حب في المقبرة

10425168_381468112033910_7946575615563502687_n

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إلتفت إليه .. ملصقةً عيني في الثقب الصغير على الفاصل الصخري بين قبرينا كان يدخن عوداً ما .. و رائحة الموت الكريهة تعب في المكان ، تنحنحت قليلاً ليعرف أني مستيقظة ، ثم سألته بصوت جاف :كم التاريخ اليوم ؟

أجابني بعد برهة : قبل الموت أم بعد الموت ؟

فأضفت بضيق واضح : من يهتم لبعد الموت أيها الأحمق !

بالتأكيد أسأل عن التاريخ بتوقيت الحياة ، هل تظن أن القمر مكتمل اليوم ؟

جاءني صوته من بعيد كأنه من عمق متاهة في قلب كهف : بم تفكرين ؟

إبتسمت بفرح ، و أنا أمسد بيدي تعرجات الكفن كي يبدو أكثر إستواءاً ..

ما رأيك أن نقوم بجولة صغيرة ؟

هكذا أجبته ، ثم عم صمت طويل .. قبل أن أقول : إشتقت لغرفتي ، و لدفتر قصاصاتي .. دعنا نذهب و نتسكع في الشوارع قليلاً ، اليوم القمر مكتمل ، إنه يومنا ..

على أية حال لن يرانا أحد .. و يمكننا حمل بعض العظام و الحجارة الصغيرة ، نخيف بها كلاب الطرقات إن حاولت أن تزعجنا بنباحها .

ها .. ما رأيك ؟؟

تنهد تنهيدة مصحوبة بقليل من الضجر .. ثم راح يقول : قالت أمك يوماً أنك لن تعقلي حتى تشيخي ، أود أن أعثر عليها فأخبرها بأنه حتى الموت لم يشفيك من جنونك !

أووففف ، هذا دأبك دائماً..تحب أن تنزع عني فرحة المغامرة ، سأذهب وحدي..

 أزلت بعض الحجارة التي تسد علي طريقي .. و خرجت ، كان الطقس شديد البرودة ، و ثمة رطوبة عالية بالجو ، نفضت الغبار عن شعري ، و لففت كفني على جسدي جيداً و أخذت أعدو بين الشواهد و صوته يتبعني من بعيد .. توقفي يا خرقاء .. توووقفي ! سأذهب معك ..

توقفت للحظة و أدرت وجهي له ، كان يبدو لي متعباُ بعض الشيء فتقدمت نحوه ، و سألته بصوت خفيض قلق :هل يؤلمك الموت ؟

فأجابني بلا ، إنما تؤلمني الحياة، ستذهبين لغرفتك و دفترك .. لكن ليس لي مكان لأذهب إليه !

كان يبدو عليه الأسى .. فأمسكت بيده و قلت له :لا بأس ستذهب معي ، و أضفت بمرح :

كنت أحتفظ بعلبة كاكاو في خزانة ثيابي أسفل ملابسي ، أخبؤها من إخوتي ..لو أنها ﻻتزال حيث هي سأدعوك لكوب شوكولا دافئة ، و رجاءاً لا تقل لي بأنك لا تحبها ؟؟

إبتسم و إزداد تشبثه بيدي و قال لي : إذن فلنمض .

كانت الطرقات قد تغيرت كثيراً ، قامت الكثير من المباني .. و الطرقات التي لا أعرفها و عيني لا تقرأ بوضوح اللافتات فغشاوة الموت تضعف بصري ، لكني كنت أتبع حدسي و رائحة أمي ..

كان منزلنا على حاله ، لم يتغير كثيراً، غير أنهم طلوا جدرانه باللون الأبيض الذي طالما كنت أرجوهم أن يطلوا به المنزل ، و كانت أمي تقول بأنه لا يحتمل و سيتسخ سريعاً !

كما أن هناك سيارة جديدة يبدو أن أخي إشتراها مؤخراً، و شجرتي التي زرعتها منذ سنوات كبرت كثيراً و أينعت .. شعرت بفرح غامر،و أخذت أقفز و أقول له ، ها قد وصلنا .. أﻻ يبدو هذا رائعاً !!!

كان يرقبني بإبتسامة هادئة ، و على عينيه تلك النظرة التي تعني :لا فائدة .. لن يجدي شيء معك فأنت لا تتغيرين .

حاولت فتح الباب لكنه مؤصد بقوة ، قال لي :دعي سخافتك هذه و استخدمي طاقتك الداخلية ، لست بحاجة إلى فتح الباب للموت بعض الفوائد كما تعلمين ! ..

قال هذا و هو يعبر من الحائط ضاحكاً  و أنا أصرخ : إنتظرني ، فأنا حديثة عهد بالموت و لا أجيد استخدام هذه الحيلة !!

أخرج رأسه من الحائط و قال لي : إشحذي طاقتك جميعها لتلجي من الجدار .. الأمور تسير كما تريدين ، إن كنت تودين الدخول فستدخلين ، الأمر بهذه البساطة صدقيني .

كدت لا أصدق و أنا أعبر من الجدار ، كأنه بوابة سحرية ..بذات الطريقة نفذت لغرفة أمي ، كانت توليني ظهرها و تغط في سبات عميق ، تأملت وجهها و إبتسمت له قائلة : تبدو بصحة جيدة أليس كذلك ؟

هذه العجوز ماهرة في أن تبقى جميلة للأبد ، ثم قبلتها في جبينها و إبتعدت لبرهة ..

تحركت قليلاً و غيرت من وضعية نومها كأنها تحلم ، فقلت له دعنا نمضي لا أود إزعاجها .. إقترب مني و مسح على خدي ثم وضع أصبعه في فمه قال لي إنها دموع حقيقية و مالحة ، هل تبكين ؟

أنت مقرف ، كيف تلعق دموعي ! هكذا قلت و إبتعدت منه و أخذت أعدو صوب غرفتي ..

كانت مرتبة على غير حالها في حياتي ، قلت بأن أمي مسكينة إني أتعبها و أكلفها كثيراً حتى في موتي ..فتحت خزانتي .. كانت كما تركتها ..حشرت يدي بين الثياب أستكشف ما إذا كانت علبة الكاكاو بمكانها أم أن أحداً سرقها ؟

لم أتفاجأ حين وجدتها .. من بأي حال سيسرق مدخرات أخته الميتة ؟؟ راجعت تاريخ الصلاحية في قعر العلبة ، كانت منتهية منذ عامين ماضيين  قلت له : يمكنك الجلوس على مكتبتي حالما أعد لنا كوبي شوكولا ..و لكن حذار من أن تعبث بدفاتري و حاجياتي الخاصة !

قال لي حسن .. لن أفعل ..

غادرت و أنا لست واثقة تماماً بوعده ، لكن ليس ثمة ما أخشاه ، أعددت إبريق الحليب الساخن و بحثت عن السكر فأضفت ملعقتين في كل كوب، و الكثير من الكاكاو الفاسد و كنت أضحك إذ أن أقصى ما يمكنه أن يصنع بنا هو أن يقتلنا، و الموتى لا يموتون ..

في تلك الأثناء ..أحسست بوقع أقدام يقترب مني ، كانت أختي الصغرى ..حملت الكوب خاصتي ، و نظرت إليه فوجدت به السكر و الكاكاو ..وضعته و حملت كوب آخر و سكبت عليه القليل من الماء .. شربتها دفعه واحدة ثم همت بالخروج، لكنها توقفت عند الباب قليلاً و نظرت إلي في عيني مباشرة ، كأنها تراني فركت عينيها و ذهبت .. حملت أكواب الشوكولا و تبعتها .. كانت قد عادت لفراشها و تغطت جيداً و أغلقت عينيها لتنام من جديد ..

عدت لغرفتي ..كان ممسكاً بإحدى مجلات الموضة حيث كنت مولعة بها ..ناولته كوبه ، فقال لي ممازحاً: أﻻ توجد أكفان على الموضة ؟

قلت له : سيبدو شكلك مريعاً لو انك في كفن كاروهات مثلاً و ضحكنا معاً .. قرأت له العديد من قصصي ، كان ينصت بإهتمام و علق لي بأني مهووسة بالموت منذ الحياة

قلت له هو الشيء الأجدر بالاكتشاف ، و الأكثر إثارة لنكتب عنه، و مع ذلك ، لا يمكنني اﻵن أن أكتب عن مغامرتنا هذه، هز كتفيه تأييداً و استغرابا ..

ثم وضع الكوب الفارغ على سطح مكتبتي .. و شكرني قائلاً : هذا أسوا كوب شوكولا أشربه على الإطلاق في حياتي و مماتي ، حملت الأكواب لأغسلها و أنا أقول : أعرف هذا

كان الفجر يوشك على الطلوع .. و كان علينا أن نسرع في العودة كنا نركض في الطرقات الخالية و الكلاب تركض خلفنا ، و من فرط إسراعنا و عجلتنا .. دخل كل منا في قبر اﻵخر

إكتشفت ذلك عندما كنت أحدق في صورتي المنقوشة على جدار قبره، و سألني .. مذ متى و أنت ترعين هذه الزهرة في قبرك ؟

أجبت مذ بدأت أنت برسمي على قبرك !

قال لي أنت أجمل الموتى .. ربما لو دخلنا الجنة سوياً أطلبك للزواج ..

صمت كثيراً و على وجهي ابتسامة ..

قال قاطعاً الصمت : السكوت علامة الرضا ..

قلت له :رائحة قبرك سيئة .. و لكني أملك من الوقت ما يكفي لأفكر في الأمر .

و أكملنا موتنا بسلام ..

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً