حلمان ورؤية

593546554

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

سماء و جبل

الطريق الممتدة نحو المدينة المجاورة يرتفع عليها من بعيد جبلٌ إكتسى زرقة السماء، هم جيرانٌ أبديون فلا غرابة أن يتّخذ هو لونها و أن تتّخذ هي شموخه، و قسوته أحياناً، الطريق تبدو بلا نهاية و كلما اقتربت من الجبل تبدّد لونه الأزرق الباهت ليتبين لونُه الأصلي، الصخري، و لتبدو السماء التي فوقه مختلفة عن التي رأيتها من قبل، نفس الأماكن لكن بملامح جديدة، موحشةً أكثر و متنافرة بقوة.

تجمع السماء كل غيومها كالقبضة فوق الجبل، و تهوي عليه بكل ما تملكه من مطرٍ و ثلج، لكنه يبقى شامخاً كالمنتصر يمزق السُحب برأسه المدببِ كمنقار عُقابٍ يفتك بالغيوم المتلبدة، المتبددة، من حوله. الجو بارد، لكنه لا يرتجف مثلي، صامد رغم كل شيء.. بعد يوم تمددت حول الجبل أكوام من الثلج و كأنها سِلهامٌ أبيض يزيده وقاراً و قوة. إنتصر الجبل، و رضخت السماء لإرادته القوية، فسمحت له بأن يلمس سمائها الزرقاء الصافية التي كانت تحتجب وراء ستائر من السحب الداكنة. في طريق العودة همست لي أحد العجائز أن الجبل انتصر اليوم لكن السماء ستنتصر غداً و ما بعد ذلك من الأيام..

 تصحر مدني

بينما أنا على حافة الجُرف الصخري, كنت أنظر نحو المدينة المستلقية على السهل الواسع بين الجبال, كنت أتساءل, كيف ينظُر لنا الجبل المُتعالي في السماء؟

هل يشعر بمَكانته العالية؟ هل يحتقرنا؟ أم هل يَحتضن المدينة و سُكانها بذراعي السهْل المُمتدّتين من جانبيه؟

المدينة تبدو من بعيد كغابة إسمنتية, تمتد امتداداً سرطانياً على السهْل و تزحف على الهِضاب بجرأة غير مسبوقة, و أتساءل, هل نحن رِداء الجبل الجديد, أم ربما مُجرد فِطْر تُظلِّلُه قمة جبلية

  على السطح

على سطح أحد البيوت، كانت الفتيات الثلاث ينشرن ملاءات السرير البيضاء،  كان الجو الربيعي يملئ الدنيا بدفءٍ يبعث في الأبدان و البنيان روح الحركة، بعد تمديد الملاءات البيضاء على حبال النشر، داعبتها رياحٌ خفيفة لتنفض عنها بضع قطراتٍ من الماء لترتمي على أثواب الشابات، كان ملمس الملاءات أفضل و هي مبتلة و خصوص حينما تلتصق بأطرفهن، فتوقد بدواخل النفس رغبات البقاء البدائية و في الأجواء ترنّم موسيقى الحياة التي تنمو في كل مكان حولهن، بدأت الوسطى تتمايل بين الأغطية بدلال ثم ما لبثت إلى أن تحولت الحركات إلى رقصاتٍ تنفض عن الجسد برد الشتاء، و تعلن للكون رغبتهن بالحياة. تحت سماء زرقاء صافية لم يكدرها غيم  أو رباب، تراقصت الفتيات على نغم غير مسموع، هن النغم و اللحن، تمتد الأيادي في المدى و تتأرجح تحت شعاع الشمس الدافئ و على أطراف أصابعهن كانت تلتف أجسادهن برشاقةٍ و تتماوج الأثواب و الأغطية معهن بتناغم، حتى غمزت واحدة منهن للأخرى فتوارت بين الملاءات بينما استمرت الفتاتين في التمايل و الرقص بينها و التي تراقص الرياح بدورها.

على السطح المجاور كان أحد المراهقين يتلصص على فرحة الحياة التي ملأت سطح الجيران، يراقب كل هزةٍ و إنحناءة و لم يخرجه من عالم الحواري غير ضربة موجعة بحجر فتحت جبهته لدماء كثيرة ، كانت الأخت الصغرى لهن المتوارية بين الأغطية تقذف المتلصص بحجرات مدببة لا تخطئ هدفها، كالعادة.

هرع الصبي لأمه بينما أكملت الفتيات رقصهن المختلط بضحكاتٍ لا تخلو من شماتةٍ و إعتداد بذكائهن و حسنهن الفتان.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً