الرئيسية / العدد الواحد والعشرون / بحث عن الدفء بين صفحات رواية غوركي “الأم”

بحث عن الدفء بين صفحات رواية غوركي “الأم”

mother

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

حين الإفلاس يعود التاجر ليبحث عن دفاتره القديمة، وحين إشتد البرد عدت لأبحث داخل مكتبتي وبين أسطر الكتب لطالما آمنت أن في القراءة حلول المستعصي من مشكلات الكون، عدت لأبحث عن الدفء بين أسطر الروايات القديمة وشخوصها، دفء لم توفره غرفتي الطينية المغلقة جيداً ولا كل الأغطية التي تلتف حول جسدي الهزيل، فدفء الأغطية لا يتجاوز حد سطح الجسد بينما ينبعث إحساسنا بالبرد من مكان ما بداخلنا والدفء إن لم ينبعث من مكان بالداخل فهو ليس دفئاً.

للصدفة الجميلة تتعثر أصابعي المتصلبة بفعل البرد بإحدى أشهر روايات الأدب الروسي ، “الأم” ، روية شهيرة باشتهار كاتبها أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف المعروف بمكسيم غوركي، أقول وأنا أتأمل غلافها،”ربما ضلت أصابعي طريق البحث”

فالروايات الروسية تضج صفحاتها كما مناخات روسيا بجليد وصقيع وأجواء باردة، برودة ربما لا توفرها أقل الثلاجات حرارةً عندنا، وكما توقعت فإن الرواية لا تكذب توقعاتي، حيث تستهل صفحاتها وسط أجواء باردة، حين تدخل الفتاة القروية ناتاشا بيت “الأم” بطلة الرواية من أجل حضور أول إجتماع من تلك الإجتماعات السرية التي كانت تعقد بمنزلها تحت إشراف إبنها”بول”، يسالها البيروسي وهو أحد أعضاء المجموعة الثورية السرية فيما يساعد على خلع معطفها :

هل الجو بارد في الخارج ؟

تجيب،”أجل إنه بارد لاسيما في الحقول والريح تعصف” .

كان للفتاة صوت ناعم وصاف وفم صغير ولون جسم جميل، خلعت معطفها ومضت تفرك وجنتيها الباردتين وهتفت فيما كانت ترتعش – كما أفعل أنا تحت أغطيتي – لتقول :

“إني مثلجة رباه”

وتتجه الأم ناحية المطبخ قائلة:

“ستشعرين بالدفء عندما أتي إليك بالشاي”.

أميل أنا بنظرات خائبة ناحية وعاء الشاي الذي أعدته أمي الذي يتوضع على الطاولة خالياً بعد أن أفرغت أربعة أكواب منه في بطني بحثاً عن دفء لم يأت.

ولكن في ثنايا رواية “الأم” الباردة ثورية تكفي لإثارة الدواخل حد زيادة جريان دم الأوردة، حد زيادة ضربات القلب، حد التدفئة، بكل بساطة فإن الرواية تقدم دفئاً مغلقاً ببرودة وثلوج روسيا، والدفء لا يحلو إلا عند إشتداد البرد ..

الرواية ببساطة تحكي عن الأم “بيلاجي” التي يتوفى زوجها ويترك لها إبناً واحداً هو “بول” الذي راح يبتعد شيئاً فشيئاً عن الحياة التي يحياها الفتيان في مثل عمره، حيث السكر والسهر حتى منتصف الليالي، ف”بول” يغلق على نفسه مكتبته منكباً على الكتب، إلا أن قلب الأم الحنون يتوجس من هذا التغيير في سلوك الابن، و ينتابها بعد حين والآخر شعور بعدم الرضاء عن تصرفاته فتتساءل :

“الآخرون يحييون كالرجال ولكن إبنها يعيش كالراهب وثمة غلو في الإتزان مما لا يتلاءم وعمره ترى هل هو عاشق؟

لكنه كان يعطيها كل ما يتقاضاه ، والحب يستلزم نقوداً فمن أين له بها؟ “

وتحت إلحاحها يضطر أن يخبرها بحقيقة ما يفعل،”هذه الكتب التي أقرؤها محرمة لأنها تكشف عن حقيقة واقعنا كعمال وإذا ما وجدت معي فإنهم سيمضون بي إلى السجن”.

تبدو الأم في البداية خائفة وخاصة حين يخبرها “بول” بأن هناك زواراً من المدينة سيحلون عليهم مما يعني إن بيتها سيصبح مقراً للإجتماعات السرية لمجموعة معادية للسلطات، يسألها :

هل أنتِ خائفة ؟ تجيب: نعم أنا خائفة،

ليقول لها وبصوت غاضب :”إنه الخوف ذاته الذي يبقينا كذلك، وأولئك الذين يتسلمون زمام الحكم يستغلون خوفنا”.

ثم يطلب منها أن تغفر له فهو ليس في وسعه أن يقدم على غير ما يقوم به.

ويظل الإضطراب مخيماً عليها خلال أيام من إخبار إبنها لها بان بيتها سيصبح وكراً لاجتماعات سرية ،كانت تفكر: “كيف سيأتي هؤلاء إلى المنزل؟ لا بد أن يكونوا مرعبين و أنهم هم الذين علموا إبنها هذه الأمور”.

إلى أن جاء يوم وتوافد الزوار..

“البيروسي” الفتاة ذات الوجه القروي والضفائر الكثيفة “ناتاشا”، “نقولا” إبن اللص “دانيلو”، “تيو” واحد آخر بالإضافة ل “بول” إبنها ورفيقان من العمل معه.

تجلب الأم إبريق الشاي ويلتف الحضور حول المائدة ويبدأ النقاش الذي يشكل نقطة إنطلاقة ثورتهم.

تتوالى الإجتماعات في منزلها مع إنضمام رفاق جدد لكل إجتماع ، ورويداً تبدأ الأم في التعاطف مع قضايا أصدقاء إبنها، تعجبها القروية ناتاشا لتصنع لها جورباً يقيها شر برد الطقس وتدخله بنفسها في قدميها الصغيرتين، تضحك ناتاشا إعجاباص بكرم الأم الفقيرة لتستذكر:

“مربيتي كانت طيبة ايضاً”

وتضيف بحزن ” كم هو مستهجن أن تحيا فئة ما من الشعب حياة قاسية، ملؤها الإهانة والشقاء، في حين تكون أكثر طيبة وأرق قلباُ من الفئات الأخرى”

ثم تفيض الأم بما تبقى من حب قلبها الكبير على “البيروسي اندريا “كأنه إبنها تماماً،”أنا احبك يا اندريا يا إبني حباُ كبيراً”

يجيب البيروسي:”إن حبك لو كان صغيراً فهو يكفيني ولكن بوسعك أن تحبي العالم بأكمله لأن قلبك كبير”

إلا أنها تصر:”أنا أحبك أنت حباً كبيراً، ولو كانت لك أم لحسدها الناس عليك”.

ثم تستمر الإجتماعات ويظهر الإيمان أكثر فأكثر في نفسية تلك الزمرة من الرفاق وتحس الأم إلى جانب إيمانهم هذا بأن ثمة قوة مشعة لا تقهر ولدت في العالم”

وتثير التحركات المريبة في بيت الأم إنتباه الناس في تلك الضاحية  فيبدأ نسج الأقاويل حول البيت وتنقل لها جاراتها ما يقال وتنقل هي بعض من الأقاويل لإبنها “بول”،”يقولون أيضا أن الفتيات ناقمات عليكم، فأنتم من خير الشباب ولا تأبهون لهن، ويشاع أن فتيات منحطات يأتين إليكم من المدينة”

راحت الأحاديث تتكاثر عن الإشتراكيين ومنشوراتهم التي تدعو العمال إلى الاتحاد والكفاح من أجل مصالحهم، لتبدأ حملات التفتيش والإعتقالات التي تزيد شعبيتهم بين الشباب بل حتى الكبار مثل جارهم الأربعيني “ريبين “الذي يعلن إنضمامه إليهم ومن ثم إستعداده للعمل وسط القرويين.

تقوم الأم بإيصال قصاصة تحوي قضية عمال المعمل الرئيسي في منطقتهم إلى المدينة حيث تطبع مجلتهم “كاول” مهمة تقوم بها والتي تؤديها بفرح، ثم تتوالى مهماتها حيث تقوم بإدخال المنشورات إلى المعمل الرئيسي بعد سجن إبنها “بول” نتيجة قيادته إضراب للعمال وإلقاءه خطبة قوية أمام العمال، “نحن الذين نبني الكنائس والمصانع ونصنع السلاسل ونصهر النقود، إننا القوة المطلقة التي تصنع للناس الخبز وتهب لهم الملذات، دائما نحن أول من يعمل وآخر من يعيش في كل مكان، من من الناس يهتم بنا؟ أو يعاملنا كبشر مثلهم؟ لا أحد .

ورغم أن العمال تفرقوا عنه بعد ذلك ولم يستجيبوا لدعوة الإضراب إلا أنه كان يعلم أن طريق الثورة غير مفروش بالورود ولا بد من التضحية فيه وأن العمال سيفهمون يوماً وسيقفون معه آو كما قال له العجوز “ريبين”: “إن كلامك صحيح، الحذاء لطيف ولكنه ضيق على أقدامهم” .

يخرج “بول”من السجن وتتوالى إجتماعاتهم وتتزايد أعدادهم وينضم إليهم بعض شباب من قرى بعيدة مثل المتحمس “ايفيم” الذي جاء إليهم يبحث عن كتب يروي بها عطش معرفة الحق، يحدق “ايفيم” في إحدى الكتب متسائلا :ماذا يعني هذا العنوان : علم طبقات الأرض؟

وحين يمضي “بول”في الشرح له يعيد “ايفيم” الكتاب إلى الرف ليقول: “ليست لنا به حاجة، الفلاح لا يهمه كيف وجدت الأرض ولا من أين أتت”

يصمت برهة ثم ينظر إلى ” بول” ليستطرد: إن ما يهم الفلاح عندنا هو أن يعرف كيف توزعت الأرض وكيف إنتزعها الكبار من تحت أقدامه، ولا يهمه كذلك إن كانت هذه الأرض تدور أم لا، لكن المهم أن تعطيه ما يأكل، ما يزرع ليطعم البشر.

“ايفيم” الذي مل العمل كأجير في أرض يمتلكها تدفعه ثوريته للإنضمام للجيش رغم تحذير والده

“لا تمض إنهم يرسلون الجنود لمحاربة الشعب”

فلقد كان يملك تبريرا مقنعاً: ” لكني سأذهب لأن الجيش منذ حركة “ستيبان رازين “و”بوغاتشيف” يحارب الشعب وقد آن الأوان لان يوضع حد لهذا”

ثوري لدرجة أنه يتطوع لقيادة ثورة من داخل الجيش، مهمة تبدو صعبة جداً، صعوبة تجعل أمر مواصلة القراءة من غير الحاجة لغطاء هو أمر غاية في السهولة.

تستمر الرواية بإيقاع متزن وأسلوب بسيط من أول صفحة لها إلى آخرها، لا تنفك المشاهد تبتعد عن الأم بطلة الرواية كثيراً، تكثر مهمات الأم التي تؤديها بجدارة وإيمان عميق بالثورة، ويتناثر الثوريون الشبان بين المدن يوزعون المناشير غير آبهين بتهديد السلطات، ويقرر” بول” ورفاقه قيادة تظاهرة مستغلين خروج الجماهير إلى الشوارع في عيد أول أبريل رافعين راية حزبهم الإشتراكي مما يعرضه للإعتقال مرة أخرى وحينها كانت الأم قد وصلت درجة من الإيمان بحتمية التضحية في الثورة تستند في ذلك على كلمات قالها ابنها: “إعلموا أنه لو لم يكن ثمة جماعة ضحت وماتت من أجل المسيح لما كان علم به أحد حتى اليوم”.

مضت الأم تواصل نضالها، تزور إبنها الذي يرفض الهروب من السجن ثم تعود لتواصل عملها الثوري السري منتظرة محاكمة إبنها التي تطول.

أعيش فصول المحاكمة التي تأتي في مؤخرة الرواية وكأني في مكان ما داخل تلك القاعة المحاطة بالثلوج، ولكن كلمات “بول” أمام هيئة المحكمة تكفي لإذابة ثلوج كل الطواغيت العالم من على أجساد الفقراء المستعبدون،

يشرح: “نحن نعتبر أن كل مجتمع يرى أن الإنسان هو أداة لإثرائه لا يكون مجتمعاً إنسانياً “

ثم يعرف عن مجموعته:

“نحن معشر العمال الذين يمكنهم بجهدهم أن يصنعوا المعجزات، نحن الذين حرموا من حق النضال من أجل تحصيل كرامتهم كبشر ليحيوا مثل الآخرين، نود الآن أن نحصل على حرية تمكننا مع الزمن من الظفر بالسلطة كاملة، وأهدافنا وشعاراتنا لهي جد بسيطة، لتسقط الملكية الخاصة، لتكن مرافق الإنتاج ملكاً للشعب، وليكن العمل إلزامياً للجميع، وبعد ذلك ستكتشفون أننا لسنا عصاةً  ومتمردين”

ثم يضيف:

“إن الملكية أيها السادة تحتاج جهداً كبيراً لتحمي ذاتها وما أنتم في الواقع أيها السادة سوى عبيد أكثر منا، إذ عقولكم هي المستعبدة أما نحن فلسنا مستعبدين إلا بأجسادنا ، أنتم لا يمكنكم أن تتحرروا من التقاليد والأهداف التي تقضي عليكم معنوياً أما نحن فلا شيء يمنعنا من أن نكون أحرارا، وسمومكم هذه ليست بشيء أمام ما تقدمونه لنا من قوة وبأس باضطهادكم لنا، إذ إن وجداننا يزداد مناعة ً ومعنوياتنا تكبر وتتصلب”

يستمر “بول” في خطبتة الحماسية غير آبه بمقاطعات القاضي العجوز رئيس المحكمة إلى أن يكملها ويجلس دون أن يلقي نظرة على القضاة ولكن الأم تظل مركزة بصرها عليه وهي وجلة، ثم ينظر هو حوله إلى المقعد حيث تجلس أمه ويهز لها برأسه كأنه يسألها: أينال هذا إعجابك ؟

أجيب أنا:  نعم ، ألم اقل بأني جالس في مكان ما بالقاعة المحاطة بالثلوج..!!

تنتهي المحاكمة بنفي “بول “ورفاقه إلى سيبيريا بقرار كان معد مسبقاً دون الحوجة لتلك المحاكمة الصورية، وتمضي القصة بنفس الإيقاع إلى النهاية التي تحس بأنها مبتورة آو مفتوحة على إحتمالات أكبر تفتح مجالاً أوسع أمام خيال القارئ، فالمجموعة تقرر نسخ خطبة “بول ” أمام المحكمة وإعادة توزيعها، وتتكفل الأم بتوصيل حقيبة المنشورات التي تحوي خطاب إبنها إلى المدينة دون خوف فهي لم تعد تملك ما تخاف عليه، تستقل القطار والذي قبل أن يتحرك يصطدم بها مخبر يبدو أنه كان يراقبها ثم يتهمها بأنها سارقة وهي لا تجد مفراً من نفي التهمة إلا بإخراج رزمة من المناشير لتريها للناس حولها،”أنا لست لصة، لقد صدر قرار أمس بنفي المساجين السياسيين وهذا خطاب بهذا الشأن احمله لأوزعه على الناس ليعرفوا الحقيقة ويدركوا المظالم التي ترتكب”، تستغل الأم الموقف لتلقي خطبة  قوية وسط الجمهور لتظهر أخيراً متبنية لقضية إبنها بعد أن كانت خائفة في البداية ومتعاطفة رويداً معه، وتصبح كغيرها من الرفاق المناضلين من أجل القضية: “العمل المضني هذا لا يحمل إليكم سوى المرض والجوع والفقر، كل شيء هو ضدنا، والجميع يستغلوننا، وفيما نحن نغرق بالوحول حتى آذاننا، نرى الآخرين يعيشون حياة ترف وفجور، ويحيون في تخمة مستمرة، ويبقوننا نحن في قبضة الرعب والخوف لأننا جهلة لا نعرف شيئاً، إن حياتنا هي ليل حالك مستمر”

لتدوي بعض الأصوات،”إنه الواقع يا للحقيقة”.

حين تكمل قراءة الرواية فإنه ينتابك إحساس بأنك لابد من أن تكون ثورياً، أن تثور على الواقع على الظلم وعلى كل ما يكبل حريتك، أن تثور حتى ولو على البرد، هذا ما أحسسته وأنا أصل النقطة الأخيرة فيها ، ولكني أتردد في تبني فكرة كوني ثوري كلما أتذكر مقولة أطلقها” نيقولا” احد أبطال الرواية في متنها: “إن الحياة العائلية، في عرفي تخفف من فعالية وايجابية الرجل الثوري فتكتنفه حياة العمل والكد من أجل إطعام أولاده وزوجته، ولذلك أقترح أن يبقى الرجل الثوري أعزباً حتى يستطيع أن يظل في الطليعة، يكافح من أجل الحياة الجديدة”.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً