاك، وإنما كان هدفه الأساسى من خلال هذه الرواية الملحمية المليئة بالنكبات والفواجع والحروب المدمّرة أن يقدم مخرجا أدبيّا تماما وكاملا لجميع التجارب التى أثرت فى طفولته بطريقة أو بأخرى . ويضيف قائلا: لقد أردت بكل بساطة أن أترك شهادة شعرية عن عالم طفولتى التى أمضيتها فى بيت كبير حزين، مع أخت كانت تأكل التراب وجدة كانت تتنبأ بالغيب وتقرأ المستقبل، وأقارب كانوا يحملون نفس الإسم تقريبا مثل أفراد عائلة بويندا، وأبدا لم يكونوا يقيمون حدودا بين السعادة والجنون .

أما عن سبب اختياره لـ”العزلة” فى عنوان الرواية المذكورة فيقول غابرييل غارسيا ماركيز: بالنسبة لي، عائلة بويندا التى تحرك الأحداث الأساسية فى الرواية من البداية إلى النهاية لا تعرف معنى الحب. وفى الكتاب أذكر أن آخر ابن لهذه العائلة الذى يدعى أورليانو، كان له ذيل خنزير، وهو الابن الوحيد الذى ولد نتيجة قصة حب حقيقية. لهذا أقدر أن أقول إن العزلة هى السمة الأساسية فى حياة عائلة بويندا والعزلة هى كما نحن نعلم عكس التضامن .

مفهوم “الواقعية السحرية
وقد اعتبر النقاد أن “مئة عام من العزلة” هى الرواية التى أعطت مفهوما واضحا لما أصبحوا يسمّونه بـ”الواقعية السحرية”. والحقيقة أن هذا الأمر ليس صحيحا تماما. فآداب الشعوب القديمة والحديثة على حدّ السواء، تزخر بأعمال أدبية شعرية كانت أم روائية تذهب بعيدا فى الخيال وفى الغرائبية. يكفى أن نذكر “الأوديسة” و”الالياذة” لهوميروس فى أدب اليونان و”ألف ليلة وليلة” فى أدب العرب و”الشهنامة” فى أدب الفرس، والأساطير والخرافات فى ثقافة شعوب القارة الافريقية السوداء.. وفى أمريكا اللاتينية، هناك أدباء سبقوا غابرييل غارسيا ماركيز فى ابتكار “الواقعية السحرية”. ففى رواية “بادرو باراما” مثلا للمكسيكى خوان رولفو ينطلق الفتى فى رحلة عجيبة فى منطقة تحرقها الشمس طول الوقت بحثا عن والده محاورا الأموات والأحياء على حدّ السواء. وفى رواية “السيد الرئيس” يغوص بنا الكاتب الغواتيمالى ميغال انجال استورياس فى واقع بلاده التى تعيش الاستبداد والظلم، محطما الحواجز القائمة بين الواقع والخيال، غير أن ميزة غابرييل غارسيا ماركيز هى أنه جعل ممّا أصبح النقاد يسمونه انطلاقا من السبعينات من القرن الماضى بـ”الواقعية السحرية” فنّا قائما بذاته. وكما ذكرت سلفا هو يقول إنه لم يبتكر شيئا ذلك أن الواقع اليومى فى بلاده كولومبيا، وفى أمريكا اللاتينية عموما يزخر بأشياء خارقة. وهذا ما نتبيّنه بحسب رأيه من خلال المستكشف الأمريكى F.w.UP de Graff التى قام برحلة عجيبة فى نهايات القرن التاسع عشر إلى الأمازونيا فى البرازيل حيث شاهد ينابيع مياه حامية يتصاعد منها البخار، ومكانا يسبّب فيه الصوت البشرى تهاطل أمطار غزيرة. وفى “كومودورو ريفادافيا” بأقصى جنوب الأرجنتين هناك رياح قطبيّة حملت سيركا بكامله. وفى اليوم التالى عاد صيادو الأسماك ومعهم جثث أسود ونمور وزرافات. لذلك سمح غابرييل غارسيا ماركيز لنفسه بأن يروى لنا فى “مئة عام من العزلة” أحداثا غريبة، ويقدم لنا شخصيات لها ذيل خنزير، وأخرى تطير إلى السماء بشراشف بيضاء وتمشى وحولها فراشات بمختلف الألوان وتستعيد شبابها بعد أن تتجاوز سن السبعين أو الثمانين وتعود من العالم الآخر لتروى حكايات عن الأموات وعن عتمة العالم السفلى وبالنسبة للبطل الرئيسى فى “مئة عام من العزلة” أعنى بذلك جوزيه أركاديو يمكن أن نقول إنه شبيه بآدم. فهو يعطى أوامر فى بداية مواسم البذرة ونصائح لتربية الأطفال والحيوانات ويساهم مع الجميع فى الأعمال اليومية اليدوية لكن ذات يوم هو ينفصل عن شخصية الانسان البدائى الأول الذى هو آدم ليصبح كائنا مجنونا، مقيد اليدين والرجلين تحت الشمس، مطلقا أصواتا غريبة شبيهة بأصوات الحيوانات المعذبة.

وفى البداية تكون “ماكاندو” مقطوعة عن العالم، ولا مقبرة فيها لأنها لم تكن تعرف الموت حتى ذلك الحين. وكان سكانها قليلين ولا مفاجآت فيها إلا عندما يأتى الغجر ومعهم حيواناتهم وتعاويذهم وحكاياتهم الغريبة. ثم تتتابع الحروب والفواجع ويتقاتل الاخوة الأعداء حتى الموت. وفى النهاية تستحيل “ماكاندو” إلى زوبعة رهيبة كالاعصار من الغبار والدمار، يذورها غضب توراتى عاصف . فمدينة العرايا أوالسراب التى كانت فى البداية تجتثها الريح العاتية من الأرض ومحوا آثارها حتى تنفيها من ذاكر الانسان.. وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” محقة عندما علقت على رواية “مئة عام من العزلة” قائلة: تصحو بعد قراءة هذه الرواية الرائعة كمن يصحو من حلم: عقلك وخيالك جامحان بل ملتهبان وأمامك غابرييل غارسيا ماركيز العملاق كخياله وعظمته فهو والرواية مدهشان .

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقات

  1. Enjoyed every bit of your article. Fantastic.

  2. What a lovely story! The tale in this YouTube video that is posted at this place is actually a good one with having good picture feature.

أضف تعليقاً